
الأسبوع الماضي، بعد نشر مادتي “طائفيون بربطات عنق”، نالني ما نالني من التأنيب الذي صدر عن أصدقاء كثر أحبهم. سأعترف بأنه تأنيب ودودٌ بالقياس مع ما بدت لهم أنها مادة قاسية. خضت نقاشات خاصة مع بعضهم. منهم من كان غاضباً بشدّة مما ورد في مقالتي، بعضهم أقل غضباً، مع كثر استحسنوها، بل واعتبروها منصفة.
لن أكتمكم، ولن أكتم أصدقائي من الطرفين، أن الموقف العميق في معظم تلك النقاشات والمواقف كان يعتمد على الجذر الطائفي لصاحب الموقف إن كان سنّياً أو علوياً، حتى لو أن أصحاب الموقف لا طائفيون، كما أنا متأكد. اكتشفت، خلال تلك المعمعة، أن شيئاً واحداً قد شفع لي لدى المعترضين، وهو أنهم يعرفون تماماً أني أحمل في قلبي وعقلي ما يشبه ميزان الذهب، خصوصاً حين أكتب، كي لا أترك لشيء أن يتفلّت خلال الكتابة.
أهم ما توصلت إليه، شخصياً، خلال تلك النقاشات، الصريحة بمعظمها، أن هناك قشرة رقيقة لم نرفعها بعد، تغطي طبقة مترسبة في دواخلنا، لم نتمكن حتى الآن، من الوصول إليها خلال أعمق المكاشفات. الأمر الذي ينطبق حتى على الأكثر شفافية بيننا. تبدو تلك القشرة أحياناً تخفي ما يشبه الميل العاطفي طائفياً (هو أنسب توصيف توصلت إليه لحالتنا). ليبدو هذا الميل في موقعٍ أقل من أن يصلح لوسم صاحبه بأنه طائفي، وهنا لن أبرئ نفسي.
كيف ذلك؟ لستُ باحثاً مختصاً أصلح للإجابة عن هذا السؤال الشائك الذي يحتاج إلى دراسات معمقة، ولكن سأحاول أن أتلمس، بشكل سريع (سطحي للأسف)، بعض الجوانب والأسباب التي أجد أنها أورثتنا ما نحن عليه اليوم. أهمها، حجم الجريمة التي ارتكبها نظام الأسد الأب، خصوصاً خلال مواجهات الثمانينات حيث تشكّلت بدايات الشرخ، كي لا نذهب بعيداً في تاريخ الطوائف وتشكّلها وحقائق باطنيتها الدينية عند العلويين، وتقيّتها السياسية عند السنّة.
بدأ الأمر مع المجازر التي ارتكبها حافظ الأسد ليس بحق الإخوان المسلمين، أعدائه المعلنين بحسب خطابه السياسي، بل بحق بيئات السنّة في أكثر من مدينة سورية، عبر أجهزة الأمن وعبر “سرايا الدفاع” والوحدات الخاصة، ذات الصبغة العلوية التي قادها رفعت الأسد وعلي حيدر وهاشم معلا وغيرهم من الأسماء المعروفة في تلك المرحلة، ما أكسب المواجهة بعداً طائفياً ملموساً في المجتمع، فجعل تلك البيئات، من الجانبين، تنكمش تجاه المختلف طائفياً. فبدا كأن العلويين هم من ارتكبوا الجريمة من وجهة نظر السنة، وبدا للعلويين أن الطرف الآخر (السُنَّة) كان يخطط لإبادة العلويين عبر اقتلاع النظام، بحسب الرواية غير المعلنة التي حاول الأسد ترويجها وترسيخها في البيئة العلوية.
كانت رسالة الأسد الأب يومها للسوريين “سوف أحكمكم إلى الأبد” التي تحولت شعاراً فيما بعد، أما السنّة فقد قرؤوا الشعار “العلويون سيحكمونكم إلى الأبد”. ثم جاء توريث الابن ليؤكد لهم، إن الأبد العلوي الذي اعتقدوه دوماً كان صحيحاً. فالتوريث لم يكن دستورياً (أرجو ألا تسخروا من استخدامي لمثل تلك التعبيرات) ولا حتى عائلياً بالمعنى الملكي للتوريث من وجهة نظر السُنّة، لكنه طائفي ارتدى ثوباً عائلياً، ليجد تبريراً ولو كان واهياً. فتهمة أنه توريث عائلي أخف وطأة من أن يكون توريثاً طائفياً.
ثم لتأتي بعدها الجريمة والمجزرة الكبرى خلال الأربعة عشر عاماً الأخيرة على يد الابن الذي ورث الحكم، والتي مرة أخرى طالت تلك البيئات، حيث ضحايا القتل تحت التعذيب وضحايا القصف وتدمير المدن والقرى، والكيماوي والبراميل. وكانت الحصيلة قتل وتشتيت تلك البيئات وتهجيرها، ومرة أخرى بدا لهؤلاء أن المرتكب هو العلوي، في معظم الحالات، ومن السذاجة إقناع الضحايا بغير ذلك، حتى لو صحَّ نسبياً في بعض الحالات.
كل هذا جعل من العلوي في الذهن السوري الأكثري شريكاً أصيلاً للقاتل، إن لم يكن هو القاتل بصفته الطائفية. بدا هذا حتى في أذهان أكثر المنصفين، ولن ينفع هنا ولن يغير في الأمر تبريرات من مثل بأن الأسد أفقر البيئات العلوية مما جعلها تتوجه لأجهزة الأمن والحرس الجمهوري، بصفتها تلك وليس بسبب الانتماء الطائفي، فباقي البيئات السورية ليست أكثر غنى، بل هناك بيئات أشد فقراً وتخلفاً، لكن الأسد اعتمد العصبية الطائفية لشدّ أزره والحفاظ على بقائه في السلطة، ونجح في ذلك عبر تقديمه بعض المكاسب المادية مما تنتجه الدولة، وعبر نهب منظّم (تعفيش) طال تلك البيئات لسنوات طويلة.
تلك الممارسات رسّخت لدى عموم الجمهور قناعاته الصلبة التي نشهد نتائجها اليوم بتصويب الاتهام نحو العلوي بصفته شريكاً للقاتل. ولن ينجو من هذا الانحياز حتى أشد المنصفين والعقلانيين من السُنَّة، فحتى لدى هؤلاء، من ذوي التفكير الهادئ، هناك ندبة ترسخت خلال نصف قرن، حتى لو ادّعوا عدم وجودها.
المخيف للمستقبل، أن ما يحدث اليوم من قتل طائفي ومجازر انتقامية في الساحل، لم تتوقف حتى الآن، سيترك ندبة أخرى مماثلة في الطرف المقابل، حتى لدى المنصفين الذين يعرفون دوافع ما يجري وسياقه التاريخي، نحن نرى بوادرها اليوم،، لتجعل من السنّي حتى لو كان عقلانياً ومنصفاً شخصاً ينتمي إلى جهة مقابلة، وهذا ما نشهده بوضوح في ظلّ الاستقطاب الحاد حالياً. شخصياً، حاولت خلال هذا الأسبوع تلمس تضاريس تلك الندبة في داخلي فلم أصل إلى نتيجة، ومع ذلك ليس لديَّ أدنى شك بأنها موجودة، ربما في مكان أعمق من الذي وصلت إليه حتى الآن.
خلال زيارة امتدت شهراً إلى سوريا بعد سقوط الأسد، سمعتُ من الكثيرين في مجتمع المدينة، عن فرحهم بكسر احتكار العلويين لوظائف الدولة، بل وحتى الأمنيات بطردهم منها، هنا أتحدث بشكل خاص عن مدينتي حمص، حيث يتداول الناس نسباً مئوية حقيقية كاسحة عن احتلال العلويين للوظائف في كل مؤسسة أو دائرة حكومية في المدينة. توزيع الريعية المادية الناتجة عن الوظائف الرسمية في الدولة على أساس طائفي، ليس أمراً غير ذي أثر لدى هؤلاء المواطنين الذين كانوا يجدون أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة في “سوريا الأسد” إلى ما قبل سقوطه بيوم واحد.
الصراخ اليوم لدى أصدقاء علويين بأننا ذاهبون إلى الكارثة، وإلى شرخ اجتماعي وطائفي سوف يمتد لعشرات السنوات محق وصحيح تماماً، لكن الأكثر صحةً أنه لا الكارثة ولا مختلف أنواع الشروخ الاجتماعية والدينية والطائفية والإثنية ابتدأت في الساحل خلال آذار/مارس الماضي. بدأ هذا قبل نصف قرن وما زال مستمراً إلى اليوم، ويجب العمل فوراً على وقفه، لنتمكن، بعد زمن ربما ليس بالقليل، من القول إننا عائدون من الكارثة، ولسنا ذاهبين إليها.
أسهل حياة للفرد، عندما يتعلق الأمر بالخوض في القضايا العامة، هي السير ببلادةٍ مع قطيع ما، وتبني أفكار هذا القطيع مهما كانت ركيكة، دون طرح الأسئلة، ودون الشعور بالمسؤولية الوطنية، مع ما يرافق ذلك، من ضرورة رمي القطعان المنافسة أو المعادية بما بها وما ليس بها. ستجد قربك من سوف يصفق لك، دون أية توقعات إيجابية من قطعان الطرف الآخر التي ستشتمك بطبيعة الحال، ولن يشعرك ذلك بأي ضير ما دام الأمر صادراً عن الآخرين (الأشرار). إنه الموقع الذي لا أريده لنفسي، ولا أتمناه لأي سوريّ، خصوصاً أصدقائي.
حين أعود عشر سنوات للخلف وأذكر ما كنت أريده لسوريا، وما كانت تريده جبهة النصرة أو ما يريده أبو محمد الجولاني شخصياً لها، ثم أرى ما وصلنا إليه اليوم، فأنا أشعر أن الواقع أقرب الآن إلى حلمي عن سوريا من أحلام الجولاني، بل وأشعر أني منتصر أكثر منه، رغم أنه يقطن اليوم في قصر الرئاسة.
فأنا، كمواطن سوريّ، بقيت على الكثير من الثوابت التي أؤمن بها وتحقق جزء منها، أكثر مما فعل هو خلال تحوّلاته الحادّة ليغدو الرئيس أحمد الشرع. رغم ما يرافق ذلك اليوم من مخاضات عسيرة أهمها الفلتان الأمني في كثير من المناطق، الأمر الذي أخشى أنه متعمد وليس كما يُوصّفه البعض. ولكن هل أعني أن هذا هو النصر الذي كنت أريده لسوريا؟ لا إطلاقاً، ولكنه النصر الذي سوف يفتح الباب السوري على غد مازلت مصراً أنه أفضل بعد كسر قفل أبد الأسد.
باختصار، هذا هو واقعنا اليوم بصورته الفجّة ودون تزيينات. نحن أمام كارثة وطنية مكتملة الأركان، ورثناها عن حقبة الأسدين، والمخجل المعيب أننا نتابع بها، وهذه مسؤولية السلطة الحالية. المطلوب منا، بل وليس أمامنا، سوى أن نبتكر لها حلولاً مستدامة، غير إقصائية، تخفف منها شيئاً فشيئاً، ليكون بالإمكان حلّها بعد سنوات، وإلا فإن مفاقمتها عبر انتهاج طريق الغلبة الطائفية، باعتماد سياسات مخاتلة وشكلية سوف تبقي الكارثة مشتعلة تحت رماد من نوعٍ ما. كارثةٌ ستظهر في التاريخ ثانية أمام الأجيال السورية الجديدة، هكذا قال التاريخ على الدوام، وهذا ما سيفعله بنا إن بقينا على غفلتنا.
المصدر: موقع تلفزيون سوريا