
لم يمض على سقوط النظام السوري السابق إلا أسابيع معدودة حتى إنبرت مصادر وجهات كثيرة لتسليط أضواء مكثفة على كل حدث مهما كان صغيرا ام كبيرا ؛ يجري في سورية ؛ مع تفنيد كل خطوة تقوم بها السلطة الجديدة متهمة إياها بالكثير من الكلام الذي يحتمل كثيرا من التأويلات والتفسيرات المختلفة..المؤيدون يعتبرون أن مجرد إزاحة النظام السابق إنتصارا للشعب السوري بعد أكثر من نصف قرن جثم فيها ذلك النظام على قلوب السوريين قتلا وتدميرا وتهجيرا وتخريبا..وإذا كان من حق كل سوري أن يتعرض بالنقد لأية ممارسات سلبية للسلطة الجديدة ، بل من الواجب القيام بذلك ؛ إلا أن شيئا من الموضوعية يقتضي النظر إلى ما يجري بالفهم والتحليل وبيان الأسباب الحقيقية وخلفيات ما جرى ويجري للوصول إلى تحديد مسؤولية كل طرف ..
ولعله من الإنصاف أن يصار الى تقييم فترة النظام الساقط والتي زادت عن نصف قرن لمعرفة مدى مسؤوليته عن تحضير كل العوامل السلبية التي أوصلت سورية إلى ما هي عليه الآن..
كثيرون ممن يهاجمون السلطة الجديدة رغم حداثة حكمها ؛ يتغاضون عما فعله النظام الساقط وإن لم يدافعوا عنه بشكل مباشر..حتى أن بعضهم يجمل مسؤوليته ببضع كلمات نقد عابرة ؛ فيما يسهبون في التهجم على السلطة الجديدة متهمين إياها بشتى التهم محملين إياها مسؤولية ما يجري من أحداث وكل تبعياتها السلبية..
ظاهر تلك الإتهامات حرص على سورية من أخطار التقسيم والتدويل والإنهيار..وأكثر ما يبررون به اتهاماتهم ، ما يتعلق بكون النظام السابق نظاما مقاوما ممانعا يدعم ” المقاومة ” بوجه العدو الصهيوني ويمدها بكل أسباب القوة والصمود ..فإلى أي مدى يصح وصف النظام السابق بالمقاوم ؟؟ وهل صحيح أنه كان يحمي سورية من أخطار التدخلات الخارجية ويواجه إرهابا عالميا ومؤامرة كونية على سورية العربية ؟؟
وهل صحيح أيضا أنه النظام العربي الوحيد الذي يواجه العدو الصهيوني ويدافع عن فلسطين وقضيتها التحررية القومية ؟؟
قبل الحديث عن هذه الأمور نؤكد على عدة ثوابت نلتزم بها في رؤيتنا وموقفنا :
1 – بداية ليس في بيان عدم صحة هذه التوصيفات أي تبن أو دفاع عن السلطة الجديدة. وليس فيه ما يدعو الى تبرير أية مواقف سلبية أو تصرفات مرفوضة لا تصب في مصلحة الشعب السوري ولا في سعيه لتحرير سورية وبناء دولتها الوطنية الديمقراطية ..دولة لكل السوريين دون أي تمييز طائفي او عرقي أو مذهبي..
2 – إن مقاومة المشروع الصهيوني وعدوانه المستمر المتصاعد على كل الأرض العربية ، واجب على كل العرب ..وفرض عين على كل عربي يعي مخاطر ذلك المشروع الإستعماري المدمر..مقاومة شاملة بكل أبعاد الدفاع عن الوجود العربي المهدد..
3 – إن التدخلات الخارجية لم ولن تحمل مصلحة للشعب السوري كما لأية مصلحة عربية أو حق العرب في التحرر والإستقلال والنهضة والتقدم..وكل تسوية دولية لن تكون إلا على حساب التطلعات الشعبية ؛ في سورية كما في أي بلد عربي آخر..
4 – إن التغيير الذي حصل في سورية لم يكن ليتم لولا التضحيات العظيمة لشعبها العربي وصموده وإصراره على التحرر من نظام القهر والتبعية والفساد..وهو تغيير تم بناء على ما يبدو ؛ وفق تسويات دولية لم تعرف جميع خلفياتها وخفاياها بعد..ما يعني أنها تحمل في طياتها الكثير من المصالح الدولية على حساب تطلعات الشعب السوري الوطنية التحررية الإستقلالية..
5 – إن السلطة الجديدة محكومة بتلك التسويات الدولية ولا تبدو حتى الآن ؛ مقدرتها على تجاوز أو تخطي أو تجاهل تلك التسويات التي تكبلها وتملك الكثير من قوة الضغط والفرض وتحجيم التطلعات نحو التحرر والإستقلال..
6 – جميع القوى الدولية المتدخلة في الشؤون السورية ، لا ترغب ولا تسهل عملية إنتقال سلمي مدني هادىء للسلطة ..كما لا ترغب في رؤية سورية بلدا مستقرا قادرا على بناء دولته الوطنية ..كما تعمل على تقسيم وتقاسم سورية وتخريب وحدتها الوطنية الشعبية لا بل تملك أطماعا خطيرة فيها : في مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وأهميتها التاريخية في الدفاع عن الهوية العربية والمشاركة في النضال العربي التحرري..
7 – وفي غياب قوة عربية تضامنية فاعلة تسند نضالات الشعب السوري وتحمي تطلعاته ؛ تصبح سورية الحالية وحيدة في مواجهة كل أخطار التدخلات الدولية مع ما يعني ذلك من ضعف في مقدرتها على إفشال الأهداف الخارجية التخريبية بحيث لا يبقى لها من عناصر القوة إلا وحدة الموقف الشعبي المتجلي بالمشاركة الشعبية الفاعلة في تقرير المصير الوطني وفي إتمام التغيير المنشود بأقل الخسائر وأكبر العوائد الإيجابية ومحاصرة الأعمال الثأرية والإنتقامية والتي تحمل خطر التشظي والتدهور نحو مزيد من الشروخ الإجتماعية على أسس طائفية ومذهبية وعرقية..
8 – نرفض وندين أية إعتداءات على المدنيين والأبرياء من أية جهة أتت ..حتى معاقبة الذين أجرموا بحق الشعب السوري يجب أن تكون عبر محاكمات قضائية وفق الأصول القانونية وليست بالعمل العشوائي الخارج عن المؤسسات الرسمية المعنية..
9 – إن العلويين السوريين جزء أصيل من الشعب السوري..صحيح أن النظام الساقط إستغلهم طائفيا وإستخدمهم وقودا لحماية مصالحه وبقائه في السلطة ؛ إلا أنه تخلى عنهم وأساء إليهم وإلى دورهم الوطني وأربك مشاركتهم السليمة في النسيج الوطني ؛ فيما غالبيتهم لم يستفيدوا من إمتيازات وعطاءات ذلك النظام بل تكبدوا خسائر فادحة في الأرواح فقدموا عشرات آلاف شبابهم ضحايا تسلط النظام وفئويته وأكاذيبه وإدعاءاته بالدفاع عنهم..وهو ما بات واضحا للكثيرين منهم..
10 – إن الكثير من الفصائل الميليشيوية ” المعارضة ” كانت من صنع أجهزة النظام ذاته مع أجهزة الدول الخارجية التي رعتها وسلحتها لإفشال ثورة الشعب السوري السلمية وتشويهها وحرفها عن مساراتها الوطنية..وهي إرتكبت الكثير من الممارسات الإنتقامية التي يرفضها كل السوريين الشرفاء الأحرار ورأوا فيها خطرا على ثورتهم وتطلعاتهم الوطنية..
بالعودة إلى أكذوبة النظام المقاوم نورد بعضا من مواقفه العملية التي خربت صفوف المقاومة وتاجرت بقضية فلسطين وإستخدمتها ستارا لتعميم نهجه الإستبدادي التبعي الفاسد المنحرف..
ودون الدخول في حيثيات وصوله إلى حكم سورية وما رافقها من إلتباسات وملابسات مريبة ؛ نتوقف عند بعض المواقف العملية التي تلت حرب تشرين 1973 :
1 – تم دخول القوات السورية إلى لبنان سنة 1976 بالتوافق مع اميركا أو بتفويض مباشر منها عن طريق اتفاق مع هنري كيسنجر كما بينت الوثائق لاحقا..ظاهر التدخل كان للدفاع عن وحدة وعربة لبنان فكانت الممارسات عكس ذلك تماما..وبعدما أرغمت القوات السورية قوات الردع العربية المشاركة معها في لبنان على الإنسحاب منه ؛ أنجزت الأهداف التالية ببراعة :
أ – تم القضاء على الوجود الفلسطيني في لبنان فكان حصار وإسقاط مخيم تل الزعتر الفلسطيني ثم محاربة مؤسسات منظمة التحرير العاملة في لبنان ؛ ثم حصار وحرب مفتعلة على باقي المخيمات الفلسطينية في بيروت والضاحية فيما عرف بحرب المخيمات برعاية ودعم مباشر من القوات السورية وهي التي أدت إلى إستباحتها وقتل آلاف الفلسطينيين مقاتلين ومدنيين..
تبع ذلك إفتعال معرك طرابلس ضد ما تبقى من وجود فلسطيني في طرابلس والشمال اللبناني حيث تم تدمير وقتل آلاف آخرين من الفلسطينيين واللبنانيين المقاتلين معهم ومن المدنيين الأبرياء..
وعندما إجتاحت قوات العدو الصهيوني لبنان سنة 1982 ، إنسحبت القوات السورية تاركة القوات الوطنية اللبنانية والفلسطينية منفردة محاصرة في مواجهة العدوان الصهيوني..
فكيف يكون مع فلسطين أو المقاومة من فعل كل هذا ؟ وبتسهيل ومباركة أمريكية وربما ” إسرائيلية ” ؟؟
ب – لبنانيا : إستباحت القوات الرسمية السورية كل مقومات لبنان الوطن والدولة والمجتمع ..
إستباحت صفوف جميع القوى الوطنية وخربتها وأنهكتها بالحصار والتمزيق حتى الإضمحلال وإلغاء الفعالية الوطنية..حتى منظمة حزب البعث العربي الإشتراكي الموالية رسميا للنظام السوري ، لم تسلم من العبث الرسمي لذلك النظام فكانت مهملة مهمشة ومحاصرة وممنوعة من أي دور فكانت في أسوأ وأضعف حالاتها ..حتى أن الجبهة القومية التي كانت محسوبة على النظام السوري لم تسلم من حصاره ومحاربته لأحزابها وفي مقدمتهم إتحاد قوى الشعب العامل الذي قاتل قوى الحركة الوطنية دفاعا عن التدخل السوري في لبنان..فكان حصار ونفي رئيس الجبهة القومية ذاته كمال شاتيلا و قياداته وتهميش دوره ثم المشاركة في خطف وإخفاء الإمام موسى الصدر المرجع الشيعي البارز القيادي في الجبهة القومية..الأمر الذي فتح المجالات كلها لتنظيمات مذهبية مرتبطة بأجهزة الأمن السورية..
رافق ذلك كله إغتيال الكثير من القيادات الوطنية وعلى رأسها الزعيم كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد والكثير من الرموز الدينية و الوطنية التوحيدية..
وفي الوقت ذاته أشرفت القوات السورية على إنشاء ورعاية وتمكين تنظيمات مذهبية ساهمت بتخريب ما تبقى من القوة الوطنية الشعبية وحصرها في مسارات إنقسامية تبعية ..كما في حالة ما يسمى بتنظيم ” الأحباش ” السني المذهبي المرتهن لتعليمات الأجهزة الأمنية..
وكانت سياسة إغراق قيادات القوات السورية في قضايا الفساد والصفقات المحلية وما رافقها من نهب مليارات الدولارات من خزينة الدولة بعد إقتراضها من البنك الدولي ؛ سببا في إفساد معظم تلك القيادات العليا والمتوسطة والعادية وإبعادها عن مهامها العسكرية الأخلاقية ؛ كما في إيصال لبنان إلى حالة إفلاس إقتصادي ومالي بالمشاركة مع نظام المحاصصة الطائفية المتحالف معها..
ج – عربيا : يكفي النظام السابق عارا وخزيا مشاركة خمسة آلاف مقاتل من الجيش العربي السوري وتحت إمرة القيادة العسكرية الأمريكية لقتال الجيش العراقي فيما سمي قوات التحالف الدولي..
فكيف يكون وطنيا أو مقاوما أو قوميا من يقاتل جيشا عربيا تحت قيادة أمريكية ؟؟
د – سوريا :برع النظام الساقط في تعطيل كل أوجه الحياة السياسية والثقافية في سورية ..فكانت الأجهزة الامنية هي التي تدير كل مظاهر الحياة وتمنع كل تفاعل إجتماعي وتعتقل وتعذب وتقتل مئات آلاف السوريين بحجج واهية وتهم ملفقة كاذبة..نهب موارد سورية وأقتصادها وحصر ثروتها الوطنية بيد حفنة من العائلة الحاكمة وزبانيتها من رجال أعمال فاسدين..إستباح المجتمع السوري وأباحه لكل أنواع التدخلات الخارجية المخربة والمشبوهة ولأنواع التغيير الديمغرافي المريب ..أفقر سورية من كفاءاتها الشبابية والعلمية والأكاديمية..دمر مئات القرى والأحياء وهجر ملايين السوريين وإستقدم آلاف المقاتلين الأجانب يعبثون بهويتها وأمنها ووحدة مجتمعها الوطني..
واخطر من هذا وفوقه ساق سورية في إطار مشروع للحكم يقوم على التعبئة الطائفية والعصبية المذهبية بديلا عن اللإنتماء الوطني فحل الولاء للعائلة الحاكمة بديلا عن الولاء للوطن الأمر الذي افقد الجيش السوري هويته ووظيفته الوطنية لصالح دوره في القمع والقتل والتعذيب..فيما آعتداءات العدو الإسرائيلي تواصلت على مدار العقود الماضية دون أي رد سوى الكلام عن الرد في الوقت المناسب وهو ما لم يحصل أبدا..
فكيف يكون وطنيا من يفتك بشعبه ويزرع فيه العصبية المقيتة ؟
وكيف يكون مقاوما من يعتدي على شعبه ويسخر جيشه للعدوان عليه فيما تضربه قوات العدو ليل نهار دون رد منه ؟؟
المصدر: كل العرب