
تعيش تركيا منذ يوم 19 مارس/ آذار الحالي (2025) أوضاعاً متوتّرة، وأزمةً داخليةً غير مسبوقة، على وقع حملة اعتقالات طاولت مسؤولين بارزين في بلدية إسطنبول، أبرزهم رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو ورؤساء بضع بلديات أخرى. وقد شملت الاعتقالات 93 شخصاً، بعضهم رجال أعمال وبيروقراطيون وصحافيون. وبينما لم يُقبض على 13 مطلوباً آخرين، فقد أُفرج عن 42 موقوفاً مع بقائهم تحت المتابعة القضائية. وما أن جرى تداول نبأ الاعتقالات التي جرت في ساعات الصباح الباكر، حتى انطلقت مسيرات احتجاجية واسعة في إسطنبول وأزمير، دعا إليها حزب الشعب الجمهوري المُعارِض، الذي يترأّس أعضاءٌ منه بلديات المدن الكبرى: أنقرة وإسطنبول وأزمير، رغم إعلان حظر التجمّعات، وهو ما التزمت به ساكنة العاصمة أنقرة بخلاف المدينتَين الأخريَين، إذ تواصلت فيهما الاحتجاجات الواسعة إلى أن أعلن الحزب المُعارِض توقفها، مساء الثلاثاء الماضي، على أن يُحشد تجمّع كبير اليوم (السبت).
لم تقع (لحسن الطالع) حوادث عنف خلال هذه المظاهر الاحتجاجية، غير أن ما لا يقل عن ألف شخص من المحتجّين، بينهم عدد من “كبار المحرّضين”، أوقفوا، فيما لم يخلُ الأمر من عنف لفظي طاول الرئيس رجب طيّب أردوغان وعائلته، مع اتهامات المعارضة للحكم بتدبير “انقلاب مدني” لقطع الطريق أمام أوغلو لخوض سباق الرئاسة في العام 2028، وأن الاعتقالات ذات منحىً سياسيٍّ وليست مسألةً قضائيةً، وأنه لطالما استُهدف رؤساء البلديات المُنتخَبون ممّن ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري، فيما لم تخضع أيّ بلدية يترأسها أعضاء في حزب العدالة والتنمية للمساءلة منذ 20 عاماً. وقد ردّت السلطات على ذلك بأنّ الاتهامات بالاحتيال والتربّح غير المشروع موثّقة بالشواهد والقرائن، وأن السلطة القضائية قد تحرّكت بعد ورود شكاوى من داخل حزب الشعب المُعارِض، وقد أبدى موقوفون استعدادهم للشهادة ضدّ حزب الشعب بما ينقلهم من صفة متّهمين إلى شهودٍ، وهو ما يتيحه القانون التركي للموقوفين نُشداناً لتخفيف العقوبة عن هؤلاء، ولتسهيل سير إجراءات العدالة. وتُحاجج السلطاتُ بأنها لا تتدخّل من قريب أو بعيد في القضاء، وأن مسارعة الادّعاء العام لإسقاط اتهامات التعاون مع جماعة إرهابية (حزب العمّال الكردستاني) عن أوغلو، يكشف استقلال السلطة القضائية في قراراتها.
إسقاط الادّعاء العام عن أوغلو تهم التعاون مع جماعة إرهابية، يكشف استقلال السلطة القضائية
وقد لعبت وسائل الإعلام، التقليدية منها والرقمية، دوراً مشهوداً في التجييش، مع العلم أن المعارضة تحوز أغلبية القنوات والمنابر ذات النفوذ والتأثير في الجمهور، وهو ما يدلّل (في جانب منه) على أن حرّية التعبير باتت من “الثوابت” غير القابلة لنقضها أو التراجع عنها من أيّ أحد من المتنافسين، بما في ذلك السلطات التي بدت كأنّها قد فوجئت بحجم الاحتجاجات، إلى درجة وصف معها أردوغان هذه التحرّكات بأنها “إرهاب شارع”. ولحسن الحظّ، وحسن التدبير، أن حزب العدالة والقوى الاجتماعية الكبيرة، التي تؤيّده، لم تسعَ، حتى تاريخه، إلى تنظيم احتجاجات مضادّة، وإلا لكانت بلاد الأناضول قد شهدت محاولات متعارضة للسيطرة على شوارع، مع ما يحفّ بذلك من محاذير شديدة. بل لاحظ مراقبون أن نوّاب حزب العدالة والحركة القومية الحليفة للحزب لم يلقوا بثقلهم في السجالات المندلعة، وربّما خفّف ذلك من حدّة الاستقطاب الجاري، وإن كان قد أشاع انطباعاً بأن المعارضة تهيمن على الشارع. وهو انطباعٌ غير دقيق، وإن كان لا يجانبه الصواب بصورة تامّة، ذلك أن الاحتجاجات برزت في مدنٍ معدودة كبرى، وليس في عموم البلاد.
تضرّرت الصورة العامة لتركيا جرّاء هذه المستجدّات، فقد شهدت البورصة انخفاضاً حادّاً أدّى إلى وقف التداول غير مرّة، فيما خسرت العملة الوطنية (الليرة)، نحو 15% من قيمتها أمام العملات الأجنبية الرئيسة، قبل أن يضخّ البنك المركزي كمّيةً كبيرةً من الدولارات في الأسواق، ما أدّى إلى استعادة العملة نصف خسائرها. ولم تتأثّر الاستثمارات الأجنبية بصورة فورية، غير ان تمدّد الأزمة إذا حدث، قد يلحق ضرراً بهذا الجانب، إضافة إلى حركة السياحة التي يقترب موسم ذروتها مع بدء شهر إبريل/ نيسان. وبينما أبدت دوائر غربية قلقها البالغ من هذه التطوّرات، إلا أنه لوحظ أن هذا القلق، وخاصّة ما بدر من واشنطن لم يشتمل على أيّ إجراءات أو التلويح بها.
يستخدم سلاح المقاطعة في مواجهة أطراف أجنبية لا مؤسّسات اقتصادية وطنية أيّاً كانت هُويَّة أصحابها السياسية
وفي جميع الأحوال، كشفت هذه الأحداث مجدّداً انقساماً عميقاً يشقّ الحياة العامة في بلاد الأناضول، إلى درجةٍ يبدو معها في هذه الآونة غير قابل للتجسير، برغم أن هذا الانقسام يتأسّس على مجرّد تنافس سياسي محموم (وليس على انشطار عرقي أو ديني مثلاً) بين العلمانيين (حكموا البلاد نحو ثمانية عقود تخلّلها اختراق واحد لتيّار إسلامي في 1997، بتشكيل الإسلامي نجم الدين أربكان حكومته التي سرعان ما جرى الانقضاض عليها من العسكر في العام التالي)، وما يصنّف بأنه يمين قومي إسلامي يمثّله حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002. وقد رفض العلمانيون على الدوام، ممثَّلين على الخصوص بحزب الشعب الجمهوري، المشاركةَ في أيّ ائتلاف حكومي، وهم يصدُرون في سلوكهم السياسي من قناعةٍ لديهم بأن الحكم قد انتُزِع منهم (بتدبير خفي ما)، فيما هم في نظر أنفسهم ورثة كمال أتاتورك، مؤسّس تركيا الحديثة. أمّا الأطراف المحافظة القومية فترى أن العلمانيين قد شوّهوا هُويَّة المجتمع المُركّبة بإنكارهم للمكوِّن الإسلامي للمجتمع، واعتمادهم علمانيةً قسريةً متطرّفةً، وأنهم ممثَّلون بحزب العدالة والتنمية نجحوا عبر الصناديق (كما عبر الأداء الحكومي) في مصالحة تركيا مع نفسها، ضمن ما سُمّي سابقاً بـ”العلمانية المؤمنة”، وأنه أمكن لهم أن يرفعوا من شأن البلاد بتحقيق نهضة شاملة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، بوّأتها مركزاً إقليمياً، ودولياً، متقدّمَين، خلافاً لما كانت عليه بلادهم من وضع مُزرٍ على جميع المستويات. ومن المثير أن أردوغان قد كشف ذات مرّة عن فحوى الانقسام (يظهر في المدن أكثر منه في الأرياف) حين تحدّث عن “أتراك بيض”، كما يصنّف العلمانيون أنفسهم، في مقابل “أتراك سود”، يضمّون المحافظين والريفيّين والمتديّنين، والشرائح الاجتماعية الضعيفة والمُكافِحة، ولم يتوانَ الرئيس التركي خلال ذلك (مُتهكّماً ومتحدّياً) عن وصف نفسه بأنه “تركي أسود”.
ومن الجلي أن هذه الأزمة تمثّل اختباراً بالغ الجدّية والحساسية لجميع الأطراف، وأن نتيجة هذا الاختبار سوف تنعكس في مسار البلاد لأمد غير قصير. اختبار للسلطة القضائية بأن تبرهن اليوم (وغداً وبعد غد)، استقلاليتها التامّة، وتحرّرها من أيّ تأثير سياسي فيها، وهو ما يقتضي الإسراع في إجراءات التقاضي، ونزع الانطباع بأن القضاء التركي يتّصف بالبطء الثقيل. ويشمل الاختبار السلطات العامّة، بأن تترك القضاء يأخذ مجراه، وألا تقوم بتسريب بعض جوانب التحقيقات، وأن تبادر لتخفيف الاحتقان بإخلاء سبيل العدد الأكبر من المحتجّين مثلاً، وجُلّهم من شريحة الشبّان المتأثرين بالأزمة الاقتصادية والتائقين لدور لهم في تقرير مستقبل البلد. هذا إلى جانب المعارضة، التي يتعيّن عليها البرهنة على استعدادها للاحتكام إلى العدالة والحدّ من اللجوء إلى الشارع، بعدما أدّت الاحتجاجات طيلة أيّام الأسبوع الأول الغرض منها، وأن لا تنزلق المعارضة إلى التأثير السلبي في الحياة العامّة، وفي القلب منها الحياة الاقتصادية، وذلك بعدما دعت إلى مقاطعة منتوجات شركات ومؤسّسات مملوكة لأعضاء في حزب العدالة والتنمية، إذ إن سلاح المقاطعة قد يُستخدم في مواجهة أطراف أجنبية نتيجة أزمة سياسية ما، أما المؤسّسات الاقتصادية المحلّية فتبقى مؤسّسات وطنية، أيّاً كانت الهُويَّة السياسية والأيديولوجية لأصحابها، علماً أن مثل هذا السلاح أشهر في وجه حكومة أربكان من العسكر في العام 1998، حين حُرمت شركات يملكها إسلاميون من دخول مناقصات حكومية، وهو ما يُفاقم من البطالة، ويلحق الضرر بمعايير التنافس الاقتصادي، ويمُسّ بالوحدة الوطنية.
المصدر: العربي الجديد
الأزمة التي تشهدها تركيا بين العلمانيين من حزب الشعب الجمهوري ومؤيديه وبين حزب العدالة والتنمية وشريكه الحزب الجمهوري، بين “أتراك بيض” العلمانيون، مقابل “أتراك سود”، المحافظين والريفيّين والمتديّنين، والشرائح الاجتماعية الضعيفة، أثرت على المجتمع والإقتصاد، كان تعامل السلطة لمواجهة تحرك المعارضة بإحتوائها وليس لمواجهتها، فهل ستكون إنتصار جديد لأردوغان؟