حربٌ على الثوابت الوطنية الفلسطينية أيضاً

سعيد زيداني

كان بنيامين نتنياهو، مثل أبيه بن تسيون، ولا يزال، من مريدي زئيف جابوتنسكي، مؤلف مقال وصاحب عقيدة الجدار الحديدي، المقال الذي كُتب قبل ما يزيد على قرن، والعقيدة التي ما زالت سائدة في (ومهيمنة على) الفكر الصهيوني. وعقيدة الجدار الحديدي مفادها: امتلاك تلك القوة العسكرية الرادعة والقادرة على إخضاع العدو وتليين مواقفه إلى درجة قبوله بشروط الحلّ المريحة للطرف الصهيوني. ومن هنا، ليس من باب المصادفة أن تحمل الحرب المدمّرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول (2023) اسم “السيوف الحديدية”، كما ليس من باب المصادفة أن تحمل العملية العسكرية على مدن شمال الضفة الغربية ومخيّماته منذ يناير/ كانون الثاني (2025) اسم “السور الحديدي”، كما ليس من باب المصادفة أن تحمل قاذفات الصواريخ اسم “القبّة الحديدية” قبل ذلك. مصطلح “الحديد” حاضرٌ بقوة في جميع هذه الأسماء، وهو يشير إلى الردع أو/ والإخضاع للعدوّ، سواء كان هذا العدوّ في قطاع غزّة أو في الضفة الغربية أو في دول الجوار العربية، وأبعد. ردع العدو أو/ وإخضاعه هو الهدف الرئيس في جميع الحالات.

أهداف حرب إسرائيل المُعلَنة لا تبرّر استهداف ذلك العدد المهول من المدنيين. فهناك أهداف أخرى غير مُعلنة تبرّر هذا العدد من الضحايا

وبناءً عليه، تتحدّد ساحات المواجهة، أهدافها الخاصة وثقل كلّ منها، علماً أن الأهداف الحقيقية للمواجهة لا تتطابق مع الأهداف المُعلَنة، فالأهداف المُعلَنة للحرب على قطاع غزّة تتلخّص بالآتي: استعادة الأسرى/ الرهائن الإسرائيليين وتقويض القدرات العسكرية وقدرات الحكم للمقاومة الإسلامية وتوفير الأمن للمستوطنين في مدن غلاف غزّة وقراه. ولكنّ الأهداف الحقيقية للحرب تتعدّى ذلك كلّه بكثير، فالأهداف المُعلَنة لا تبرّر استهداف ذلك العدد المهول من المدنيين وذلك القدر المهول من الأعيان المدنية. ويعرف العارفون أن هناك أهدافاً أخرى غير مُعلنة لتبرير هذا العدد من الضحايا، وذلك القدر من الدمار، أهدافاً ذات علاقة بتحويل قطاع غزّة مكاناً طارداً للحياة الإنسانية الكريمة. بكلمات أخرى، الأهداف غير المُعلَنة للحرب لا تستثني إفراغ القطاع جزئياً، أو إفراغ أجزاء منه، من السكّان الأصليين، وإبقائه محاصراً وغير متّصل إدارياً وسياسياً مع الضفة الغربية، التي بدورها تعاني الأمرين من الممارسات الوحشية لقوات الاحتلال، قبل الحرب وخلالها.
تلك الممارسات الوحشية في الضفة الغربية تتجلّى وتتمثّل، من بين أمور أخرى، في أولاً، فصل مدينة القدس الشرقية بالحواجز والقوانين عن بقية الضفة الغربية وتكثيف الاستيطان فيها. ثانياً، في ما يزيد عن 800 حاجز وساتر ترابي يفصل بين محافظات الضفة الغربية، وبين كلّ مدينة، والقرى والمخيّمات المحيطة. ثالثاً، في الاعتقالات التي طاولت ما يزيد عن عشرة آلاف فلسطيني وفلسطينية منذ بداية الحرب، وتعذيب وسوء معاملة السجناء والموقوفين.
أمّا رابعاً، فتتمثل في إنهاك السلطة الوطنية الفلسطينية إدارياً ومالياً، وتحويلها عملياً رابطةَ مدنٍ متفرّقة ومحاصرة. وخامساً، في زيادة ملحوظة في عدد البؤر الاستيطانية، خاصة الرعوية منها، وتصاعد في مصادرة الأراضي وعنف المستوطنين، وفي (سادساً) استهداف مخيّمات الضفة الغربية عامّة، ومخيّمات شمال الضفة الغربية خاصّة: مخيمات الفارعة وجنين والعين، ومخيَّمَي طولكرم، وذلك بإلإضافة إلى تعطيل أو عرقلة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في تلك المخيّمات… هذا كلّه عدا العدد الكبير منذ بداية الحرب، وغير المسبوق خلال العقدَين الأخيرَين، من القتلى والجرحى من فلسطينيي الضفة الغربية بنيران قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين المسلّحين.
ليس ما ورد أعلاه عرضاً أو تقريراً عن انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967. وليس هناك، كما نعرف جيّداً، أي نقص لمثل هذه العروض والتقارير من منظّمات حقوق الإنسان، المحلّية والإقليمية والأممية، وكلّها تدين قوات الاحتلال بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في غزّة والضفة الغربية. يبرّر ما ورد أعلاه الاستنتاجين: أولاً، للحرب المدمّرة أهداف غير مُعلَنة إضافة إلى أهدافها المُعلَنة، وأن الأهداف غير المُعلَنة لا تقلّ خطورة عن تلك المُعلَنة. ثانياً (والأكثر أهمية)، أن الأهداف غير المُعلَنة تعنى أساساً بالانقضاض (أو بالإجهاز) على المشروع الوطني الفلسطيني عامّة، وعلى الثوابت الوطنية الفلسطينية الثلاث التالية خاصّة: الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حدود 4 يونيو/ حزيران 1967 والقدس الشرقية عاصمةً لها، وحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين حسب أحكام قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، فتكريس الفصل الإداري والسياسي بين غزّة والضفة الغربية، وفصل القدس عن بقية أجزاء الضفة الغربية وتكثيف الاستيطان فيها، والفصل بين محافظات الضفة الغربية، وبين المدن والقرى والمخيّمات في محيط كلّ منها، ومحاصرة السلطة الفلسطينية واستنزافها إدارياً ومالياً، هذا كلّه يتعارض مع قيام دولة فلسطينية مستقلّة ومتّصلة الأجزاء تكون القدس الشرقية عاصمة لها. كما أن تخريب المخيّمات في غزّة والضفة الغربية وإفراغها من السكّان وتعطيل دور “أونروا” في إغاثة اللاجئين، تعليمهم وتشغيلهم، إضافة إلى استهداف وجودها حارسةً لحقّ العودة والتعويض، هذا كلّه يتعارض مع روح ونصّ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وهل نحتاج إلى أدلّة إضافية كي نستنتج أن هناك هدفاً رئيساً غير مُعلَن لـ”السيوف الحديدية” (غزّة) و”السور الحديدي” لاحقاً (شمال الضفة الغربية)، مفاده إفراغ الثوابت الوطنية الفلسطينية الثلاث من مضمونها؟… حتى اتفاق أوسلو (1993) المُجحِف، بشقّيه السياسي والاقتصادي، أُلغي عملياً من حكومة إسرائيل اليمينية، المفرطة في يمينيتها.

الهدف المضمر لـ”حرب الحديد” تطويع الفلسطينيين وإخضاعهم وتقويض ركائز مشروعهم الوطني

وللإجمال، للحرب الدموية والمدمّرة على قطاع غزّة، التي انطلقت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحملت اسم عملية السيوف الحديدية، كما لعملية السور الحديدي لاحقاً، أهداف مُعلَنة وأخرى غير مُعلَنة. حفظنا المُعلَنة عن ظهر قلب، ونعرف جيّداً أنها لم تتحقّق بصورة كاملة أو مطلقة، رغم ما حصدته من عدد هائل من الضحايا (ما يزيد على 160 ألفاً من القتلى والجرحى، عدا آلاف من المفقودين)، والقدر الهائل من الدمار (لما يزيد عن ثلثي الأعيان المدنية في غزّة)، وما سبّبته (ورافقها) من معاناة يصعب وصفها أو التعبير عنها. ويعرف العارفون من الخبراء والفقهاء أن هذا العدد من الضحايا، وهذا القدر من الدمار، لا تبرّرهما ضرورات الحرب أو أيٍّ من أهدافها المُعلَنة. هناك إذاً أهداف مُضمرة لتبرير ذلك (أو ذرعنته). وإذا أخذنا بالاعتبار بصورة جدّية تلك الممارسات الإسرائيلية المذكورة في كلّ من مدينة القدس الشرقية وبقية أجزاء الضفة الغربية، وتلك الإجراءات المذكورة ضدّ كلّ من السلطة الفلسطينية و”أونروا”، لكان لدينا من الأدلّة ما يبرّر استنتاج أن الهدف المُضمَر لـ”حرب الحديد” هو تطويع الفلسطينيين وإخضاعهم، وتقويض ركائز مشروعهم الوطني. وإذا كان الأمر كذلك، أيّ إذا كان حجم التحدّي كذلك (ويعتقد كاتب هذه السطور أنه كذلك)، فإن الردّ الواجب والعاجل لم يعد يقتصر على ضرورة وقف الحرب وإغاثة المنكوبين وإعادة إعمار غزّة، وإنّما يتعدّى ذلك إلى ضرورة حماية المُستهدَف والمُهدَّد بالتقويض من ركائز المشروع الوطني الفلسطيني.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى