
لعلّه السؤال الذي لم يبرح المكان بعد، وهو ما انفكّ موجوداً وحاضراً سمةً للتفكير اليومي لدى السوريين في كلّ مكان، سواء في الداخل أو في الخارج، من عاد إلى الوطن بعد زوال نظام بشّار الأسد، أو من لم يعُد بعد، بانتظار مزيد من التغيّرات الأخرى، التي ما زال الجميع بانتظارها، ويبقى السؤال: هل أضحت سورية بخير، وعاد شعبها لممارسة حيواته بشكل طبيعي، أم أن الشعب السوري والحالة السورية في مرحلة البرزخ، يقبعان في أتون بين بين؟… أسئلة كثيرة ومتعدّدة تصعد إلى مخيال السوريين جميعاً، وهم يرون ويتابعون المشهد السوري المختلف، والجديد بعد فرار بشّار الأسد إلى العاصمة الروسية موسكو، ومن ثمّ استلام فصائل الثورة السورية العسكرية ذات اللون الواحد (نسبياً) الحكم.
صحيح أن هناك تغيّرات جمّة حصلت في سورية، منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، لكن الحقيقة أيضاً أن حجم الخراب البنيوي الذي خلّفه نظام الأسد كان كبيراً جدّاً، ومن الصعب بحقّ على أي حكومة أو سلطة، أن تتمكّن من إعادة إنتاجه بشكل أفضل، بما يوازي تطلّعات الناس من السوريين، قبل مضي كثير من السنوات، إذ يعتبر أحد المسؤولين الأمميين الكبار أن اقتصاد سورية الحالي يحتاج إلى أكثر من خمسين سنة مقبلة ليعود إلى ما كان عليه قبل بدء المقتلة الأسدية بحقّ السوريين، وتخريب البنية التحتية التي تجاوزت نسبة تدميرها عتبة 65%، وهي تحتاج أكثر من 500 مليار دولار تكلفة إعادة بناء من جديد، في أقل التقديرات. ويحتاج هذا الخراب كلّه إلى مزيد من الوقت، كما يحتاج إلى تعامل حقيقي وجدّي من دول الإقليم والدول الكبرى، التي ما زالت تتردّد في رفع العقوبات عن كاهل السوريين، وكان يفترض أن ترفع وتزال مباشرة بمجرّد انتهاء حكم بشّار الأسد، لأنه هو وحكمه وأدواته من كانوا السبب الأساس لفرضها.
الخراب الذي خلّفه نظام الأسد يحتاج إلى وقت، وتعامل جدّي من دول الإقليم، والدول الكبرى التي تتردّد في رفع العقوبات
نعم، وبملء الفم، يمكن القول إننا (السوريين) قد حقّقنا كثيراً وكثيراً جدّاً عبر كنس نظام الأسد وتغوّل دولة الملالي بطهران على الحالة السورية، إلا أننا، وحتى اللحظة، لا يمكننا القول إننا قد عبرنا عُنق الزجاجة، وأصبحنا بخير عميم. إذ لا يزال الأداء الخدماتي في الحكومة المؤقتة متواضعاً، وما زلنا بعد مؤتمر الحوار الوطني ننتظر صياغة عقد وطني سوري جامع، تتوافق عليه فئات الشعب السوري كلّها. كما لا تزال هناك عقبات كثيرة أمام وحدة سورية أرضاً وشعباً، في وجود فصائل في شمال شرق سورية، وكذلك في الجنوب السوري، لها مطالبها وشروطها، التي قد لا تتوافق مع رؤية السوريين بمجموعهم، أو رؤية الإدارة السورية الجديدة.
كانت وحدة سورية وما زالت مسألة في غاية الأهمية، ولا يمكن التساهل فيها أو التصالح مع مَن لا يعمل في إنجازها. ومن ثمّ، قد يساهم الداعم الخارجي لبعض الفئات والفصائل هو الآخر في لجم عملية بناء الدولة السورية الواحدة وإعاقتها. ولعلّ انتظار الخارج والدول الكُبرى تحرّكات المراحل المقبلة التغييرية في سورية، وخاصّة آليات تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة، القادرة على تلبية الطلبات الداخلية والخارجية، هو ما سوف يكون المعيار الأهم، الذي على أساسه ستُبنى سورية، وتتوافق من ثمّ بناءاتها مع متطلبات الخارج والداخل، في عملية إشراك السوريين، بأيديولوجياتهم وإثنياتهم وطوائفهم كافّة، في كلّ المؤسّسات الوطنية المزمع إنشاؤها.
هي المهام الصعبة التي لن يكون إنجازها باليسير أبداً، وتحقيقها يحتاج إلى مزيد من العمل والجهد، ومزيد من الوعي المطابق لكلّ متطلبات السوريين وحاجاتهم اليومية والمرحلية. ولا يجب أن يغيب عن مخيالنا أبداً حجم التهديد الإسرائيلي الكبير، وخطورته المتزايدة التي تطاول الأرض السورية، بعد التمدّد المستمرّ فيها، والتصريحات الإسرائيلية بعدم سرور بنيامين نتنياهو ممّا جرى في سورية من تغيير وفرار الأسد. ذلك في ظلّ عدم قدرة الإدارة السورية الجديدة على فعل الكثير في مواجهة ذلك، لكن لا يمكن بالضرورة إلا أن يكون هناك مزيد من التحرّكات في جميع المستويات العالمية الأممية والدولية والعربية، في محاولة لكبح جماح بنيامين نتنياهو وأطماعه في الجولان السوري وسورية كلّها.
لا يجب أن يغيب عن مخيالنا أبداً حجم التهديد الإسرائيلي الكبير، وخطورته المتزايدة التي تطاول الأرض السورية
أمام هذه المتغيّرات والعقبات، هل تبعثرت (أو تبدّدت) فرحة السوريين باقتلاع نظام الاستبداد الأسدي؟ وهل يئس السوريون من احتمالات تحقيق الرغبات الوطنية السورية الكبرى؟ واقع الحال يقول إن الأمل لا يزال كبيراً ومتجسّداً في أن المقبل من الزمن سيكون أفضل، وأن حكومات اللون الواحد لم تعد ممكنة أو قادرة على المتابعة، وأن عثرات ومعوقات الحوار الوطني السوري يمكن تذليلها، وأن مشاركة المُحجمِين عن المشاركة باتت قاب قوسين أو أدنى من الفعل والفاعلية الحقّة، لأن الأمل ما برح موجوداً، والوعي الذي تملكه قيادات ونخب سورية يضعنا جميعاً أمام مسؤولياتنا، خاصّة أن الحلم الأكبر بزوال الاستبداد قد تحقّق، وأنه لم يعد من مكان في سورية لأي حالات جديدة من الاستبداد قد تشبه ما مضى أو تتساوق معه، بأي حال من الأحوال.
المصدر: العربي الجديد