أتنجح الديكتاتورية في سوريا هذه المرة؟

عمر قدور

لكلمة ديكتاتور إرث دلالي صار سلبياً في القرن الماضي، فطغى على المعنى الأصلي الذي نستخدمه هنا، ونقصد المعنى الآتي أصلاً من الأدبيات السياسية الرومانية قبل 2500 عام. حيث كانت كلمة ديكتاتور تعني تفويض مجلس الشيوخ أحدَ القناصل أو القضاة، بحسب التسميات الرومانية القديمة، ليحكم البلاد بصلاحيات استثنائية، ضمن ظروف وطنية تقتضي منحه هذا الاستثناء، ولأجَلٍ مسمّى عادةً، وفي التجارب الأولى كان الأجل المحدد قصيراً لا يتعدى الشهور الستة القابلة للتمديد.

يوم التاسع والعشرين من كانون الأول، تم تنصيب السيد أحمد الشرع رئيساً لسوريا، بموجب قرار صدر عن الفصائل العسكرية المجتمعة في دمشق لتعلن النصر على الأسد، بعد أكثر من خمسين يوماً من إسقاطه. طريقة تنصيب السيد الشرع رئيساً، والصلاحيات المُسندة إليه وفق قرار التكليف الذي أُعلِن، ثم خطاب الشرع نفسه في اليوم التالي؛ هذه جميعاً تؤكّد المعنى الذي ذهبنا إليه لجهة المضمون الديكتاتوري للتكليف، من حيث منحه صلاحيات استثنائية في ظرف استثنائي.

مع تنصيب السيد الشرع، بادر كتّاب ومحلّلون إلى تبرير ما حدث تحت مسمّى الشرعية الثورية، وهي تسمية مستمدة من أدبيات اليسار والأحزاب القومية، ومن الواضح أنهم تجنّبوا استخدام كلمة الديكتاتورية مع أن أطروحاتهم تدور حولها تحديداً. الإرث السلبي المعاصر للكلمة قد يبرّر تحاشيها، إلا أن البديل لا يقدّم إطاراً من المفاهيم يخدم نقاشنا السوري الحالي، لذا نعود للتأكيد على استخدامنا هنا للمعنى التقني الذي أشرنا إليه. الاستئناس بالشرعية الثورية مفيد هنا لجهة طريقة استلام السلطة، ومن ثم تقويض مؤسسات السلطة السابقة، لكنه لا يخلو من إرث سيء أيضاً، لأن الشرعية الثورية في التجارب المعروفة (ومنها سوريا) آلت إلى الطغيان والاستبداد.

اليوم، هناك أمر واقع يقرّ به معظم السوريين، أحبّوه أو كرهوه، فالسيد الشرع قاد العملية الأخيرة للإجهاز على سلطة الأسد، وهو في خطابه الأول الموجَّه إلى السوريين اعتبرها تتويجاً لنضالاتهم. ومن المؤكد أنه بحكم قيادته ما حدث في الشهرين الأخيرين يحظى بشعبية هي الأكبر حالياً ومن دون منافس. ورغم الاختلاف الشديد في آراء السوريين، ليس هناك اليوم مَنْ يطرح تنحّيه عن السلطة. وهناك إلى حد كبير إقرار (معلن أو غير معلن) بأن وضع البلد يتطلب ديكتاتورية ما، لئلا تغرق في فوضى فصائلية ومن ثم في حرب أهلية، وأن هذه الديكتاتورية هي المدخل لتوحيد البلاد تالياً.

بعد الإقرار السابق، يمكن الجزم بأن نسبة كبرى من السوريين تريد من السيد الشرع أن يكون ديكتاتوراً بالمعنى “الحميد” للكلمة، وهو الأصل الكلاسيكي لها. المفروغ منه، وفق هذا التصور، أنه سيجمع العديد من الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، بما أن المؤسسات المناط بها ذلك لم تعد قائمة، ومن نافل القول في الحالة السورية أنها كانت مجرد شكل خالٍ من المضمون. ولا أحد يقول اليوم أن سوريا جاهزة لانتخابات تُجرى سريعاً، لأن الأرضية المناسبة لإجرائها غير متوفرة، بما في ذلك جاهزية السوريين أنفسهم على مستوى التنظيم والاستعداد للترشّح والانتخاب الديموقراطي الحر.

هنا يجب التمييز جيداً بين الديكتاتورية والاستبداد، فالثاني غير محدود المدة بطبيعته، ومن مقوماته الأساسية ألا يكتفي بالاستحواذ على السلطات الثلاث، بل يتعدّاها إلى مصادرة الحريات العامة، ومن ثم الفضاء العام برمّته. نجاح السيد الشرع يكون بدءاً من عدم الاستحواذ شخصياً (أو بما يمثّل) على الفضاء العام، أي بإبقائه فضاءً عاماً يتشارك فيه السوريون على اختلاف أهوائهم ومشاربهم السياسية والاجتماعية.

ومما لا شكّ فيه أن سوريا انتقلت من عهد تكميم الأفواه كلياً إلى زمن: صفر مخابرات. هذا هو الإنجاز الذي تظاهر من أجله السوريون في مستهل ثورتهم، وهو مستحقّ تماماً، وواحد من أهم تحدّيات حكم السيد الشرع ألا تُمسّ الحريات العامة تحت أية ذريعة. لأن بدء المساس بها، مهما كانت الذريعة، سيكون توطئة للانتقاص منها بذرائع شتى. السوريون، بحكم طبيعة المرحلة، تنازلوا عن حقوقهم السياسية، من ترشيح وانتخاب ووجود سلطات ثلاث مع مبدأ الفصل بينها. وتجريدهم من حريات الرأي والتنظيم السياسيين، فضلاً عن الحريات الإعلامية والاجتماعية، سيؤدي إلى الاستبداد الذي تخلّصوا منه ولا يريدون رؤية ما يذكّرهم به. نذكّر بأن الديكتاتورية بالمعنى الأم لا تعني الانقضاض على الحريات العامة.

الواقع الذي آلت إليه الأمور بعد تنصيبه رئيساً على النحو الذي شهدناه، أن السيد الشرع يمتلك الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، من دون تحديد أو تقييد لها أو لمدتها الزمنية، والهيئة “الثورية” التي منحته التفويض انعقدت لمرة واحدة وصارت بحكم المنحلّة بموجب القرارات التي اتُخذت في الاجتماع نفسه. يُفهم من ذلك أن ما تحدّثَ عنه الشرع نفسه في إطلالات إعلامية سابقة لم يعد مطروحاً، تحديداً لجهة حديثه عن أربع سنوات من أجل انعقاد مؤتمر وطني، تنبثق عنه لجنة تقوم بإعداد الدستور، وصولاً إلى إجراء انتخابات في النهاية.

في خطاب السيد الشرع غداة تنصيبه، وفي القرارات التي رافقت التنصيب، لم تكن هناك إشارة إلى المدة التي ينتهي في آخرها الحكم الاستثنائي، لتبدأ الحياة السياسية الديموقراطية. لن نتوقف هنا عند غياب مفردة الديموقراطية عن التداول لدى الرئيس الجديد والمسؤولين الذي سبق له تعيينهم بعد إسقاط الأسد، ولنقل أن حديثه عن انتخابات حرة كافياً، لو أنه وضع سقفاً زمنياً ملزماً له، خصوصاً مع تقليله من شأن المؤتمر الوطني العتيد، إذ لم يعد مناطاً به وفق التصور الجديد الاتفاق على عقد اجتماعي، بل صار أشبه بمنتدى حواري استشاري.

رغم غياب وسيلة القياس السياسية، وهي الانتخابات، لا مجازفة في القول ثانية إن الرئيس الجديد يتمتع (بلا منافسة) بشعبية واسعة. المصدر الأول والأوسع لها نراه في المقارنة التي لا تزال ماثلة مع العهد البائد، والمصدر الثاني يفصح عن نفسه من خلال المقارنة مع الصورة الشائعة عن الإسلاميين وعن هيئة تحرير الشام بوصفها فصيلاً إسلامياً متشدداً، ليظهر قائدها بصورة مغايرة لما هو متوقَّع.

على ذلك انشغل سوريون كثر بمراقبة تفاصيل شكلية، مثل عدم مصافحة وزيرة أجنبية وارتداء ربطة عنق…، ومراقبة الشكليات الخاصة بالمسؤولين الكبار شائعة في الكثير من البلدان، إلا أنها لا تكون على حساب مراقبة الأداء بوصفه هو الأساس والفيصل. سوريا ليست استثناءً، والانتباه سينصبّ في المدى القريب على الإنجازات المطلوبة من العهد الجديد. ولأن الكارثة السورية ضخمة جداً فإن المسارعة إلى إنهاء الاستثناء الديكتاتوري تعفي الرئيس الجديد من تحمّل عواقبها بمفرده، حيث فرص النجاح مساوية لفرص نقيضه.

وضْعُ سقف زمني منطقي من أجل الوصول إلى نظام سياسي تداولي، والحفاظ على الحريات العامة ضمن هذه المهلة، هما ما يكفل نجاح الديكتاتورية في سوريا هذه المرة، وعدم انزلاقها إلى الاستبداد. الأدبيات السياسية الرومانية القديمة قدّمت نموذجين شديدي التطرف عن الديكتاتورية، واحد منهما نموذج يوليوس قيصر، والثاني هو سينسيناتوس الذي نجح في مهمته خلال 16 يوماً وتنحى عن المنصب عائداً لزراعة أرضه. ليس مطلوباً من القيادة الجديدة التصرف على غرار الأخير، ومن المرجّح بشدة أن يضمن نجاحُها في هذا الاستحقاق حصولَها على الشرعية الدستورية التي لم يدركها من قبلُ أصحابُ الشرعية الثورية.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قد تكون السلطة الديكتاتورية كمرحلة إنتقالية مقبولة بسورية، ولكن أن لا تتحول الى مستبدة، وذلك بوضْعُ سقف زمني لنهايتها للوصول إلى نظام سياسي تداولي، وبالحفاظ على الحريات العامة ضمن هذه المهلة، فهل يمكن أن يحدث ذلك؟ قراءة موضوعية.

زر الذهاب إلى الأعلى