أزمة المعارضة السياسية السورية

عبد الوهاب عاصي

بعد مرور تسعِ سنواتٍ على تشكيل أولى المؤسَّسات الرسميَّة للمعارضة السوريَّة، تظهر هذه المؤسَّسات اليوم في حالة من الأزمة العميقة، سواء على مستوى التمثيل الشعبي، أو حتَّى مستوى المهام الوظيفيَّة التي أنشِئَت من أجلِها.

ورغم مرور 51 دورة على الهيئة العامَّة للائتلاف الوطني، إلّا أنّه لم يستطِع تجاوز حالة الجمود التي يعاني منها على مستوى التمثيل والرؤية وآلياتِ العمل والتعاونِ والاستقلاليَّة والاستحقاقِ الانتخابي والحوكمة، ولا يختلف الأمر كثيراً عن هيئة التَّفاوض التي باتت معظم تلك العراقيل تقيّد عملها ومهامها.

واجه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية منذُ تشكيله في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، تحدِّيات سياسيَّة عديدة، وأدَّت عدم خبرته وتعامله معها بشكل غير ملائم إلى تراجع حضوره على صعيد تمثيل المعارضة السوريَّة من طرف، وعلى صعيد التَّمثيل الشعبي والدولي من طرف آخر.

كذلك بقيت هيئة التفاوض السوريَّة منذُ تشكيلها أواخر عام 2015 رهينةً للخلافات الإقليميَّة، التي قوَّضت من حضورها وتمثيلها ودورها في العمليَّة السياسيَّة، رغم إقرارها الإطار التنفيذي وفق بيان جنيف (2012) في أيلول/ سبتمبر 2016(1).

يستعرض تقدير الموقِف التالي واقع أزمة مؤسسات المعارضة السوريَّة الرسميَّة على مستوى الأداء والحضور، والعثرات والعراقيل الرئيسية التي واجهتها، كما يحاول استقراء مستقبلها.

أوّلاً: واقع المعارضة السورية سياسيَّاً

تعاني مؤسَّسات المعارضة السوريَّة السياسيَّة من ظاهرة مقاومة التغيير على مستوى الأفراد والكيانات، وقد تكرَّست هذه الظاهرة كنتيجةٍ حتميَّة للطبيعة المغلقة لهذه المؤسَّسات، والتي لا تُحدِّد أنظمةً واضحةً لدخول الأعضاءِ الجدد أو خروجهم، بما يجعل الأشخاص والمكوِّنات الذين “تصادف” وجودُهم في التشكيلة الأولى لهذه المؤسَّسات أعضاء أبديين تقريباً، ويمكنهم من بناء توافقاتٍ بينيَّة تضمن تناوبهم على المناصب الداخليَّة فيها.

ويفسِّر هذا الأمرُ حالةَ الاستياء العام في الامتدادات السوريَّة المعارضة، وشعورَ السوريين العاديين بخيبةِ الأمل من المشهد التناوبيِّ الذي يُشاهدونه في هذه المؤسَّسات، والتي تُذكِرهم بأنماطٍ لم تكن ضمن توقُّعاتهم عندما اختاروا معارضةَ النظام!.

الائتلاف الوطني المعارض

حتَّى منتصفِ تموز/ يوليو 2020، يكون الائتلافُ الوطني قد أتمَّ الدورة 51 للهيئة العامَّة والتي ينتخب فيها قيادة جديدة، تتضمَّن الرئيس و3 نوَّابٍ بينهم امرأة وعضوٌ من المجلس الوطني الكردي، إلى جانب الأمينِ العام، و19 عضواً للهيئة السياسية.

ويلاحَظ أنَّ التركيبة القياديَّة للائتلاف لم تتغيَّر بشكلٍ جوهري منذُ سنواتٍ طويلة، وباتت مهام الاجتماعات الدوريَّة للهيئة العامَّة تقتصر على إعادةِ إنتاج القيادة أو على المناكفاتِ الداخليَّة.

خلال الدورة رقم 33 للهيئة العامَّة والتي انعقدت منتصفَ عام 2017، تمَّ انتخاب رياض سيف رئيساً سادساً للائتلاف الوطني، وقد قام سيف بوضع خطَّةٍ لإصلاح الائتلافِ تتكوَّن من 23 بنداً(2)، لكنَّه لم يتمكَّن من تطبيق أيٍ منها، بما يعكس غيابَ قدرة الائتلاف على الإصلاح الذاتي، بالتوازي مع عدم قدرته على التفاعل مع المبادراتِ العديدةِ التي قُدّمت له على مدار السنوات الماضية من أطراف خارجيَّة للمساعدة في إصلاحه، أو إخراجه من حالة الجمود والانقطاع عن الشارع الذي يدَّعي تمثيله.

وقد قام الائتلاف خلال النصف الأوّل من عام 2020 بقبول انضمامِ أعضاءٍ جددٍ إلى صفوفه من مستقلِّين وممثِّلين لكياناتٍ مدنيَّة، بواقع مقعدٍ لـ”رابطة المستقلين الكرد السوريين” وخمسة مقاعد “مجلس العشائر والقبائل السورية”.

لكنَّ هذه الخطوة لا تندرج عمليَّاً في إطار توسعةِ صفوفِ الائتلاف؛ إذ أنَّها تمَّت أولاً بضغطٍ خارجي على الائتلاف، وجاءت بعد سنتينِ على الأقل من الطلبات المستمرَّة والحثيثة لقبول انضمام أحد الكتل المذكورة، بمعنى ضمان عدم قدرة أيٍّ منها على إحداث أيِّ تأثير في مسار عمل الائتلاف.

ومع أنَّ الائتلاف فقد عمليَّاً بعد قرابة 8 سنوات من تشكيله الوظيفة الأساسيَّة له، والقائمة على عنصري التمثيل والتفاوض، إلّا أنَّه ما زال يتعامل على أساس احتكار التمثيل، وهو تمثيل غيرُ فعَّال، واستمرار التواجد في العمليَّة السياسيَّة عبر مساري أستانا وجنيف؛ حيث تراجع دورُه في هذا الأخير لصالح هيئة التفاوض السورية.

في الواقع إنَّ سياسات الائتلاف الوطني القائمة على مراعاةِ التوازنات الداخليَّة في إطار العمليَّة الانتخابيَّة أكثر من مراعاةِ توجُّهات وتطلُّعات السوريين والرأي العام، تجعله أقرب لكيانٍ حزبي من المؤسسة الرسميَّة ذاتِ الطابع الوطني.

هيئة التفاوض السورية

حتَّى تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، يكون قد مرَّ على تشكيل هيئة التفاوض السوريَّة 5 سنوات، اقتصر نشاطها في السَّنة الأخيرة على مواجهة استحقاق انتهاء الولاية الثانية والأخيرة لرئيسها، المشكلةُ التي تمَّ حلُّها بانتخابِ أنس العبدة في 14 حزيران/ يونيو 2020 خلفاً لنصر الحريري، إضافة إلى استحقاق تعديل قائمةِ المستقلين، المشكلة التي لم يتم تجاوز الخلافِ حولها مع حلول مطلع تموز/ يونيو 2020.

ولا يعني تعديلُ قائمة المستقلين في هيئة التفاوض وجودَ مساعٍ داخليَّة فعليَّة للتوسعة والتمثيل، بل يعكِس غياباً مستمرّاً لاستقلاليَّة القرار. وإذا كان غيابُ استجابة المؤسَّسات السياسيَّة للمجتمع المحليِّ عاملاً رئيسيَّاً في تحديد مدى الجمود الذي تمرُّ به(3)، فإنَّ الاستجابة المضطردة لمصالح المجتمع الدولي فقط قد تكون مؤشِّراً بارزاً لأزمةِ هيئة التفاوض السوريَّة.

من ناحيةٍ أخرى لا يختلِفُ واقع هيئة التفاوض السوريَّة عن الائتلاف الوطني المعارض؛ حيث لم تلتزم الهيئةُ بالوظيفة الأساسيَّة التي تشكَّلت على أساسها؛ وهي تمثيلُ المعارضة في مباحثاتِ العمليَّة السياسيَّة، حيث حاولت مزاحمةَ الائتلاف في مهام التمثيل الخارجيِّ وتصديرِ المواقف السياسيَّة وغيرها.

وفي حين يُحسَب لهيئة التفاوض السوريَّة المشاركة في مباحثاتِ اللجنة الدستوريَّة أواخر عام 2019، لكنَّ ذلك لا يعني خروجَها بمكاسبَ كبيرةٍ ومُرضِية، خصوصاً أنَّ أداء وفدِ المعارضةِ في اللجنة كان مُتواضِعاً، وأنّ الدستور المفترضَ سيكونُ ناتِجاً عن توافقٍ بين الدول الفاعلة.

ثانياً: التحدّيات الرئيسيَّة

الائتلاف الوطني المعارض

واجه الائتلاف الوطني المعارض العديدَ من التحدِّيات على كافَّة المستويات سياسيَّاً وإعلاميَّاً وخدميَّاً، وكان أهم هذه التحدِّيات:

أ. التمثيل

يُعاني الائتلاف الوطني المعارض منذُ تأسيسه من أزمة التمثيل المرتبطة أصلاً بالنظام الداخلي؛ الذي يضمن استمرار التوازن بين الأفراد والكتل المتواجدين منذُ تأسيسه، فلا يُمكن إقالة رئيسِ الائتلاف أو الأمين العام دون الحصول على ثلثي أصوات الهيئة العامَّة، بينما يحتاجُ قرار التوسعة إلى حصول العضو إلى نصفِ الأصوات زائد واحد، وبالتَّالي إخضاعه لاعتبارِ المحاصصة القائم أصلاً على حساباتٍ داخليَّة ودولية.

كما أنَّ افتقار الائتلاف إلى مرجعيَّةٍ عُليا يجعل أعضاءه حُكماً أعضاءً أبديين، ويُفقِدُ الائتلاف مبدأ تمثيل الحالة المعارضة، والتي تغيَّرت تماماً خلال عمره، بدءاً من خريطةِ سيطرة المعارضة، وليس انتهاءً بغياب عشراتِ المكوِّنات التي كانت قائمةً عند تأسيسه، ثمَّ ظهور عشرات المكوِّنات التي لم تكن قائمةً وقتها. أي أنَّ غيابَ المرجعيَّة العليا، كالانتخاب أو التوافق.. أو أيِّ طريقةٍ أخرى، يجعل بقاءَ ذاتِ الممثلين لحالة متغيِّرة أصلاً أمراً غيرَ منطقي، بما يحوِّل الائتلاف من طابقٍ تمثيلي إلى شكل حزبي مُغلق.

ويمكن ملاحظةُ هذه الإشكاليَّة البنيويَّة في احتفاظ كتلٍ لم يعُد لها أيُّ تواجدٍ بمقاعِدها في الائتلاف، ومثالُ ذلك المجالسُ المحليَّة في محافظاتِ دير الزور والرقّة والحسكة ودمشق وريفها ودرعا وطرطوس. فقد جرت انتخاباتٌ لمجالسَ محليَّة في حلب وحماة ودير الزور وغيرها، ولم يستجب الائتلاف لمطالبها بالحصول على مقاعدِ المجالسِ في الأمانة العامَّة.

ب. الاستقلالية

فقد الائتلافُ الوطني المعارض تِباعاً هامشَ الاستقلاليَّة الذي كان يتمتع به نسبيّاً حين تأسيسه، مع أنّه تشكَّل أصلاً على خلفية قرارٍ دوليٍّ لا سوري.

وانعكست أزمةُ غياب الاستقلاليَّة إلى ارتهانه للخارج حتَّى في ترتيباته الإداريَّة والتنظيميَّة، فلم يعد قادِراً حتَّى على اختيار رئيسِه بشكلٍ ذاتي!.

ولا يملِك الائتلافُ حاليَّاً قرارَ مشاركةِ أعضائِه أو عدمَ مشاركتهم في أيِّ جزء من العمليَّة السياسيَّة؛ سواء في مساراتِ جنيف أو أستانا، ولم يكن له دورٌ فعلي في اختيار ممثِّلي المعارضة في اللجنة الدستوريَّة، حيثُ كان هذا الدور مُناطاً هو الآخر بالدول الضامنة والفاعلة في المسار، ولا حتَّى قَبول أو رفض تعديل قائمةِ المستقلينَ في هيئةِ التفاوض السوريَّة؛ الأمر الذي يستبعد 6 أصواتٍ من أصل 8 أعضاء للائتلاف.

ج. الرؤية

يفتقِد الائتلاف الوطني المعارض لرؤيةٍ واضحةٍ وخارطةَ طريقٍ مكتوبة؛ حيثُ كانت آخرُ وثيقةٍ أصدرها في هذا الصدد منتصفَ حزيران/ يونيو 2015 بعنوان “خارطة الطريق للحل السياسي التفاوضي من أجل سورية ديموقراطيَّة”، والتي جاءت نتيجةَ ردَّة فعلٍ على مساعٍ لقوى معارضة أخرى في تشكيل كيانٍ سياسي موازٍ للائتلاف بدعمٍ من وزارة الخارجيَّة المصرية، ولم تكن نتيجة حرصٍ وجهد ذاتي، عدا عن كونِها لا تستجيبُ للتغيُّرات التي طرأت حتَّى منتصف عام 2020.

لاحقاً اكتفى الائتلاف الوطني مع نهاية عام 2017 بإعادة النظر في وثيقةٍ صادرةٍ عن الأمم المتَّحدة عام 2015 بعنوان “مسودَّة وثيقة المبادئ الأساسيَّة حول التسوية السياسيَّة في سورية”، وعليه تبنَّى وثيقة “المبادئ الاثني عشر الأساسيَّة والحيَّة للأطراف السوريَّة”.

عموماً لم يبذل الائتلاف الوطني جهداً أو يبدي رغبةً في صياغة رؤيةٍ خاصَّة لسورية، ولا حتَّى التنسيق العالي مع بقية أطيافِ المعارضة السياسيَّة والمدنيَّة والعسكريَّة حول القضايا التي تُعزز الثقة كخطوة أولى نحو الانتقال إلى استراتيجيَّة أكثر تماسُكاً.

د. الإعلام

لم يمتلك الائتلاف الوطنيُّ منذ تأسيسه خطاباً إعلامياً جامِعاً؛ باعتباره مظلّة جامعة للمعارضة السوريَّة من طرف، وبديلاً عن النظام السوري من طرف آخر، ولم يضع أيَّة رؤيةٍ أو استراتيجيَّة إعلاميَّة للتعامل مع التغيُّرات والتبدُّلات العسكريَّة والسياسيَّة التي تحتاج إلى خطابٍ مرنٍ ضمن ثوابتَ مُحدَّدة مُسبقاً.

ولم يتمكَّن الائتلافُ من بناءِ شراكة مع الإعلام السوري المعارِض، بشقيَّه التقليديِّ والجديد، والذي نما في السنواتِ التسعِ الماضية بشكلٍ كبير من حيثُ الخبرات والتأثير، وتعاملَ مع هذه الوسائل والعاملين فيها بمنطقِ الوصاية أو التجاهل.

هيئة التفاوض السورية

تعاني هيئةُ التفاوض السوريَّة من تحدِّيات على مستوى التمثيل والاستقلاليَّة، والتي قد تؤثِّر على موقفها وموقعِها من العمليَّة السياسيَّة في إطارِ اللجنة الدستوريَّة.

أ. التمثيل

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 عقدت هيئة التفاوض السوريَّة اجتماعاً غيرَ مكتملِ النِّصاب تمَّ فيه انتخابُ 8 أسماءٍ لتضاف إلى قائمة المستقلين، وهي خطوة قوبلت بالرفض من قبل مكونات الائتلاف الوطني ومعظمِ الجناح العسكريِّ والمستقلين؛ كون أصواتِهم لم تكن موجودة حينها.

ولم تفلِح بعضُ المبادرات الفرديَّة التي تمَّ اقتراحها خلالَ النصف الأوّل من عام 2020 في تجاوز مشكلة المستقلين، ومنها مقترح تشكيل القائمة بواقع 6 من المنتسبين الجدد و2 من الأعضاء الأساسيين، الذي لاقى رفضاً من كتلة الائتلاف الوطني المعارض. وعادت هيئة التفاوض لتجتمع في 14 حزيران/ يونيو 2020 على أمل التوصّل لاتفاقٍ نهائي حول قائمة المستقلين، إلا أنَّ 3 مكوّنات امتنعت عن الحضور وهي منصة القاهرة ومنصة موسكو وهيئة التنسيق.

في الواقع يقوم تمثيل مكوِّنات هيئة التفاوض على عاملِ المحاصصة بين الفصائل العسكريَّة والائتلاف الوطني المعارض وهيئة التنسيق الوطنية والمستقلين، إضافة إلى كل من منصَّة موسكو ومنصّة القاهرة اللتين انضمتا في “مؤتمر الرياض-2” عام 2017.

لطالما كانت المحاصصةُ عامِلاً مُربِكاً ومُثيراً للخلافاتِ في كثيرٍ من الأحيان بين أعضاء هيئة التفاوض منذُ تشكيلِها. والخلافُ حول قائمةِ المستقلين هو تعبيرٌ مباشر عن ذلك، كون أيِّ تعديل عليها يُفترَض أن يرجح أصوات أحدِ المكوِّنات على الآخر.

وتمتدُّ أزمة التمثيل أيضاً إلى احتفاظِ الفصائلِ العسكريَّة بمقاعدِها رغمَ التغيُّرات التي طرأت على مواقع تواجدِها، فكثير منها لم يعد له وجود، وعلى هذا الأساس يُطالِب بعضُ أعضاءِ هيئة التفاوض بإعادة النظر في قائمةِ الفصائل العسكرية، لكنَّ ذلك يُقابَل بالرفض؛ كونه يؤثِّر على عامل المحاصصة.

ب. الاستقلالية

تفتقد هيئةُ التفاوض إلى وجود هامشٍ لاستقلاليَّة القرار، فكلُّ مكوِّنٍ بات يُمثِّل مصالحَ الدول الإقليميَّة، والمقصود بذلك السعودية ومصر وتركيا.

ويلاحَظ أنَّ مؤتمر “الرياض-2” أواخر عام 2017 قام بتغييبِ وإبعادِ العديد من الشخصيات والمكوِّنات لاعتباراتٍ لها علاقة بالصِّراعات الإقليميَّة بين الدول الراعية، كما أنَّ الخلاف القائم حاليَّاً على قائمة المستقلين ما هو إلا امتدادٌ لهذه الصراعات.

ج. الحوكمة

في الوقت الذي ينصُّ فيه النظام الداخلي لهيئة التفاوض السورية على الحاجة للتوافق وتشكيل لجنة معنيَّة بالترشيحات وانتخاباتٍ تأخُذُ بالاعتبار أصواتَ المكوِّنات كافَّة، تبدو عملية التطبيق مستعصية.

وتُعانِي الهيئة مما يُعانيه الائتلافُ في هذا الإطار، وخاصَّة من جهة غيابِ المرجعيَّة العليا التي تحكم عملها، وكذلك خضوعها للتأثيراتِ الخارجيَّة بشكلٍ مكثَّف، بدءاً من اختيار أعضائها، وليس انتهاءً بمسار عملها.

ثالثاً: الخلاصة

تبدو المعارضة السوريَّة السياسيَّة، بعد 9 سنوات من انبثاق أولى مؤسَّساتها الرسميَّة عاجزةً عن إجراء إصلاحٍ حقيقيٍّ لبنيتها بقرارٍ ذاتي، كما تبدو حريصةً على الاستجابة للمصالحِ الدوليَّة أكثر من حرصِها على الاستماع والاستجابة لمصالح السوريين، وبالتَّالي فإنَّ مؤسَّسات المعارضة هذه أصبحت بحدِّ ذاتِها أحدَ العوامل السلبيَّة التي تؤثِّر على استقلاليَّة القرار الوطني.

وقد أدَّى هذا الواقع ليس إلى أزمةٍ في بُنيتها وتراجعِ حضورها على مستوى التمثيل فحسب، بل حتَّى إلى تعزيزِ الانقسام الداخلي ومن ثمَّ التنافس على المهام الوظيفيَّة، ومقاومةِ التغيير مع أيَّة مبادرة تهدِف إلى إعادة التوازن لموقع المعارضة السياسيَّة.

في الواقع لقد أدّتِ العثرات المستمرَّة مجتمعةً إلى إخفاقِ المعارضة السورية السياسيَّة من كسب اعترافٍ قانونيٍّ من قبل المجتمع الدولي، ومثال ذلك الائتلاف الوطني، وإنّ الاستمرار في التعاطي دون مسؤوليَّة مع الواقع قد يؤدي إلى خسارة السقف الذي تطالِب به في العمليَّة السياسيَّة، لا سيَّما في ظل غيابِ استقلاليَّة القرارِ والمساعي لإعادةِ تعريفِ دورها.

الهوامش:

1-  يتواجد النص الكامل لوثيقة الإطار التنفيذي للعملية السياسية وفق بيان جنيف (2012) الصادرة عن هيئة التفاوض لدى أرشيف مركز جسور للدراسات.

2-  يتواجد النص الكامل لخطة إصلاح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة التي قدّمها رياض سيف عام 2017، لدى أرشيف مركز جسور للدراسات.

3-  Francis Fukuyama. “Political Order And Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy”. Profile Books LTD. London. 2014.

4-  يتواجد النص الكامل لخارطة الطريق للحل السياسي التفاوضي من أجل سورية ديموقراطية والتي قدّمها الائتلاف الوطني المعارض في عام 2015، لدى أرشيف مركز جسور للدراسات.

المصدر: مركز جسور للدراسات

اترك تعليقاً
3+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى