لماذا تعقدت الثورة السورية.. وما الذي أخّر انتصارها؟؟

محمد خليفة

 الحديث عن تهافت المثقفين والمفكرين والفنانين وبقية فئات أو رموز الانتلجنسيات العربية وخياناتهم لشعوبهم بعد ثورات الربيع العربي حديثا بالمفرق , واحد هنا في لبنان , وآخر هناك في مصر, وثالث في الاردن .. وهلم جرا, والبحث عن سبب فردي لهذا, وتفسير خاص لحالة ذاك  ضمن اطار علاقاته الفردية والحزبية, بمعزل عن المجموع  , إنما هو في الواقع منهج قاصر, قد يناسب الكتابة الفايسبوكية , ولكنه قطعا لا يؤدي الى خلاصات منطقية ولا يفي بالغرض علميا , ولا يكفي لتشخيص (الحالة) بموضوعية. ولذلك فلا بد من تحديد الظاهرة وتفكيكها والتعامل  معها من خلال مفاهيم الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاديولوجيا معا , ومن المنتظر أن يقوم المختصون بذلك مستقبلا بالتأكيد نظرا لحتميته كمدخل لوعي أبعاد التركة الضخمة التي خلقها الاستبداد , وموروثه الثقافي الذي أنشأنا عليه, وحجم الآثارالتي خلفها فينا, لأنه لا بد من اقتلاع جذور هذا الموروث سبيلا للتحرر والتغيير والاصلاح والدمقرطة الشاملة .

 الحقيقة أننا لسنا أمام سقوط رمز هنا وانحراف رمز هناك, وانكشاف نفاق شلة فنانين مهرجين أو كتبة سلطانيين   أو مفكرين أعمتهم الاديولوجيات المحنطة عن استبصار الواقع وحقائق الحياة الأزلية , إذ لم يكن منتظرا من أمثال هؤلاء أكثر مما ظهر , بل نحن أمام انقشاع ثقافة قومية تاريخية, بكل مكوناتها ومؤسساتها ومرجعياتها المعرفية ,  تكونت وتفشت بيننا بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الثانية , ثم ازدهرت في النصف الثاني من القرن الماضي , وبلغت أقصى مداها في الخمسينيات والستينيات, ثم اخذت بالذبول والافول مع نهايات القرن السابق في ضوء المتغيرات العميقة التي اجتاحت العالم على جميع الأصعدة الحضارية , الفكرية والتقنية والاجتماعية والسياسية طبعا , بدءا من انهيار سلطة مفاهيم الكليات الشمولية المطلقة : المركزية والأبوية والحزبية والقومية والأممية , وانتهاء بتفكك وزوال الامبراطوريات والدول المركبة التي كانت ثمرة شيوع تلك الكليات المعتمدة على القوة , ثم  انهيار الانظمة التوتاليتارية والشيوعية والعسكرية والحزب الواحد ذي الرسالة الخالدة , ونموذج الزعيم التاريخي المنقذ الذي تتجسد فيه الامة وتتمثل آمالها ليقودها الى المجد فيودي بها في الحروب والكوارث بدلا من ذلك . وطبيعي أن يعقب هذه التحولات الكونية العميقة انهيار الانتلجنسيا العربية على النحو الموصوف بمقدار تشبع كل نموذج أو فئة من فئاتها على النحو الموصوف الذي سبب لبعضنا صدمات عصبية قاسية , إذ لم يستطع فهم ولا تحمل أن يرى رمزا أو طوطما كبيرا بحجم محمد حسنين هيكل ينحاز إلى خندق طاغية متوحش كبشار الأسد يفوق هولاكو وهتلر وستالين عنفا ودموية , أو يرى شاعرا عملاقا بقامة محمد مهدي الجواهري  يموت وهو يتغنى بهبل سوريا – الاسد , أو يرى أديبا كجمال الغيطاني , يمتدح بشار الأسد وأخلاقية جيشه , أو شاعرا كسعدي يوسف يتصدى بشراسة لثورات الشعوب العربية جملة, أو فقيها بأهمية سعيد البوطي ! .

هذه الحالات ليست سوى أعراض سطحية لموت ثقافة عمرها قرنين في تاريحنا الحديث , نشأت بتأثير حملة نابليون  على الشرق , ووصول محمد علي الى حكم مصر , والتحديث الذي أدخله , وما سمي بعصر النهضة , وما تلاه من نشاطات تحررية قومية للانعتاق من السيطرة التركية الطورانية .

فهل كانت تلك الثقافة اللغوية الجديدة ثقافة مبدعة حمالة نهضة عقلية حقيقة أم مجرد اصطلاح مجازي انتقل الى لغتنا مترجما لمفهوم (الريسانس) الأوروبي , واشتقاقا قياسيا مستعارا من تاريخ النهضة الإيطالية – الأوروبية .؟

إننا بحاجة لامتلاك جسارة نقدية توازي جسارة ذلك الشاب التونسي الذي أضرم النار في جسده تعبيرا عن رفضه للذل والهوان والفقر , وبحاجة لشجاعة الثوار الشباب الذين خرجوا الى ميدان التحرير وشبان ليبيا الذي واجهوا الطاغوت بلا تردد وبسالة أطفال درعا الذين ترجموا ما يفكر به آباؤهم .. نحن بحاجة لهذه الجسارة والبسالة في الميدان الذهني والعقلي لإجراء مراجعة جذرية وشاملة في تراثنا الحديث واعادة نظر في قاموسنا الفكري وكل ما يتضمنه من مصطلحات ومفهومات دالة على ثقافتنا المتداولة وانجازاتنا خلال قرنين , واعادة غربلتها , وتقييمها علميا في ضوء الثقافة العلمية الأصيلة لعالمنا الذي نعيش فيه, ولا يمكننا الانعزال عنه , لأنه لا ثقافتنا التاريخية ولا موقعنا الجغرافي , ولا طبيعتنا الانثروبولوجية قابلة للعزلة عن مستحقات العولمة .

إننا بحاجة لثورة فكرية وثقافية وادبية تشبه الجراحة العظمية وعمليات القلب المفتوح لنستوعب معطيات العصر والحداثة والحضارة الكونية , وإلا فإن ثورات الربيع العربي لن تحقق غاياتها الطبيعية , وأخشى أن أقول إن دماء شهدائنا الذين صنعوا هذه الثورات الملحمية ‘ ولا سيما في سوريا ومصر وليبيا ستذهب هدرا ما لم نستكمل الثورة السياسية بثورة فكرية , بل بثورات في مناهج تفكيرنا العقلية , وطرائق حياتنا ومذاهبها وتقاليدها وأنماطها , بحيث لا يعود بإمكان حمقى وجهلة كالظواهري والبغدادي والجولاني السطو على نضالاتنا وتضحياتنا وتهديدنا بأحكام (هيئات شرعية) خنفشارية ما أنزل الله بها من سلطان , وتستوجب التصدي لها بلا تردد , دفاعا عن الاسلام نفسه  الذي يعتبر أعظم ثورات التاريخ , ودفاعا عن حقنا  كشعوب ومخلوقات حية في أن نعيش عصرنا ونكون جزءا من عالمنا . ولعلنا نرى في هذا التحالف الذي عجز كثيرون منا عن استيعاب مبرراته , وضم تيارات ومذاهب وجماعات  تبدو متناقضة ك(القاعدة)  السلفية و(حزب الله) الشيعي التابع لولاية الفقيه , وللمسيحية العلمانية , وللقوميين العرب حملة المفهوم الصوفي العنصري للعروبة , واصحاب النزعات العصبية والاثنية المنغلقة , فما يجمع هؤلاء ليس الانتهازية والنفعية , ولا فوبيا الاسلام ,بل هو في الواقع الدفاع عن ثقافات واديولوجيات وأنماط تفكير لم تعد  قابلة للتكيف مع العصر وطموحات الحداثة التي حملتها ثورات الربيع العربي في بداياتها الأولى التي بشرت بعصر جديد وانتماء الى العالم من موقع التاثير والتفاعل والقطع مع ثقافات الاستبداد الشرقي والغربي كافة , إلا أنها انحرفت تدريجيا بفعل مؤثرات رجعية متعددة . ولكن لا بد من القول إن  الصراع مستمر وسيطول , وهذا هو أهم أسباب ما يراه جمهورنا (تأخرا) زمنيا في تحقيق الانتصار , وسببه الحقيقي يعود لأن تعقد الصراع الذي اجتمعت كل عوامله وقواه المؤثرة في الحالة السورية دون غيرها من ثورات الربيع العربي قد بلغ أقصاه هنا , ولذلك تطلب كل هذا العنف والاحتشاد بين قوى الثورة بمواجهة قوى الاستبداد والرجعية والسيطرة  من روسيا وايران الى اسرائيل والإمبريالية مرورا بشرازم وعشائر القوميين والسلفيين العرب .

 الثورة السورية ستكون طويلة وعميقة وقاسية وعنيفة لأنها صراع بين كل العوامل من هنا وكل العوامل من الناحية الأخرى , ولأنها ستكون عملية حسم جذرية .

 الثورات الكبرى في التاريخ هكذا !

*********************************************************************

هذا المقال نشر في العدد 199 من مجلة الشراع اللبنانية الصادر في بيروت بتاريخ 6 / 12 / 2013 , ولذا وجب التنويه.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رحم الله الكاتب والمناضل العروبي محمد خليفة لرؤيته الإستشراقية عن الثورة السورية الله يرحمه ويسكنه الفردوس الأعلى نحن بحاجة الى ثورة فكرية وثقافية تشبه اعمليات القلب المفتوح لنستوعب معطيات العصر والحداثة والحضارة ونستكمل الثورة السياسية بثورة فكرية بمناهج تفكيرنا بحيث لا يعود بإمكان حمقى وجهلة أمثال الجولاني وطعمة وابوعمشة والبحرة و.. تمثيل شعبنا وثورتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى