سورية وخفايا الدولة الفيدرالية

محمود الوهب

يأخذ موضوع شكل الدولة السورية المقبلة حيزاً واسعاً من النقاش منذ أن بدأت الاحتجاجات السورية ضد النظام القائم مع موجة الربيع العربي الذي جاء جوهره تحدياً لنظام الاستبداد الجاثم فوق الأرض الممتدة من دولة المغرب العربي غرباً إلى العراق ودول الخليج شرقاً.. ذلك الربيع الذي آذن بفجر جديد قد يطول مداه أو يقصر، وقد يمضي قدماً أو يتعثر، لكنه في النهاية، يرسم خطوطاً لمرحلة جديدة قادمة تعد بحياة بلا استبداد.. حياة عنوانها الحرية والديمقراطية غايتها تنمية المجتمع وازدهاره وتمتين وحدة الأوطان لا تفتيتها، بل تقوية دور الفرد وشخصيته، وكذلك تفعيل شخصية الطَّيْف الآخر أو المُكَوِّن في الوطن الواحد.. وأهم ما أشار الربيع العربي إليه هو أن مرحلة سابقة قد أفل نجمها بعد أن أشبعت شعوب المنطقة قمعاً وقهراً وذلاً، وهزائم أخرى كثيرة على غير صعيد.. وإذا كانت سوريا واحدة من الدول المعنية، وربما أهمها، لأسباب كثيرة، يصعب الخوض فيها الآن، فإن القول بـ “فدرلتها” يعني أمراً واحداً هو: التمهيد لتقسيمها عاجلاً أو آجلاً وخصوصاً، أنَّ جماعات أخرى تدعو إلى الانسلاخ عن سوريا، فتطرح مسألة الحكم الذاتي الأكثر خطورة، إذ ينذر بمشكلات وطنية وقومية وصراع قد يبدأ ولا ينتهي، وبخاصة أنه ينشأ برعاية دول لا ترى في المنطقة إلا خزَّان ثروات يغري بالاستثمار ما يتطلب إضعاف مالكيها (الشعوب) بإشغالهم بصراعات جانبية تأخذ إلى شرذمتهم تحسيناً لشروط الاستثمار ذاته وتحقيقاً لبسط النفوذ الكامل.

واللافت أن المعارضة السورية جرت خلف شعار الحرية بمعناه الواسع منذ انطلاق الاحتجاجات تحت رايته، وبالتالي فإن كلَّ مكوِّن من مكونات المعارضة فهم الحرية على قدر مظلوميته، وأراده بلسماً لوجعه الخاص، ولم ير في الحرية وطناً حراً يتسع لجميع المكوِّنات فأساء لنفسه وللمعارضة وبالتالي للثورة السورية.. ومن هنا وجد في المعارضة استعلاء طرف على آخر.. وشرود هذا الطرف أو ذاك نحو من يستجيب إلى مصلحته المتعارضة مع وحدة شعب سوريا وأرضها.. وقد وجد من شارك المعارضة غاياتها زاعماً أنه ضد دولة الاستبداد ووجد أيضاً من يسعى لإيجاد كيان خاص به لا علاقة له بأي مفهوم للحرية بل هو أشد استبداداً وعداء للوطن وللإنسان..! ومِنْ هؤلاء مَنْ انكشف أمره وسقط بجرائمه.. وبعضهم الآخر ما زال يراوغ وينازع الآخرين مكانهم في تمثيل قومه وهو في الأصل كان أداة في يد حافظ الأسد نفسه الذي جعله ينمو ويكبر لإعانته على بعض جواره باعتماده على طابور خامس يمت، بصلة ما، إلى الأسد.. وهكذا يفكر من لا ينتمي بعقله وفكره إلى روح العصر..!

ومن هنا يمكن تأكيد أنَّ الواقع السوري القائم حالياً والممتد تاريخياً لآلاف السنين يتكون من ديموغرافيا ذات نسيج تشكلت خيوطه من ألوان عدة فرضها التطور التاريخي الذي جاء محكوماً بأشكال من المستبدين الذين ينتمون إلى عصر إمبراطوريات شملت في تركيبها السكاني أعراقاً (العلم كذّب وجود العرق الواحد، أي لا يوجد جينات تقول بالعرق الصافي أي هذا سامي وذاك آري) وقومياتٍ وأدياناً وطوائفَ مختلفة، ولم تمنحها ظروفها، فيما بعد، إمكانية تشكيل دولة تقوم على نوع مما ذكر، فظلت تعيش في كنف دولة فيها غالبية وتنوعت أنظمة تلك الدول بحسب تقدم أو تخلف هذه الدولة أو تلك ولا تخرج سوريا الممتد وجودها في التاريخ البشري إلى آلاف السنين عن تلك المجتمعات المتعددة الأطياف.. ويعود وجود بعض سكانها إلى آلاف السنين وبعضهم أسبق من العرب والمسلمين وربما عاد بعضهم الآخر إلى قرون أو عقود ليشكلوا مع العرب أصولاً كالسريان والآشوريين والكلدان وسواهم.. وقد أتى الإسلام بأقوام جديدة إلى المنطقة ولم يكن الوطن في ذلك الوقت يعرف بالقومية بل بالدين الذي غدا وطناً، ولعلها تشعر اليوم بنوع من الظلم وتبحث عن حلول له.. ودونما دخول في مماحكات قد لا تثمر لا بد من العودة إلى ما طالب به المحتجون الأوائل وهو دولة للحرية التي تضع أمامنا الحقائق التالية:

أولاً: إن الاستبداد هو أبو الاضطهاد بالمطلق سواء كان قومياً أم دينياً أم اجتماعياً عاماً.. ومهمة الخلاص منه أولية لا يسبقها أية مهمة أخرى.. وهذا ما عبرت عنه شعارات الثورة السورية وأهدافها فلماذا محاولات اللعب عليها وأخذها بعيداً عن غاياتها..!؟

ثانياً: إن جوهر الحرية لا يكمن في وجود الكيان القومي بل في النظام الديمقراطي الذي يتجاوز الاستبداد والمزايا التي يوجِدها.. وهذه أمة العرب من محيطها إلى خليجها لغة واحدة وتاريخ مشترك لأكثر من ألف وخمسمئة عام وآمال مشتركة للتخلص من الفقر والتخلف ومن أجل التقارب ولمّ الشمل فماذا فعل الحاكم الفرد بكل تلك العوامل غير إدارة الظهر لها وتقديم نفسه بديلاً وحيداً وقائداً مبجلاً رئيساً كان أم ملكاً أم أميراً وكلهم يدعو إلى وحدة العرب.. ولكن شعوبهم جميعاً مضطهدة تعاني الفقر والقهر والتخلف فالسوري والمصري والسعودي والسوداني والمغربي وغيرهم في المعاناة سواء..!

ثالثاً: دعونا ننظر إلى الجغرافيا السورية بموضوعية ونحاول مطابقة قومية السكان أو ديانتهم أو طائفتهم على أرض موحدة فهل نراها إلا نسيجاً سداه مكوِّن ما، ولحمته مكوِّنات أخرى ناهيكم عن النقوش والزخرفات التي تؤخذ من هنا وهناك.. ودونما دخول في أية إحصائية قومية أو دينية أو طائفية فلا نجد إلا القليل من المساحات التي يقطنها نوع محدد من السكان، وهذا النوع يرفض الانسلاخ عن الجسم السوري.. فكيف لنا أن ننشئ إقليم حكم ذاتي أو حتى فيدرالية؟!

رابعاً: على أي أساس ستكون الفيدراليات السورية هل تُؤسَس على أساس قومي أم ديني أم طائفي أم على أساس جغرافي/اقتصادي.. فلنحسبها على أي أساس كان ثم نرى كم فيدرالية نحتاج؟! وكيف لنا أن نوصل ما بينها؟! هل كما يتصور الإسرائيليون للفلسطينيين عبر أنفاق أو جسور مرتفعة؟! ثم إذا وجد في إطار فيدرالية ما قائمة على أساس قومي قوميات أخرى فكيف تحل مشكلتهم إذا ما تنمرت عليهم القومية السائدة في الفيدرالية؟! ففي الجزيرة مثلاً عدد لا بأس به من القوميات.. ومثل ذلك الفيدرالية القائمة على أساس ديني أو طائفي أو قبلي..! إلخ.

خامساً: من الذي يحق له أن يقرر شكل هذا النظام أو ذاك؟ أهو مكون واحد أم السوريون الذين يجتمعون في مؤتمر واحد أو في مجلس تمثيلي منتخب أصولاً؟ ثم هل حلَّت المعارضة كل قضاياها وأسقطت النظام وجاء وقت الاتفاق على شكل الدولة؟!

سادساً: إن الذي يصون حرية الفرد هو الدستور والقوانين التي تترجمه، وسلطة قضاء مستقلة تسهر على حمايته وفضاء واسع من الديمقراطية تفسح في المجال لحرية العمل السياسي وتشكيل أحزاب سياسية وجمعيات أهلية ومنتديات مجتمع مدني ونقابات غير مؤطرة ولا مؤدلجة وحرية إعلام بوسائله كافة..!

سابعاً: أتراهم الذين يطرحون الفيدرالية يجهلون أنهم باقتراحاتهم هذه يقدّمون هذا الشكل من الحكم على طبق من ذهب إلى هذه الدولة أو تلك من الدول المتدخلة الباحثة عن وسيلة لبقائها في أماكنها أو يبقى نفوذها سارياً إلى أن يجيء خيار التقسيم أم إنهم ينفذون أجندات تلك الدول؟!

ثامنا وأخيراً: لا يحل مشكلة سوريا إلا نظام لا مركزي يمنح البلديات صلاحيات واسعة فيما يخصها من قضايا ومسائل اجتماعية كانت أم ثقافية أم اقتصادية (إنتاجية وخدمية) وترتبط اللامركزية بدولة تقوم على أسس ديمقراطية وتحقق المواطنة الكاملة بمنحها المواطن حقوقاً متساوية خالية من أي تمييز كان بدءاً من رئاسة الجمهورية وانتهاء بأصغر وظيفة في الدولة ولدينا من الحقوقيين من يكفلون إيجاد القوانين الناظمة لمثل هذه الدولة.. ولدينا من الدول الأوربية التي هاجر إليها السوريون قدوة ومثل في مجال القوانين الضامنة للحقوق والمتطورة بما يلائم كل مجتمع على حدة..

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مفهوم الديموقراطية العام يتمثل بالأغلبية ،
    و طالما العرب نسبتهم ٩٠% فهم من يقرر ،
    طبعا مع إحترام الأقليات الدينية و العرقية فهكذا هي الديموقراطية حسب المفهوم الشامل لها ،
    لا أن تقرر أقلية بحكم السلام و الدعم الخارجي أن تقرر ما تشاء و تفرض سلطة أمر واقع فهذا سوف يحارب و مرفوض و لن يتحقق و هذا حلم عصافير تغرد خارج السرب.
    د حميد العسكر

    0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى