هـــــــــمــــــــوم عــــــــربــــــــيــــــــة عــلـــى مـــســــتـــــوى ” الـــــــقــــمــــة ” ||(بمناسبة قرب انعقاد القمة العربية)

محمد خليفة 

انعقدت القمة العربية 28 في البلد الذي يعد أكثر أعضاء المجموعة العربية “وسطية” وأهلية للعب دور الوسيط بين الجميع في وقت أمعن العرب في انقساماتهم , حتى فقدوا الكثير من عوامل قوتهم , والأدلة على ما نقول أكثر من أن تحصى , ولا جدوى من التهرب من الاعتراف بها .

العرب أمة حية , ومكون عالمي رئيسي , ومجموعتهم حتى في ظل وضعها الحالي ذات وزن دولي لا يمكن التقليل من شأنه , وهم مكون فاعل في العالم الاسلامي وافريقيا , وهم جيران أوروبا وشركاؤها في المتوسط . وتتوفر لهم عوامل قوة مادية واستراتيجية وحضارية عظيمة , ولكنها خاملة وغير مفعلة, ولذلك يجب الاعتراف بأن عوامل ضعفها الرئيسية تكمن في الرأس لا في الاساس , وفي الهيكل لا في المحتوى والكيان .

كل شعوبنا متمسكة بعروبتها وتطالب بالوحدة لأن للجميع مصلحة فيها , ولا أحد يتضرر منها سوى أعداء العرب , وكل النخب الاقتصادية والسياسية والفكرية تريد قيام (جامعة عربية قوية) تمثل الأمة وتعمل لها , ولا تخضع لأهواء القادة والرؤساء, ولا ينبغي لنا أن نتردد في القول إن عنصر الضعف الرئيسي في المنظومة العربية حاليا يتمثل في ضعف القيادة والقادة . فللمرة الاولى هناك عالم عربي يقوده رجال غير أكفاء , ولا يمثلون شعوبهم , وعاجزون عن مواجهة التحديات التي يواجهها العرب , العرب يفتقرون حاليا للقادة والزعماء الكبار الاقوياء ذوي البصيرة والاخلاص, ويحكمهم طغاة عاجزون وضعفاء وجبناء وفاسدون . والعجز مرده اهتراء شرعية هؤلاء الحكام , وعداؤهم لشعوبهم , واتكالهم على الدول الكبرى واحتماؤهم بالأعداء من غضب جماهيرهم .

ولعل أهم ما كشفه ( الربيع العربي) اتساع الهوة والتناقض بين الانظمة والشعوب , الى الحد الذي أصبحت فيه العلاقة بينهما علاقة عدائية تناحرية لا يحلها غير القوة . والأمثلة كثيرة ومرعبة , فنظام دمشق أشد عداء لشعبه من عداء اسرائيل للشعب الفلسطيني , وجرائمه افظع , وكذلك علاقة المخلوع علي عبد الله صالح , وهكذا كانت علاقة القذافي بشعبه .

هذه الظاهرة التي تفشت في العالم العربي في العقود الأخيرة هي الأزمة الأخطر ,لأنها أزمة عضوية عميقة تهدد كيان الامة بالتفتت الطائفي والاثني والقبلي والتقهقر الى القرنين 18 و19 . وأخطر ما فيها أنها تتفاقم باستمرار, ولن يجدي نفعا احتفال بعض الانظمة بفشل الربيع العربي وانحساره , فهذا الربيع سيتكرر بشكل أعنف .

ما حدث خلال سنوات الربيع العربي أظهر اصرار الشعوب على التغيير وتمسكها بالتقدم والحداثة والمعاصرة من ناحية , وأكد من ناحية اخرى عجز الانظمة عن قيادة شعوبها الى التغيير المطلوب وتلبية حاجاتها الأولية والاستراتيجية على حد سواء , وأظهر أن الاستبداد والطغيان تجاوزا أقصى درجة يمكن تخيلها أو تحملها , بحيث يتصرف الحكام وكأن الدول والبلاد التي يحكمونها ملكية وراثية خاصة لهم ولأبنائهم , وأن شعوبهم عبيد واقنان وجواري لهم , وإذا تمردت فهم مستعدون للاستعانة بالاعداء للتدخل بقواهم العسكرية لابادتهم . وهذا النموذج من الحكام والانظمة لا يشكل خطرا على بلده وشعبه , ولكنه خطر على مجموع الامة العربية , كما نرى , لأنه لا يسدد لحماته الاجانب ثمن حمايتهم له من جيبه وجيب ابيه , ولكنه يسدد الثمن من سيادة الدولة والوطن والامة ,

والمثال السوري ليس استثناء ولكنه الاكثر وضوحا وكارثية .

والغريب أنه رغم بشاعة ودموية هذا المثال فإن غالبية الانظمة العربية تتعامل مع المأساة السورية باعتبارها مسألة داخلية وحرب اهلية , وما زال البعض يطالب بعودة بشار الاسد الى الجامعة ممثلا لشعبه وبلده مع علمه أن السفاح رجل ايران في المنطقة , وأحد بيادقها مثله مثل صالح اليمني , والعبادي العراقي .

أمام هذا المشهد السوريالي الفاجع لا معنى حتى لإبداء الدهشة والأسف لعدم تبلور موقف قومي يواجه الخطر الايراني الذي يجب أن نعترف بواقعية بأنه يفوق الخطر الاسرائيلي , في هذه المرحلة على الاقل , بدليل أن العرب ما زالوا موحدين في مواجهة العدو الاسرائيلي بعد سبعين سنة , بينما الوعي بخطر ايران ما زال قاصرا وملتبسا . لا يكفي أن تدين القمة العربية ( تدخلات ايران ) في الشؤون العربية , والمطلوب وضع استراتيجية مواجهة شاملة بمستوى ( عاصفة الحزم ) مع العدوان الايراني على أراضي خمس دول عربية قبل أن يتوسع ويطال المزيد من البلدان العربية . ولا بد لمصر أن تتحمل مسؤوليتها القومية على هذا الصعيد مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج , ولا بد أن تنبني هذه الاستراتيجية على الاعتراف بمظلومية الشعب العربي الاحوازي تحت الاحتلال الايراني , ودعم نضاله بكل الوسائل , وتدويل قضيته وطرحها في الامم المتحدة .

قمة عمان عكست توازن الأطراف العربية في ظل الانقسامات الحادة , ومن الواضح أن هدف الجميع انحصر في تفادي المزيد من الانقسام , والحرص على الحد الادنى من التسويات والتوافقات , بيد أن هذه المعادلة لا تحقق شيئا كما ثبت من السوابق العديدة .

ونتيجة هذا الوضع لا يمكننا المراهنة على (الجامعة) في وضعها الراهن , فهي منظمة مكبلة ورهينة مؤسسات الحكم , لا سيما المصري الذي يحتكرها, ويتعين على العرب تحريرها وجعلها منظمة محايدة , ويقودها أمناء عامون يختارون من كل الدول بحسب جدارتهم وكفاءتهم , لا من مصر فقط , أي الاخذ بالنظام الذي يعمل به الاتحاد الاوروبي أو الأمم المتحدة , أو منظمة الوحدة الافريقية , أو منظمة التعاون الاسلامي .

  العرب أمام تحديات كبيرة , وبحاجة لقادة وزعماء قادرون على قيادة شعوبهم وتحقيق آمالهم وتحسين مستوى معيشتهم وصحتهم وتعليمهم , والدفاع عن الامن القومي العربي المستباح أولا .

 العرب اقوياء ولكن انظمتهم ضعيفة وبلا شرعية . العرب أغنياء ولكن انظمتهم لصوصية وحكامهم ينهبون ويسلبون عرق الناس . العرب متقدمون ولكن أنظمتهم متخلفة وبائدة . العرب لا تنقصهم الشجاعة والوعي ولكن حكامهم جبناء وجاهليون .

 ولا بد من تغيير المعادلات بربيع عربي آخر إذا أردنا العودة للتاريخ ! .

==============================================

هذا المقال منشور في مجلة الشراع اللبنانية , العدد 368 الصادر في 31 – 3 – 2017      

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى