بينَ هُوِيَّتيْن

د. مازن أكثم سليمان

إذا كانَ التعريف الأوَّلي للهُوِيّة ينهَض على فكرة السمات المُشترَكة التي تميِّزُ شخصاً ما عن غيره، أو مجموعة بشرية ما عن غيرها، فإنَّ الهوية القومية قد تأسَّسَتْ بوصفها أيديولوجيا في أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا لتؤكِّدَ مفهوم الأمة المُتمايِزة عن غيرها من الأمم في عصر الثورات الصناعية والبرجوازية والليبرالية، ولينتقل هذا المفهوم إلى شعوب مختلفة في العالم، مُوظِّفاً جملةً من المُعطيات لصالح سياسات الهوية المُتطلِّعة إلى الانقضاض على السلطة تحت مُسمَّى الأيديولوجيا القومية، ولا سيما عبر التلاعُب بمُستويات الهوية الثقافية، أو لأقل عبر إلحاقها بذلكَ الإدماج الهوياتي المُبرمَج مُسَبَّقاً، ومسخها لتكون إحدى جسور العبور السلطوي التدجيني والتأطيري للجماعات الموجودة، وهي المسألة التي تَستثمِرُ بالتأكيد الطبيعة المُتراكبة للهوية الثقافية، ولا سيما أنَّها تُعرَّفُ في مَنحىً أوّليّ بأنها مجموعة من الأفكار والاتجاهات المُشترَكة والقيَم والأهداف والمُمارسات التي تُميِّزُ مجموعة بشرية ما، وتمنحُها خُصوصيَّتَها المُغايِرة لخُصوصيات أُخرى مُفترَضة.

إنَّ أيّة قراءة تفكيكيّة لمفهوم الهوية القومية تبدأ بنقض هذا المفهوم انطلاقاً أوّلاً وأخيراً من الشكّ بمدى إمكانية وجود وَحدة هوياتية مُتماسِكة ومُستقرّة وذات تعالٍ واختلاف حدِّي نهائي عن الآخَر، ذلكَ أنَّ الهوية القومية فضلاً عن كونها استُخدِمَتْ غالباً بوصفها استراتيجية فاعلين يستغلّون الأيديولوجيا لغايات سياسية بعيداً عن التَّمحيص الفكري والتأصيل المعرفي المنطوي على مصداقية مُقنِعة، فقد كانَتْ تُمثِّل دائماً ذلكَ التفكير القائل بوجود جوهر وجودي بشري مُعطىً مُسَبَّقاً؛ أي إنَّها شكَّلَتْ وجهاً آخَر من وجوه الهويات الموروثة والثابتة دينياً واثنيًا، والتي تتحالَف معها موضوعياً من ناحية أولى، وتمنع من ناحية ثانية إمكانية تشييد هويات دينامية مفتوحة على الحرية والإبداع والمُستقبَل، ولا سيما أنَّ الهوية أصلاً غير قابلة في أي حال من الأحوال للتحديد النِّهائي الناجز ما دامَتْ في اعتقادي هيَ أوّلاً وأخيراً حركيّة تحوُّل وتتطوُّر وتباعُد مُستمرّ وتغايُر مُتنامٍ طيلة حياة الفرد أو الجماعة.

لعلَّ من أخطر الإشكاليات التي أظهَرَتْها موضوعة الهوية القومية تكمنُ في تزييفها لمسألة الهوية الثقافية عبر الاتّكاء على مُعطياتها الغنية والمُتداخلة، وإلحاقها بفكرة الجوهر المُكتمِل الذي تقول به الهوية القومية، لتتحوَّل القوى الكامنة في الهوية الثقافية من عامل خَلْق وتطوُّر وإنجاز، إلى عامل مُعطِّل توظِّفُ الهوية القومية مكنوناته في خدمتها!

وهكذا، تتمُّ وفق هذا المنحى عملية محو الاختلافات الضرورية داخل الهوية الثقافية مُتعدِّدة الطبقات من ناحية أولى، وتُحاصَر إمكانيات تشييد الهوية التي تنطلقُ من التكاثر الطبيعي للزمر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوصفه تكاثراً مُتجذراً في صلب تحوُّلات الحياة وطبيعتها المُتحرِّكة.

غيرَ أنَّ اختطاف الهوية القومية للهوية الثقافية يتعرَّضُ لخلخلتين وجوديتين موضوعيتين، إحداهُما خلخلة عمَلية وقائعيّة تكشفُها الشروخ الزمنية التي تتنامى وتفكِّك الهوية القومية مع مرور الزمن، وثانيهما خلخلة نظَرية تعود إلى معنى الثقافة بوصفها كينونة مُتحرِّكة؛ ذلكَ أنَّ انطواءَها على مجموعة من المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات يعني استحالة تنميطها في إطارٍ نهائيّ، فضلاً عن أنَّ مُعطيات عصرنا الحالي بثوراته المعلوماتية والرَّقمية والمعيشية، وبما ينطوي عليه من صور وأفكار لا تنفكّ تتعاظم وتتوالد باستمرار، مولِّدةً معها احتمالات غير ممكنة التَّحديد لزمرٍ كثيرة ومختلفة، هيَ أمور تجعلُ من المُستحيل بعدَ اليوم ضبط الهويات والسيطرة عليها بطريقة السياسات الهوياتية القديمة، وهو الأمر الذي يعني أنَّ قضية حدوث تغييرات عميقة في المجتمعات المُعاصرة أمرٌ لا مناصّ منه، وهو التغيير الذي لنْ تبقى مجتمعاتنا العربية بمنأىً عنه، ولا سيما في ضوء الترابط والتمازج المعرفي والسياسي والاقتصادي في عالم اليوم.

لم يعُدْ هُناك في العالم المُعاصِر هوية مُنجَزة وتامّة بوصفها تشكِّل كتلة مُفارِقة أو مُتفاصِلة مع كتل أخرى نقيضة أو مختلفة، ومع الأخذ بعين الاعتبار التوظيفات السياسية الآنية البائسة والمُستمرّة للهويات على السطح البصَري الظاهري، إلّا أنَّ الغوص في السطح البصَري العميق يُظهِرُ أنَّ الاختلاف يفعَلُ فعله الكُلّي في تفتيت أيّة وَحدة تقابُلية على أساس ثنائي ميتافيزيقي. وبهذا المعنى تصبح الهوية الثقافية مجموعة من الهويات المُتجاوِرة ظاهرياً والمُتشابِكة باطنياً بفعل التفاعُل الطبيعي، وهي المسألة التي تضعُ حدّاً حاسِماً للأيديولوجيات القومية مهما حاوَلَ البعض إحياءَها وإنقاذها من مصيرها المحتوم عبر سياسات هوية تميل إلى الحشد الغرائزي الجمعي، وإلى تنشيط العنف إذا تطلَّبَ الأمر للحفاظ على مصالح سلطوية تتخفَّى خلف القناع الأيديولوجي الذي لا يوجد تحتَهُ سوى وجه مُحنَّط ميت قد سبقَهُ العصرُ بمسافات شاسعة.

إنَّ أيّة مُقارَنة عامّة بين الهوية القومية والهوية الثقافية _إذا قبلنا جدَلاً أن تتوضَّعا نظَرياً فقط في وضعيّة تقابُليّة_ تقود إلى القول إنَّ الهوية القومية هيَ هوية تصوّرية مُتعالية واستبدادية بمحاولة محوها الاختلاف داخلها أوّلاً، وبإلغائها الآخَر المُغايِر خارجها استناداً على عقيدتها التطابُقيّة وعلى مبدأ الوَحدة الجوهرية، ولهذا تنطوي هذه الهوية على دلالة مُغلَقة طاردة للهويات، ومُعطِّلة لخيرات التعدُّد والتنوُّع، ومانعة للتطوُّر الذي يُمكِن أنْ تفتتحَهُ الهويات الثقافية التي تتمُّ مُصادرتُها وتأطيرُها وقتل حيويتها وقدرتها على المُجاوَزة والتغيير.

في حين أنَّ الهوية الثقافية هيَ هوية تفاعُلية ذات قدرة عالية على تخليق الوجود وتوليد المعاني وإكثار الآفاق، وذلكَ بوصفها في جانبٍ أوّل منها هوية حدسية مفتوحة على العالم، وبوصفها في جانبٍ ثانٍ هوية ديمقراطية تتوضَّع في صلب الآخَر الذي يتوضَّع بدوره في صلبها، وهي المسألة التي تشكِّل دينامية حركية تقوم على مبدأ الاختلاف بما هوَ مبدأ صيرورة وتباعُد مُستمرّ _نحوَ_ المُستقبَل والمجهول.

وهكذا، أستطيع القول إنَّهُ إذا كانت الهوية القومية هوية تقمعُ الفعل الحضاري وتسجنه في أنماطها السكونية المُحدِّدة مُسَبَّقاً للإنتاج الثقافي، وإذا كانت الهوية الثقافية هوية تفجيرية لسكونية الهوية القومية عبرَ تشتيت مركزيتها، وتحويلها من داخلها إلى هوية رحبة مُنتجة للفعل الحضاري، ومُنفتحة على الآخَر، فإنَّ علاقة الإلحاق التي ذكرتُها من قبل ينبغي أنْ يتمَّ قلبُها لتكونَ الهوية القومية إحدى مستويات الهوية الثقافية المُبدِعة، والتي تحوِّلُها (أي للهوية القومية) بقدرتها التوليدية الحدسية، وإمكانياتها الكشفية للحياة والعالم والإبداع إلى هوية كونية (كوسموبوليتية) تمدُّ الجسور الخلّاقة باتجاه الآخَرين، وتغنيهُم، وتغتني بهم، وهذا التفكير يُنقذ الهوية القومية _بوصفها تعني هُنا هوية أوّليّة موروثة (إثنية)_ من نفسها أوّلاً،  ومن الآخَر (القومي) الذي قد يُمارِس من جهته سياسة الإقصاء ثانياً، عبر تحصينها بآليات فكر الاختلاف الذي يمنحُها أدوات الانفكاك من التوظيف الأيديولوجي، ويغرسُها بفضل تطلُّعات الهوية الثقافية الجامحة نحوَ الانبثاق المُستمرّ والحرية التي لا تعرف الاستقرار، في قلب حديقة التنوُّع الثقافي والحضاري البشري، وهو الأمر الضروري كي تكون موجودةً في حاضرها ومُستقبلها في عقر دار التاريخ الأصيل للعالم.

المصدر: مدار اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى