هنري كيسنجر: كيف يمكن تجنب حرب عالمية أخرى؟

نيال فيرغسون * ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ولد هنري ألفريد كيسنجر Henry Alfred Kissinger‏ في ألمانيا باسم هينز ألفريد كيسنجر في 27 أيار (مايو) 1923. وهو سياسي أميركي، ودبلوماسي، وخبير استشاري جيوسياسي، شغل منصب وزير خارجية الولايات المتحدة ومستشار الأمن القومي الاميركي في ظل حكومات الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

  وهو لاجئ يهودي هرب مع عائلته من ألمانيا النازية إلى الولايات المتحدة في العام 1938، وأصبح مستشار الأمن القومي الأميركي في العام 1969 ووزير الخارجية الأميركي في العام 1973.

بسبب إجراءاته في التفاوض لوقف إطلاق النار في فيتنام، حصل كيسنجر على جائزة نوبل للسلام في العام 1973 في ظل ظروف مثيرة للجدل، حيث استقال عضوان من اللجنة احتجاجًا على منحه الجائزة.

وسعى كيسنجر لاحقًا، ومن دون جدوى، إلى إعادة الجائزة بعد فشل وقف إطلاق النار.

مارس كيسنجر الواقعية السياسية، حيث لعب دورًا بارزًا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة بين العامين 1969 و1977. خلال هذه الفترة، كان رائدًا في سياسة الانفراج الدولي مع الاتحاد السوفياتي، ونسق افتتاح العلاقات الاميركية مع جمهورية الصين الشعبية، وانخرط في ما أصبح يُعرف باسم دبلوماسية الوسيط المتنقل في الشرق الأوسط لإنهاء حرب تشرين الأول (أكتوبر)، والتفاوض على اتفاقيات باريس للسلام، وإنهاء التدخل الاميركي في حرب فيتنام.

ارتبط كيسنجر أيضًا بسياسات مثيرة للجدل مثل تورط الولايات المتحدة في العام 1973 في انقلاب تشيلي، وإعطاء “الضوء الأخضر” إلى المجلس العسكري في الأرجنتين لحربهم القذرة، ودعم الولايات المتحدة لباكستان خلال حرب بنغلاديش على الرغم من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها باكستان بحق بنغلادش.

بعد تركه الحكومة، أسس “شركاء كيسنجر”، وهي شركة استشارات جيوسياسية دولية. كتب كيسنجر أكثر من اثني عشر كتابًا في التاريخ الدبلوماسي والعلاقات الدولية.

ما يزال كيسنجر شخصية مثيرة للجدل والاستقطاب في السياسة الاميركية، حيث أُدين هو ونيكسون كمجرمي حرب من قبل العديد من الصحفيين والناشطين السياسيين والمحامين العاملين في مجال حقوق الإنسان، فضلاً عن تبجيله باعتباره وزيرًا للخارجية الاميركية ذا تأثير فعال من قبل العديد من علماء العلاقات الدولية البارزين.

كيسنجر هو العضو الوحيد في حكومة نيكسون الذي ما يزال على قيد الحياة.

فيما يلي، يتحدث رجل الدولة في فترة الحرب الباردة عن بوتين، والصين، ولحظة الخطر الجديدة التي نواجهها راهنًا.

هنري كيسنجر في سن 99: كيف يمكن تجنب حرب عالمية أخرى؟

نيال فيرغسون

بلغ هنري كيسنجر سن التاسعة والتسعين في 27 أيار (مايو). وكان قد وُلد في ألمانيا في ذروة تضخم فايمار، ولم يكن قد بلغ العاشرة من العمر عندما وصل هتلر إلى سُدة السلطة، وكان عمره 15 عامًا فقط عندما وصل هو وعائلته كلاجئين إلى مدينة نيويورك.

ولعل من المدهش بشكل أو بآخر أن يترك وزير الخارجية الأميركي السابق وعملاق الجغرافيا السياسية هذا منصبه قبل 45 عامًا.

اقرأ المزيد في ترجمات

بينما يتجه نحو بلوغ قرن من العمر، لم يفقد كيسنجر أيًا من القوة النارية الفكرية التي ميزته عن غيره من أساتذة السياسة الخارجية والممارسين من أجياله والأجيال اللاحقة.

في الوقت الذي أمضيته في كتابة المجلد الثاني من سيرته الذاتية، لم ينشر كيسنجر كتابًا واحدًا، بل اثنين -الأول تشارك في تأليفه مع الرئيس التنفيذي السابق لشركة “غوغل”، إريك شميدت، وعالم الحاسوب دانييل هوتنلوشير، حول الذكاء الاصطناعي، والثاني مجموعة من ست دراسات حالة في السيرة الذاتية عن القيادة.

التقينا في معتكفه الريفي، في أعماق غابات كونيتيكت، حيث قضى هو وزوجته نانسي معظم وقتهما منذ ظهور “كوفيد”. وكانت للوباء تأثيراته عليهما.

كانت هذه هي المرة الأولى منذ 48 عامًا من الزواج التي يركنُ فيها الدكتور كيسنجر دائم التجوال إلى توقف قسري.

ومقطوعاً عن إغراءات مطاعم مانهاتن ومآدب بكين، فقد باوندات من وزنه. وعلى الرغم من أنه يمشي بعصا، ويعتمد على سماعات أذن للمساعدة، ويتحدث ببطء أكثر من “ضفدع ” بنغمته الجهيرة التي لا تخطئها الأذن، إلا أن ذهنه ما يزال متوقداً مثل أي وقت مضى.

كما لم يفقد كيسنجر أيضاً موهبته في إغضاب الأساتذة الجامعيين الليبراليين والطلاب التقدميين أو “المستيقظين” الذين يسيطرون على هارفارد، الجامعة التي بنى فيها سمعته كعالم ومفكر عام في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

كان على كل وزير خارجية ومستشار للأمن القومي (أول منصب شغله كيسنجر في الحكومة) أن يختار بين الخيارات السيئة والأسوأ. في العام الماضي، تخلى أنتوني بلينكين وجيك سوليفان، اللذان يشغلان هذه المناصب حاليًا، عن الشعب الأفغاني لطالبان، وهذا العام يصبان أسلحة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات في منطقة الحرب التي هي أوكرانيا.

وبطريقة ما، لا تثير هذه الإجراءات نفس نوع الانتقاد والذم اللذين توجها إلى كيسنجر على مر السنين بسبب دوره في أحداث مثل حرب فيتنام (جاء قدر يُعتد به من النقد أيضًا من اليمين، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة تمامًا).

ولا شيء يمكن أن يوضح قدرته على إثارة غضب اليسار واليمين على حد سواء أفضل من الجدل الذي أثاره خطابه القصير في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 23 أيار (مايو) الماضي.

كان “هنري كسينجر: على أوكرانيا أن تعطي أراضي لروسيا” هو عنوان صحيفة “التغراف” الرئيسي، وهو ما أثار عدداً مساوياً تقريباً من التغريدات الغاضبة من التقدميين الذين أضافوا ألوان أوكرانيا الزرقاء والصفراء إلى أحدث نسخة من “علم الفخر”، ومن المحافظين الجدد الذين ينادون بانتصار أوكراني وتغيير النظام في موسكو.

وفي رد لاذع، اتهم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، كيسنجر بتفضيل استرضاء روسيا الفاشية على غرار ما حدث في العام 1938.

كان الشيء الأكثر غرابة في هذه الضجة هو أن كيسنجر لم يقل شيئًا من هذا القبيل. في جداله بأن نوعًا من السلام يجب أن يتم التفاوض عليه في نهاية المطاف، صرح ببساطة بأن “الخط الفاصل (بين أوكرانيا وروسيا) يجب أن يكون عودة إلى الوضع السابق” -أي خط الحدود قبل 24 شباط (فبراير)، عندما كانت أجزاء من دونيتسك ولوهانسك تحت سيطرة الانفصاليين الموالين لموسكو وكانت شبه جزيرة القرم جزءًا من روسيا، كما كان الحال منذ العام 2014.

وكان هذا ما قاله زيلينسكي نفسه في أكثر من مناسبة، على الرغم من أن بعض المتحدثين الأوكرانيين طالبوا مؤخرًا بالعودة إلى حدود ما قبل 2014.

ليست مثل هذه التفسيرات الخاطئة بالشيء الجديد على كيسنجر. عندما كان يحاول إقناع باراك أوباما بالانسحاب من أفغانستان، أقام نائب الرئيس آنذاك، جو بايدن، تشابهًا مؤسفًا مع الرئيس الأميركي السابق الموصوم، ريتشارد نيكسون. وقال للدبلوماسي المخضرم ريتشارد هولبروك: “علينا أن نكون في طريقنا إلى الخروج، أن نفعل ما فعلناه في فيتنام”. ورد هولبروك، الممثل الخاص لأوباما في أفغانستان وباكستان: “أعتقد أن لدينا التزامًا معينًا تجاه الناس الذين وثقوا بنا”. وكان رد بايدن كاشفاً: “تباّ لهذا”. ويقال أنه قال لهولبروك: “ليس علينا أن نقلق بهذا الشأن. لقد فعلنا ذلك في فيتنام. وقد أفلت به نيكسون وكيسنجر”.

ومع ذلك، كان الواقع، مرة أخرى، مختلفًا تمامًا. في تلك الآونة رفض نيكسون وكيسنجر كليًا فكرة التخلي عن جنوب فيتنام وتركه لمصيره بينما كان المتظاهرون المناهضون للحرب يحثونهما على ذلك في العام 1969.

وبدلاً من ترك كل شيء والهرب، سعيًا إلى تحقيق “سلام مشرف”. وكانت استراتيجيتها المتمثلة في “الفتنمة” في الواقع نسخة مما تفعله الولايات المتحدة في أوكرانيا اليوم: توفير الأسلحة حتى يتمكن البلد من الكفاح من أجل الحفاظ على استقلاله، بدلاً من الاعتماد على وجود الجنود الأميركيين على الأرض.

سوف تستغرب تلك الأنواع من الناس في هارفارد وييل أكثر عندما يرون نيكسون واحداً من النماذج الستة في كتاب كيسنجر عن “القيادة”، حيث يقف كتفاً لكتف مع كونراد أديناور، وشارل ديغول، والرئيس المصري السابق أنور السادات، وأول رئيس وزراء لسنغافورة، لي كوان يو، ومارغريت تاتشر (التي سيجعل إدراجها جماعة أكسفورد وكيمبردج يستغربون أيضًا).

سألتُ كيسنجر كيف يستحق نيكسون -الرئيس الوحيد الذي أُجبر على الاستقالة- فصلاً لنفسه في كتاب عن القيادة. ألا يشكل دراسة حالة عن كيفية عدم القيادة؟

وبدأ كيسنجر بالحكم المقتضب على ووترغيت الذي قدمه برايس هارلو، رجل الاتصال المتمرس في واشنطن الذي كان رجل اتصال نيكسون بالكونغرس: “دخل أحمق ملعون ما إلى المكتب البيضاوي وفعل كما قيل له” – بمعنى أن أحداً ما أخذ كلام نيكسون بشكل حرفي للغاية.

 “كاقتراح عام”، يقول كيسنجر: “يدين المساعدون لمبادئهم في السياسة بأن لا يقعوا لتصريحات عاطفية (حول) أشياء تعرف أن (القادة) ما كانوا ليفعلوها عند بذل المزيد من التفكير الإضافي”.

كانت هناك عدة مرات، في حمأة اللحظة، أو لإقناع الرفقة الحاضرة، كان نيكسون يعطي أوامر شفهية مفرطة. وقد تعلم كيسنجر بسرعة أن لا يتصرف عند كل مرة أمره فيها نيكسون بـ”قصف أحد ما حتى يخرج منه الجحيم”.

 “إنك إذا نظرت إلى ووترغيت”، يقول كيسنجر، “فقد كانت حقًا سلسلة من التجاوزات” -بدءًا باقتحامات مقر اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي المنافس، التي أمرت بها الحملة لإعادة انتخاب نيكسون في العام 1972.

وجاءت هذه التجاوزات عندئذٍ “مع تلك التجاوزات في أحد التحقيقات. اعتقدت حينها – وأعتقد الآن- أنها كانت تستحق التوبيخ فقط؛ لم تتطلب العزل من المنصب”.

من وجهة نظر كيسنجر، كانت ووترغيت كارثة لأنها دمرت استراتيجية السياسة الخارجية البارعة التي ابتكرها هو ونيكسون لتقوية موقف الولايات المتحدة، التي كانت تخسر الحرب الباردة بالفعل عندما جاءا إلى السلطة في كانون الثاني (يناير) 1969.

ويتذكر كيسنجر: “كان لدينا تصميم رائع. أراد (نيكسون) إنهاء حرب فيتنام بشروط مشرفة… أراد أن يمنح التحالف الأطلسي توجهاً استراتيجياً جديداً. وقبل كل شيء أراد تجنب الصراع (النووي مع الاتحاد السوفياتي) من خلال سياسة الحد من التسلح.

 “وبعد ذلك كان هناك لغز الصين غير المكتشف. أعلن (نيكسون) منذ يومه الأول أنه يريد الانفتاح على الصين. لقد فهم أن هذه كانت فرصة استراتيجية؛ أن خصمين للولايات المتحدة كانا في صراع مع بعضهما البعض” -في إشارة إلى الحرب الحدودية التي اندلعت بين الاتحاد السوفياتي والصين في العام 1969، بعد أن كانت أكبر قوتين شيوعيتين قد انقسمتا حول قضايا أيديولوجية قبل ثماني سنوات.

 “باسمه ونيابة عنه، أعطيت تعليمات لمحاولة جعل أنفسنا أقرب إلى الصين وروسيا أكثر مما كانتا لبعضهما بعضا”. هذه الاتجاهات، كما يقول، كانت تتجمع معاً في العام السابق لاندلاع فضيحة ووترغيت.

 “بحلول نهاية (رئاسة نيكسون) كان هناك سلام في فيتنام مشرف في شروطه ومستدام برعاية رئيس كان يتمتع بدعم داخلي.

وقد أعدنا صياغة سياسة الشرق الأوسط”، بطرد السوفيات بشكل فعلي من المنطقة وتكريس الولايات المتحدة كوسيط للسلام بين العرب والإسرائيليين.

 “انفتحنا على الصين و(تفاوضنا على الحد من الأسلحة الاستراتيجية) مع روسيا.

ولكن للأسف، تفكك الدعم المحلي. وبدلاً من استغلال هذه الفرص، أجبرتنا كارثة نيكسون المحلية على مجرد التماسك فحسب”.

كان نيكسون الذي يظهر في كتاب “قيادة” كيسنجر شخصية مأساوية -استراتيجي معلِّم، والذي لم يقتصر تستر عديم الضمير على جريمة فريق حملة إعادة انتخابه على تدمير رئاسته فحسب، بل حكم أيضًا على فيتنام الجنوبية بالدمار.

ولم يكن هذا كل شيء. يقترح كيسنجر أن الهزيمة في فيتنام هي التي وضعت الولايات المتحدة في دوامة انحدارية من الاستقطاب السياسي.

يكتب كسينجر أن “الصراع قد أنتج أسلوباً للنقاش العام الذي يتم إجراؤه بشكل متزايد على الدوافع والهويات السياسية أكثر من الجوهر.

وحل الغضب محل الحوار كطريقة للمواصلة الخلافات، وأصبح الخلاف صراع ثقافات”.

سألته عما إذا كانت الولايات المتحدة منقسمة اليوم أكثر مما كانت عليه في وقت فيتنام.

أجاب: “نعم، أكثر بلا حدود”.

أطلب منه، ذاهلاً، أن يشرح بالتفصيل. ويقول إنه في أوائل السبعينيات، كانت ما تزال هناك إمكانية للتعاون بين الحزبين. كانت المصلحة الوطنية مصطلحًا ذا معنى، ولم يكن بحد ذاته موضوعًا للنقاش.

لقد انتهى ذلك. الآن تواجه كل إدارة جديدة عداءً مستمراً من المعارضة وبطريقة مبنية على أسس مختلفة… يدور الجدل غير المعلن -وإنما الحقيقي للغاية في أميركا الآن- حول ما إذا كانت القيم الأساسية لأميركا صالحة”، وهو ما يقصد كسينجر به المكانة المقدسة للدستور وسيادة الحرية الفردية والمساواة أمام القانون.

يتجنب كيسنجر، الجمهوري منذ الخمسينيات، الإعلان صراحةً عن وجود عناصر في اليمين الأميركي يبدو أنها تشكك في هذه القيم الآن. لكن من الواضح أنه ليس متحمسًا لمثل هذه الأنماط الشعبوية الآن أكثر مما كان عليه في أيام باري جولد ووتر، المرشح الرئاسي في الستينيات الذي كان مدافعًا قويًا عن الفردانية ومعادًيا شرسًا للشيوعية.

في اليسار التقدمي، على حد قوله، يجادل الناس الآن بأنه “ما لم يتم قلب هذه القيم الأساسية رأساً على عقب، وتغيير مبادئ (تنفيذها)، فإنه ليس لدينا أي حق أخلاقي حتى في تنفيذ سياستنا الداخلية، ناهيك عن سياستنا الخارجية”.

وهذه “ليست وجهة نظر شائعة حتى الآن، لكنها خبيثة بما يكفي لدفع كل شيء آخر في اتجاهها ومنع توحيد السياسات… إنها (وجهة نظر) تعتنقها مجموعة كبيرة من مجتمع المثقفين، وربما تهيمن على كل الجامعات والكثير من مؤسسات الإعلام”.

أسأل: “هل يستطيع أي قائد إصلاح هذا”؟

 “ما يحدث إذا كان لديك انقسامات لا يمكن جَسرُها هو أحد أمرين. إما أن ينهار المجتمع ولا يعود قادرًا على تنفيذ مهامه تحت أي قيادات، أو أنه يتسامى عليها ويتجاوزها…”.

 “هل يحتاج الأمر إلى صدمة خارجية أو عدو خارجي”؟

 “هذه إحدى الطرق للقيام بذلك. أو أنها يمكن أن تكون لديك أزمة محلية لا يمكن السيطرة عليها”.

أعود به إلى أقدم القادة المذكورين في كتابه، كونراد أديناور، الذي أصبح في العام 1949 أول مستشار لألمانيا الغربية.

في اجتماعهما الأخير –لأن كيسنجر كان، بطبيعة الحال، يعرف الستة شخصيًا- سأل أديناور: “هل ما يزال أي قادة قادرين على ممارسة إدارة سياسة حقيقية بعيدة المدى؟ هل القيادة الحقيقية ما تزال ممكنة اليوم”؟ هذا هو بالتأكيد السؤال الذي ما يزال يطرحه كيسنجر نفسه، بعد نحو ستة عقود لاحقاً.

لقد أصبحت القيادة أكثر صعوبة، كما يقول، “بسبب المزيج من الشبكات الاجتماعية والأساليب الجديدة للصحافة والإنترنت والتلفزيون، وكلها تركز الانتباه على المدى القصير”.

وهذا يقودنا إلى وجهة نظره المميزة جدًا في القيادة. القاسم المشترك بين مجموعته من القادة هو خمس صفات: كانوا رواة للحقائق الصعبة؛ كانت لديهم رؤية وكانوا جريئين؛ لكنهم كانوا أيضًا قادرين على قضاء الوقت بمفردهم، في عزلة؛ ولم يكونوا يخشون أن يكونوا تقسيميين.

 “يجب أن تكون هناك لحظة ما للتأمل في حياة القائد”، كما يقول، مشيرًا إلى الوقت الذي أمضاه أديناور في المنفى الداخلي في ألمانيا النازية؛ والوقت الذي أمضاه ديغول كسجين لدى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى؛ والسنوات التي قضاها نيكسون في الحياة البرية في منتصف الستينيات بعد أن خسر محاولاته للوصول إلى منصب الرئاسة وحاكم كاليفورنيا؛ وسجن السادات عندما كانت مصر ما تزال تحت السيطرة البريطانية.

وتدور بعض المقاطع الأكثر لفتًا للانتباه في الكتاب حول فترات العزلة هذه. كتب ديغول: “يجب أن تصبح السيطرة على النفس نوعًا من العادة؛ من رد الفعل الأخلاقي الذي يجلبه التدريب الدائم للإرادة خاصة في أصغر الأشياء: اللباس، والمحادثة، والطريقة التي يفكر بها المرء”. في محادثة كنا قد أجريناها في بكين في أواخر العام 2019، سألت هنري كيسنجر عما إذا كنا قد أصبحنا نعيش مسبقاً في “حرب باردة ثانية”، ولكن حيث أصبحت الصين تلعب دور الاتحاد السوفياتي. أجاب بشكل لا يُنسى: “نحن في سفوح حرب باردة”. وبعد ذلك بعام قام بترقية ذلك إلى “الممرات الجبلية لحرب باردة”.

* * *

في العام 1932، حدد الرئيس الفرنسي المستقبلي، شارل ديغول، “الانضباط الذاتي المستمر” بأنه ثمن القيادة -“تحمّل المخاطر باستمرار، والصراع الداخلي الدائم. وسوف تختلف درجة المعاناة باختلاف مزاج الفرد؛ لكنها لا بد أن يكون معذِّبة بما لا يقل عن جُبَّة شعر الجمل الخشنة التي يرتديها التائب”. كان ديغول الداخلي رجلاً شديد التعاطف، كما أظهر حبه لابنته آن، التي كانت مصابة بمتلازمة داون. لكن ديغول الخارجي كان صارمًا، منعزلًا، ومعاديًا حتى للحلفاء.

ننتقل إلى مارغريت تاتشر، التي من الواضح أن كيسنجر يكن لها مشاعر المودة والاحترام. في مرحلة مبكرة من حرب فوكلاند، وبعد أن قدم لها وزير الخارجية البريطاني، فرانسيس بيم، إيجازاً عن الوضع، سألها كيسنجر عن شكل الحل الدبلوماسي الذي تفضله. “لن تكون لدي أي تسوية!” أرعدت تاتشر. “كيف يمكنك يا صديقي القديم؟ كيف يمكنك أن تقول هذه الأشياء؟”.

“كانت غاضبة للغاية”، يتذكر كيسنجر. “لم يطاوعني قلبي لأشرح أن الفكرة لم تكن لي وإنما لكبير دبلوماسييها”.

أقترِحُ أن رئيس وزراء المملكة المتحدة الحالي، بوريس جونسون، يمثل تقريبًا عكس القائد كما يعرِّفه كيسنجر. من المؤكد أنه لم يكن هناك الكثير من الانضباط الذاتي المستمر الذي وصفه ديغول في داونينغ ستريت مؤخرًا. ومرة أخرى، أدهشتني إجابة كيسنجر: “فيما يتعلق بالتاريخ البريطاني، كانت لديه مسيرة مهنية مذهلة -بشأن تغيير اتجاه بريطانيا في أوروبا، الذي سيتم إدراجه بالتأكيد كواحد من التحولات المهمة في التاريخ”.

“ولكن غالبًا ما يحدث أن الأشخاص الذين يكملون مهمة عظيمة لا يمكنهم تطبيق خصائصهم على تنفيذها، كيفية إضفاء الطابع المؤسسي عليها”. وبالانتقال إلى مناقشة قادة اليوم بشكل عام، يضيف: “لن أقول الحقيقة إذا قلت إن مستوى (القيادة) مناسب لحجم التحدي”.

أعارضه بقول إننا بالتأكيد رأينا الأستاذية في القيادة في شخص رئيس أوكرانيا، الشخصية غير المتوقعة لممثل كوميدي تحول إلى بطل حرب.

يوافق كيسنجر: “لا شك في أن زيلينسكي قد أدى مهمة تاريخية. إنه يأتي من خلفية لم تظهر قط في القيادة الأوكرانية في أي فترة من التاريخ” -في إشارة إلى أن زيلينسكي يهودي مثل كيسنجر. “لقد كان رئيسًا بالصدفة بسبب الإحباط من السياسة الداخلية. ثم ووجه بمحاولة روسيا لإعادة أوكرانيا إلى موقع التبعية والخضوع الكلي. وقد حشد دولته ورأي العالم خلفها بطريقة تاريخية. هذا هو إنجازه العظيم”.

ومع ذلك، يبقى السؤال، “هل يمكنه الحفاظ على ذلك في صنع السلام، وخاصة السلام الذي ينطوي على بعض التضحية المحدودة؟”.

أسأل عن أفكاره حول خصم زيلينسكي، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي التقى به في مناسبات عديدة، تعود في تاريخها إلى لقاء حدث بالصدفة في أوائل التسعينيات، عندما كان بوتين نائب عمدة سان بطرسبرج.

يقول كيسنجر: “اعتقدت أنه محلل عميق متفكر، استنادًا إلى اعتناق نظرة إلى روسيا كنوع من الكيان الصوفي الذي أبقى نفسه متماسكاً عبر 11 منطقة زمنية بنوع من الجهد الروحي. وفي هذه الرؤية، لعبت أوكرانيا دورًا خاصًا. جاء السويديون والفرنسيون والألمان عبر تلك المنطقة (عندما غزَوا روسيا) وهُزموا جزئيًا لأنها أرهقتهم. هذه هي وجهة نظره (بوتين)”.

ومع ذلك، فإن هذه النظرة تتعارض مع تلك الفترات من تاريخ أوكرانيا التي ميزتها عن الإمبراطورية الروسية. يقول كيسنجر إن مشكلة بوتين هي أنه “رئيس دولة آخذة في التدهور”، وأنه “فقد حسّه بالتناسب في هذه الأزمة”. ليس هناك “عذر” لما فعله هذا العام.

يذكِّرني كيسنجر بالمقال الذي كتبه في العام 2014، وقت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والذي جادل فيه ضد فكرة انضمام أوكرانيا إلى الناتو، واقترح لها بدلاً من ذلك وضعًا محايدًا مثل فنلندا، وحذر من أن مواصلة الحديث في شروط عضويتها في الناتو كان يعرض خطر اندلاع حرب. الآن، بالطبع، أصبحت فنلندا هي التي تقترح الانضمام إلى الناتو إلى جانب السويد. هل هذا التوسيع المستمر للناتو الآن هو أكثر من اللازم؟

يجيب: “كان الناتو هو التحالف المناسب لمواجهة روسيا العدوانية عندما كان ذلك هو التهديد الرئيسي الموجه إلى السلام العالمي. وقد تطور الناتو إلى مؤسسة تعكس التعاون الأوروبي الأميركي بطريقة تكاد تكون فريدة من نوعها. لذلك من المهم الحفاظ عليه. لكن من المهم أن ندرك أن القضايا الكبرى سوف تحدث في العلاقات بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأميركا. وحلف الناتو فيما يتعلق بذلك هو مؤسسة لا تحتوي مكوناتها بالضرورة على آراء متوافقة. لقد اجتمعوا (أعضاء الناتو) معًا في أوكرانيا لأن ذلك يذكرنا بالتهديدات (القديمة)، وقاموا بعمل جيد للغاية، وأنا أؤيد ما فعلوه.

“السؤال الآن هو كيفية إنهاء تلك الحرب. في نهايتها يجب العثور على مكان لأوكرانيا ويجب إيجاد مكان لروسيا -إذا كنا لا نريد أن تصبح روسيا بؤرة أمامية للصين في أوروبا”.

أذكِّره بمحادثة كنا قد أجريناها في بكين في أواخر العام 2019، عندما سألته عما إذا كنا قد أصبحنا نعيش مسبقاً في “حرب باردة ثانية”، ولكن حيث أصبحت الصين تلعب دور الاتحاد السوفياتي. أجاب بشكل لا يُنسى، “نحن في سفوح حرب باردة”. وبعد ذلك بعام قام بترقية ذلك إلى “الممرات الجبلية لحرب باردة”. أين نحن الآن؟

“ثمة دولتان تتمتعان بالقدرة على الهيمنة على العالم” -الولايات المتحدة والصين- واللتان “تواجهان بعضهما بعضا باعتبارهما المتنافسين النهائيين، وتحكمهما أنظمة محلية غير متوافقة. يحدث هذا عندما تعني التكنولوجيا أن نشوب حرب سوف يؤدي إلى انتكاس الحضارة، إن لم يكن تدميرها”.

بعبارات أخرى، تنطوي حرب باردة ثانية على إمكانية أن تكون أكثر خطورة من الحرب الباردة الأولى؟ وكانت إجابة كيسنجر هي، نعم، لأن كلتا القوتين العظميين لديهما الآن موارد اقتصادية متماثلة (وهو ما لم يكن واقع الحال في الحرب الباردة الأولى)، كما أصبحت تقنيات التدمير أكثر رعبًا، خاصة مع ظهور الذكاء الاصطناعي. وليس لديه أدنى شك في أن الصين وأميركا هما الآن خصمان. لم يعد “انتظار أن تصبح الصين غربية” استراتيجية معقولة. “لا أعتقد أن الهيمنة على العالم مفهوم صيني، لكن من الممكن أن يصبحوا (الصينيون) أقوياء للغاية. وهذا ليس في مصلحتنا”. ومع ذلك، كما يقول، فإن القوتين العظميين “لديهما حد أدنى من الالتزام المشترك بمنع حدوث (تصادم كارثي)”. كانت هذه في الواقع وجهة نظره الرئيسية في دافوس، على الرغم من أنها مرت من دون أن يلاحظها أحد إلى حد كبير.

“يبدو أن لدينا، نحن في الغرب، مهام غير متوافقة. أنت في حاجة إلى منشآت دفاعية قادرة على مواجهة التحديات الحديثة. وفي الوقت نفسه تحتاج إلى نوع من التعبير الإيجابي عن مجتمعك بحيث تكون هذه الجهود باسم شيء ما، لأنها بخلاف ذلك لا يمكن إدامتها. ثانيًا، أنت في حاجة إلى مفهوم للتعاون مع المجتمع الآخر، لأنه لا يمكنك الآن العمل على أي مفهوم لتدميره. ولذلك، فإن الحوار ضروري”.

“لكن ذلك الحوار توقف”، أقول ملاحِظاً.

“بصرف النظر عن بث المظالم. هذا هو ما يقلقني بشدة بشأن ما نحن بصدد الذهاب إليه. سوف تريد دول أخرى استغلال هذا التنافس من دون فهم جوانبه الفريدة”. في إشارة، حسب ما خمنت، إلى العدد المتزايد من البلدان التي تسعى إلى الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية من قوة عظمى أو أخرى. “لذلك نحن مقبلون على فترة صعبة للغاية”.

أسألُ عما إذا كان كيسنجر يفكر في نفسه كقائد. ويجيب: “عندما بدأت ربما لم أكن أفعل. لكني أفعل الآن. ليس بالمعنى الكامل… (لكنني) أحاول أن أكون قائدًا. تحتوي جميع الكتب التي كتبتها على عنصر من ’كيف تصل إلى المستقبل‘؟”.

أشير إلى أن هذا تواضع مفرط. بعد أن ترأس مجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، وفي وقتٍ ما خلال ووترغيت، حكومةَ الولايات المتحدة نفسها عمليًا. إنه قائد مؤهل بالكامل، حتى لو لم يكن أبداً قائداً منتخبًا.

حان وقت المغادرة. ربما كان الرجل التسعيني ما يزال قادراً على مواصلة الأداء، لكنَّني بدأت أتعب ولديَّ طائرة يجب أن ألحق بها. ويدفعني إلهام أخير إلى التساؤل عن النتيجة الطبيعية الضرورية للقيادة. “ماذا عن الأتباع؟” أسأل. “هل تراجع ذلك أيضًا؟ هل أصبح الناس أقل استعدادًا للقيادة؟”.

“نعم”، أومأ برأسه. “المفارقة هي أن الحاجة إلى القيادة ما تزال كبيرة كما هو حالها دائماً”.

هناك أولئك الذي سيواصلون بلا شك شيطنة هنري كيسنجر وتجاهل ما يقوله أو الاستخفاف به. لكنه يستطيع هو أيضاً، في سن التاسعة والتسعين، أن يتجاهل الكارهين. ولم يفقد دافعه للقيادة. يكتب، “القيادة ضرورية لمساعدة الناس على الوصول من حيث هم إلى حيث لم يكونوا أبداً من قبل، وفي بعض الأحيان، تخيلوا بالكاد أنهم يمكن أن يذهبوا إليه. من دون القيادة، تنحرف المؤسسات، وتركن الدول إلى اللامبالاة المتزايدة، وفي النهاية، تقع كارثة”.

لستَ تحت أي التزام باتباع ذلك. لكن الانجراف إلى كارثة من دون أي قيادة -أو الأسوأ من ذلك، في وجود قيادة مزيفة خالية من الانضباط الذاتي- يبدو وكأنه فكرة أسوأ.

*نشر هذا الحوار تحت عنوان: Henry Kissinger at 99: how to avoid another world war

*نيال فيرجسون Niall Ferguson: مؤرخ ولد ونشأ في اسكتلندا، ودرس ودرّس في جامعة أكسفورد ويعيش الآن في الولايات المتحدة. وهو زميل عائلة ميلبانك في معهد هوفر، ستانفورد، ومركز الدراسات الأوروبية بجامعة هارفارد. ألف 15 كتابًا وأنتج العديد من الأفلام الوثائقية التلفزيونية. وهو مؤلف كتاب “كيسنجر، 1923-1968: المثالي”. وسيتم الانتهاء من المجلد الثاني في العام 2023.

المصدر: (صنداي تايمز)/ الغد الأردنية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى