في العمق مع برهان غليون حول (عطب الذات الوطنية) 2

محمد خليفة

فشلت الانتلجنسيا السورية أن تكون بمستوى التوقعات لأنها مترددة ومنعزلة

رئاستي ل”المجلس الوطني” كانت مهمة أخلاقية قبل سياسية

حاولت إطلاق مراجعة موضوعية لتجاربنا وخياراتنا لكن المعارضة ضيعتها

ليس للمثقف مهمة أنبل أن يكون في مقدمة الصفوف لإنقاذ شعبه من الأوباش  

   لم أكن جاهلًا بأحوال المعارضة، بل سعيت لجرها إلى حيث يجب أن تكون   

 

 س 4 لماذا فشل (المجلس الوطني) وأنت كنت من المبادرين لإنشائه؟ ألم يكن هناك إمكانية لإنشاء مجلس أفضل وأكثر تماسكا؟

ج – أنت لا تملك دائما الخيارات الكثيرة وعليك ان تتعامل مع واقع ما هو موجود. لا يمكن ان تلغي المعارضة القائمة وتأتي بمعارضة جديدة حسب الطلب. كان (المجلس الوطني) في نظري في تلك اللحظة المحاولة الانقاذية الأخيرة الممكنة للمعارضة من سقوطها الكامل وفقدانها رصيدها وسمعتها ووجودها. وكنا بحاجة إليها لسد الفراغ السياسي الذي احدثه تحطيم النظام للنخبة الشبابية المبادرة وايداعها السجون وقتل العناصر النشيطة منها، وقطع رأس الثورة بعد أشهر قليلة من انطلاقها. وكان هذا شرطا لا مهرب منه لكسب معركة التعاطف الدولي والتأييد العالمي بعد سبعة اشهر من فشل احزاب المعارضة ومثقفيها المزري في التوصل إلى إتفاق من اي نوع، في الداخل وفي الخارج على حد سواء، وتعاقب تنظيم المؤتمرات الفاشلة.

وكان قبولي المشاركة استجابة لمهمة أصبحت أخلاقية اكثر منها سياسية لان تنفيذها صار شرط الرد على تحد سياسي وتاريخي كبير، هي جمع قوى الثورة والمعارضة، الذي لم أكف عن الدعوة له منذ بداية الاحتجاجات. لم أكن أفكر لحظة بمجلس ولا بأن عبء رئاسته سوف يقع على كاهلي، ولا كنت في مشاركتي مع المعارضة نقاشاتها ومبادراتها طامحا بمنصب ولا جاريا وراء سمعة أو جاه. ولا أعتقد ان مشاركتي في تشكيله كانت خطأ بأي وصف. بالعكس تماما. كنت الشخص الوحيد الذي يعمل من خارج تنظيمات المعارضة ومعها جميعا، في الوقت نفسه. ولهذا نظر إلي الآخرون بوصفي شخصية توافقيه تحظى بثقة الاطراف وتطمئنها. وقد قبلت أن أضع رصيدي وسمعتى الشخصية وتاريخي بأكمله على المحك وأقبل الرهان، وما كان بإمكاني ان ارفض المهمة واتخلى عن واجبي في المعركة التي رأيتها مصيرية، كانت ولا تزال. وقد أظهر نجاح المجلس عند انطلاقته صحة هذا الرهان.

لقد مثل المجلس الوطني المبادرة الاولى التي مكنت المعارضات المشتتة، القديمة والجديدة، من تجاوز انقساماتها ونزاعاتها المستديمة، والتحول الى فاعل على الساحة العربية والدولية والسورية. وهو أول محاولة جدية لتشكيل قيادة سياسية مثلت مختلف فصائل الثورة والتنسيقيات واحزاب المعارضة، ونالت ثقة جمهور الثورة، ونجحت في التواصل مع الدبلوماسية الدولية من مستوى رفيع، وفي انتزاع الاعتراف بشرعية الثورة والمعارضة والتعامل معها كطرف ومحاور جدي يستحق الثقة والاحترام. وجميع من شارك في قيادته في هذه الحقبة يعرف ذلك. ولولا نجاحه في الأشهر الأولى ما كانت المعارضة قد اقلعت من أرضها أبدا، بعد سبعة أشهر من الكفاح المضني والدامي.

من الممكن جدا انني لم انجح في استيعاب التناقضات التي كانت تنخر المجلس، ولا التوفيق بين طموحات قاعدته، من جمهور الثورة الواسع، وامكانياته الضعيفة، البشرية والمادية. ولم تكن لديه في الواقع اية امكانيات مادية حتى الشهر السادس من تشكيله. ومن الممكن انني كنت متفردا ببعض القرارات، او لم احسن التشاور مع من كان يعتقد أنه القيادة الخلفية الحقيقية، أو مع من لم ينزع خنجره لحظة من ظهري من أعضاء مكتبه التنفيذي، وأنني ترددت في الكثير من الأحيان في وضع استقالتي على الطاولة حرصا على عدم تهديم الهيكل وإضاعة فرص محتملة لتحقيق مكتسبات سياسية للشعب المغدور به. لكنني حالما أدركت أنه سائر إلى حتفه بسبب التناقضات التي أصر بعض ضباعه على تفجيرها، قدمت استقالتي بعد يومين من انتخابي لثلاثة أشهر جديدة. ومع ذلك كان المجلس عندما تركته في أوج صعوده السياسي، وفي الشهر الذي بدات المساعدات المادية تنصب عليه، والدول تتعامل معه كممثل للشعب الثائر، مقابل نظام يفقد الأرض من تحت أقدامه بالمعنى الحقيقي وليس المجازي للكلمة.

بالمقابل جاء الفشل والانحراف من غياب الرؤية وخطة العمل والشعور بالمسؤولية، ومن “عودة حليمة إلى عادتها القديمة”، واستعادة المعارضة نزاعاتها الشخصوية والايديولوجية السقيمة، ومناوراتها ومؤامراتها وتناحرها على المناصب، لاسباب شخصية او ايديولوجية لايهم، وتحويل المجلس من إطار وطني مفتوح لتنسيق جهود الشعب والمعارضة إلى ناد خاص بأعضائه المخلدين والمؤبدين، وإعمال سيف الاقصاء والاستبعاد والتلاعب والفهلوية باسم الحفاظ على المواقف الوطنية الجذرية اللفظية. وهكذا لم تمر اشهر معدودة حتى فقد المجلس رصيده المعنوي والسياسي وقضى على صدقيته، وانعزل عن المعارضة والشعب والعالم، واضطر مرغما، قبل نهاية عامه الأول، إلى ان يدخل طرفا في ائتلاف لم تكن حظوظه في العمل الجبهوي افضل من سابقه.

كما ذكرت، لا شيء أهم عندنا اليوم من النقد والمراجعة لمعرفة أخطائنا وإصلاح مسارنا الجمعي. لكن يحتاج النقد الذي يهدف إلى إصلاح الحال واستعادة صدقية الثورة والمعارضة، أو انقاذ ارثها ورسالتها وصورتها على الأقل، إلى نظرة عقلانية صادقة ومنزهة عن الغرض، اي موضوعية، بعيدة عن الاتهامات التعسفية والتعميمات العشوائية والمبالغات وخلط الواقع بالأهواء والمشاعر السلبية البغيضة من الحسد والغيرة والغل والانتقام. فمن المؤكد أننا لن نخرج من الفشل أبدا إذا بقينا نخلط بين الإخفاق والنجاح، ونمزج بين مشاعرنا الشخصية والوقائع المادية، أو لا نميز واحدهما عن الآخر.

س 5 – هناك ما يشبه فرض حصار أو احتواء على كتابك .. فما رأيك بردود أفعال أطراف وشخصيات المعارضة على كتابك ؟

ج – في اعتقادي، أن كلمة حصار للكتاب كبيرة جدا على تبرم عدد قليل من الأشخاص، وربما احتجاجهم على الصورة غير الصادقة التي اعتقدوا ان الكتاب يمكن ان يروجها عنهم. والحال إنني بمقدار ما لعب الكتاب دور مرآة تعكس او تحاول ان تعكس بصدق، الصورة الملحمية لكفاح شعب رمى بنفسه قاتلا او مقتولا في المعركة القاسية لانتزاع حرية مجبولة بالدم أمام وحش سلطة بهيمية، أبرز في الوقت ذاته الصورة القبيحة لبعض أخلاقياتنا وفوضى سلوكنا وسوء تعاملنا فيما بيننا وتنازعنا المضحك على مناصب وهمية. كثير من أصدقائنا من المثقفين والسياسيين المحترفين، الذين كانوا ينظرون إلى أنفسهم كعمالقة، فوجئوا بالصورة التي ظهرت في هذه المرآة وأرادوا بكل بساطة كسرها على سبيل انكارها واستنكارها. لكن ما كان ينبغي أن يحصل قد حصل. وإدراك هؤلاء بأنهم ليسوا عمالقة سوف يحررهم من الكثير من الاوهام حول أنفسهم ويحرر الجيل الجديد ايضا من الشباب السوري من الخوف من تجاوزهم. هذا هو الدور المحرر للمرآة. فلا توجد وسيلة أفضل لاكتشاف عيوبنا وتغيير سلوكنا من رؤيتنا بأم أعيننا قبح أفعالنا.

لكن هذا لم يؤثر على انتشار الكتاب وربما شجع عليه. فنحن على أبواب الاعداد للطبعة الثالثة بعد أكثر قليلا من سنة على صدور طبعته الأولى، بالإضافة الى النسخ المحملة مجانا في الانترنيت. ونحن نتحدث عن كتاب تعرض منذ البداية الى حملة تشويش واسعة من قبل أولئك الذين أرادوا طمس الهوية الحقيقية للثورة الشعبية السلمية، لابراز سردية الارهاب والطائفية والفصائل الجهادية والداعشية.

لكن ما يؤسف له ان المعارضة السياسية حرمت نفسها من فرصة ثمينة لإطلاق مناقشة جدية وموضوعية للمسائل الرئيسية والخيارات السياسية الكبرى التي واجهتها الثورة واختلفت من حولها وجادل فيها الكتاب. وفضلت أن تركز على الأمور الشخصية، وتبحث عنها وفيها، سواء تلك التي ارتبطت بدور أفرادها أو بدور الكاتب نفسه، وهي إن فسرت كذلك لا تغطي عشرة بالمئة من صفحات الكتاب. وكما ذكرت نحن نخب تحب النميمة وتعيش على النميمة، ولا تفكر إلا من خلال الأشخاص ونقائصهم أو محاسنهم، على مبدأ المدح أو الهجاء، ولا يثيرها كثيرا التفكير بالقضايا السياسية والاستراتيجية. والحال لا قيمة لنقد المواقف الشخصية إلا بوصفه جزء من مراجعة تجربة جماعية لعب فيها افراد ادوار، لكن هذه الأدوار ليست هي نفسها مفصولة عن الديناميكيات التي حكمت تطور الاحداث وصنع الوقائع، والتي تتجاوز بكثير الافراد مهما كانوا، ومهما كانت مواقعهم وأدوارهم. لذلك وحدها الشخصيات القيادية حظيت بهذا النقد.

س 6 – وجهت نقدا قاسيا للمثقفين وعبرت عن خيبة أملك بهم، بعد أن أثنيت على دورهم في ربيع دمشق وما قبله. ما حكمك النهائي على دورهم بعد الثورة؟

ج – أنا أرى أنه في حالات تشبه حالتنا السورية، حيث لا توجد طبقات اجتماعية راسخة وثابتة وإنما تحتل مواقع السلطة طبقة لقيطة مشوهة أقرب إلى أن تكون عصابات ثعالب وضباع تنهش بالمجتمع وببعضها منها إلى الطبقة السياسية أو الاجتماعية التي تدافع عن رؤية ومصالح مشتركة، ومن خلالها عن مصالح استقرار المجتمع والنظام العام، وحيث يسود حكم القوة والقهر والعسف الشامل، لا يبقى هناك ملجأ للسياسة، أي للتفكير والعمل من أجل المصالح العمومية، سوى النخبة المثقفة. فهي الفئة التي تتمتع أكثر من غيرها بشروط تسمح لها ببلورة وعي، تاريخي أو نظري أو أخلاقي، يتيح لها ان ترتفع أكثر فوق المصالح الشخصية والفئوية، وتتفاعل مع المصالح الكلية للمجتمع، أي أن تقارب القضية السياسية من النواحي المبدئية.

من هنا يقع على هذه النخبة، التي أطلق عليها الباحثون منذ أكثر من قرن اسم الانتلجنسيا، العبء الأكبر في قيادة الحركة الاجتماعية للتغيير في اللحظات التاريخية الحرجة، كما هو الحال في الثورات الكبرى. لكن كما ذكرت في الكتاب، هذه المعجزة لم تحصل عندنا للأسف. وقد حاولت في الفصل المتعلق بها أن أفهم أو اشرح لنفسي اولا ثم للقارئ لماذا لم تكن الانتلجنسيا السورية على مستوى التوقعات، وبقيت مترددة أو منعزلة أو خائفة من التقدم إلى موقع القيادة كما هو منتظر منها، وكما كان تشكيل المجلس الوطني في نظري يطمح إليه ويأمل فيه. وهذا بالضبط ما لم يعجب النخبة في كتابي وسبب غضبها عليه.

س 7– هل جرت بينك وبين النظام أو مواليه وحواضنه وأجهزته أي اتصالات أو محاولات اتصال من جانبه خلال رئاستك للمجلس الوطني أو بعد استقالتك؟

ج – لا شيء عدا الاتهامات والشتائم وحملات التشويه والتحريض من طرف أجهزته وحلفائه طبعا.

س 8 – هل تشعر بالندم على تجربتك في رئاسة المجلس الوطني والعمل مع هكذا معارضة؟ .. وهل أنت مستعد لتكرارها ؟!

ج – لم أشعر أي لحظة بأن قبولي قيادة المجلس الوطني قد ابعدتني عن موقعي الفكري او الاكاديمي وعن اهتماماتي الطبيعية. بالعكس لقد قربتني مما كنت ارى فيه دائما رسالة المثقف في مثل مجتمعاتنا كما ذكرت للتو. ولا تختلف في جوهرها عن تجربة ارتماء ملايين السوريين، الذين لم يعرفوا السياسة في اي يوم، ولم يطمحوا إلى احتلال اي منصب أو الانتماء لأي حزب، في الشوارع والساحات العامة لإطلاق صرخة الخلاص : الموت ولا المذلة.

وبالمثل، لم أشعر لحظة واحدة أنني أعمل مع المعارضة أو لها، ولم أكن جاهلا بأحوالها أبدا. وإنما سعيت إلى جرها إلى الموقع الذي كان عليها ان تحتله منذ الايام الأولى للثورة الشعبية، أي في الصفوف الأمامية لمعركة الكرامة والحرية، لأننا لم نكن نملك خيار آخر. ولذلك لم أكن أسمع، حقيقة، لا ما كان يكيله لنا النظام من تهم وافتراءات، ولا ماكانت تتبادله شخصيات المعارضة من ضربات لم تكن أقل ايذاء من ضربات النظام، ولا شكاواها المتواصلة ومؤامراتها الصغيرة الدائمة. وقد اكتشفت غيابها في اول أيام حضورها. لكن لم يكن هذا كافيا لاحباطي أو دفعي للتردد أبدا. كنت أقول لنفسي ليس هناك حل سوى ان نجعل لها رجلين من قصب، وقد قبلت أن أكون ذاك القصب، حتى نقضي مهمة تاريخية لا مهرب منها. فما كانت الثورة بحاجة إليه، بأي ثمن، هو واجهة سياسية نعمل من ورائها لكسب الرأي العام الدولي وعزل النظام. ووجود الأحزاب التاريخية فيها كان ورقة مهمة وضرورية.

لست نادما أبدا على أي لحظة قضيتها في هذه التجربة الفذة، بالرغم مما شاب العلاقات الشخصية فيها من حساسيات واحيانا من تهجمات وإساءات. لقد كان انخراطي في الثورة وعملي في المجلس الوطني لانتزاع الاعتراف العالمي بحقها في الانتصار وحق السوريين في حياة حرة وكريمة، معركة استثنائية ملهمة ومحفزة كما لا يمكن ان تكون اي تجربة أخرى، وقد خضتها بكل ما لدي من حماسة واستثمرت فيها كل ما أملكه من خبرة ومعرفة وأحاسيس ومشاعر وافكار. ولم اقدم استقالتي الا عندما ادركت ان المعارضة نجحت في ضرب ثقة النشطاء برئاستي، وأصبحت من دون رصيد اواجه به المعارضة والنظام.

س 9 – هل يصلح المثقف لقيادة السياسيين في مجتمع وبلد كمجتمعنا وبلدنا ..؟

ج – بعض المثقفين من أصدقائي انتقدوني لأنني غامرت بسمعتي الفكرية وفقدت الكثير منها بسبب “توريط” نفسي بنظرهم في لعبة السياسة الوسخة، وكنت في غنى كامل عنها. وكانوا ينتظرون مني أن أقول ذلك واردده كي يتحققوا انهم، هم أنفسهم، كانوا على حق عندما بقوا خارج هذه “اللعبة الوسخة”. والمسألة في هذا الموضوع مسألة اختيار شخصي، ولا يملك احد أن يجادل في خيار أحد. لكن رأيي أنني ما كان بإمكاني ان أنظر الى وجهي في المرآة لو أنني رفضت القبول بقيادة المجلس الوطني والمعارضة عندما طلب ذلك مني، ثم حصل ما حصل. ففي المنعطفات الحاسمة في تاريخ الشعوب، والثورة كانت واحدة منها بالتأكيد، تسقط الألقاب والصفات والمراتب والتصنيفات، ولا يبقى هناك معيار سوى التعاون والعمل الجماعي وفي المكان المطلوب منك لتحقيق الهدف الأسمى. وغياب مثل هذا التفكير هو الذي أفشل المعارضة وحرمها من أن تتوصل إلى أي اتفاق خلال سبعة أشهر كاملة قبل تشكيل المجلس الوطني، كما حرمها من التفاهم على أي إطار مشترك للعمل بعد تقويضه بخلافاتها، وقادها إلى التسليم للدول العربية بتنظيم مؤتمراتها ولجانها.

على جميع الأحوال، وكما اثبتت الوقائع، المشكلة لم تكن في المثقف وإنما في السياسيين الذين عجزوا اكثر من المثقفين عن لعب دورهم، بل عن التفاهم فيما بينهم لتشكيل جبهة واحدة، وإلى اليوم، في مواجهة الطغيان والحرب، في لحظة وضعت الثورة فيها الشعب كله تقريبا بين ايديهم وتحت تصرفهم لقيادته. إذا كان المثقفون قد بينوا هشاشة مواقفهم وعجزهم عن تكوين فاعل اجتماعي او سياسي متماسك في وقت الأزمات والتحولات الكبرى، لاختلاف حساسياتهم الشخصية وتورم ذاتيتهم، ربما، والخصام المزمن السائد بين صفوفهم، فقد أثبت السياسيون افتقارهم لأي بنية متماسكة، أو رؤية واضحة، أو شعور بالمسؤولية، يمكنهم من العمل المتسق والتعاون والتفاهم لانتزاع انتصار سياسي مدو كان في متناول اليد.

أما إذا كان المقصود من السؤال معرفة فيما إذا كان المثقف يصلح للعمل السياسي فالجواب أن العمل السياسي ليس حرفة خاصة بارستقراطية سياسية ترثه أبا عن جد، وإنما هي في عصرنا مجال مفتوح للمثقف وغير المثقف والعامل والموظف والمزارع والحرفي، جميعهم لهم الحق ولديهم الأهلية إذا اشتغلوا على أنفسهم ان يمارسوا السياسة، وهم اصلا يمارسونها كمواطنين في الدول الديمقراطية، وهذا واجبهم أيضا وليس حقهم فحسب. ولا يمكن للسياسة التي تعنى بتنظيم شؤون المجتمعات والدفاع عن مصالحها العامة أن تكون حكرا على متوسطي الذكاء الذين فشلوا في دراساتهم، كما هو الحال في العديد من بلداننا، أو على العسكريين ورجال الأمن وعلى الشبيحة من رجال المال والأعمال والمهربين وتجار المخدرات الذين لا تهمهم مصالح المجتمعات العامة في شيء.

لا أعتقد ولا أحبذ أن يكون العمل السياسي احتكارا لهؤلاء وأن يعزل المثقفون أنفسهم في المكتبات والمراكز البحثية. هذا في البلدان التي حسمت صراعاتها المتفجرة تعبير عن شكل متقدم من تقسيم العمل الاجتماعي يستفيد منه المثقف والسياسي معا، لكن في بلدان متفجرة لم تحسم أمورها بعد، ويهددها باستمرار وحش الاستبداد وسيف التسلط والسلب والنهب، هذا يعد من الكماليات. ولا يمكن ان يكون فيها للمثقفين مهام أكثر نبلا من تكريس جزء من وقتهم وجهدهم لخدمة شعبهم ومجتمعهم ومساعدته على التخلص من الأوباش. وهذا أولى من الشكوى والتبرم من جهل الشعب وبدائية ثقافته السياسية. لا يوجد مثقف لديه حد أدنى من المسؤولية وروح الواجب يقبل بأن يترك شعبه يقاد من قبل انقلابيين وهواة وحاقدين وتجار حروب ومخدرات وهو واقف على الحياد.

 المصدر: الشراع

اترك تعليقاً
1+
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق