مصائر السودان

عبد الحليم قنديل

كان الأستاذ هيكل يتجنب الكتابة عن السودان فى أغلب الأحوال ، وقد سألوه مرة عن السبب ، وكان جوابه الحذر ملفتا بمعانيه ، التى تصف الوضع السودانى بأنه غابة من التشابكات والخيوط المتداخلة ، ومن دون أن يغفل عن حساسية الإخوة السودانيين المفرطة ، وبالذات إن كان الكاتب مصريا .

وقد بدت هذه الحساسية مفهومة ، وإن كان مشكوكا فى صفاء نوايا  ووعى دعاتها المثيرين للريب ، فقد جمع مصر والسودان تاريخ معقد ، دفع قطاعات سودانية إلى ترديد نغمة مرذولة عما تسميه “الاستعمار المصرى” ، فى إشارة إلى وقائع جرت منذ قرنين وأكثر ، حين اتجهت ملكية محمد على وخلفاؤه فى مصر إلى التمدد جنوبا ، وبدوافع بينها استكشاف والحفاظ على أمن منابع ومجرى النيل ، ورسم خرائط السودان بحدوده الأحدث ، ولم تدم روح التوسع المصرى أغلب الأوقات الملكية ، فقد وقع السودان كما مصر فريسة للاحتلال البريطانى ، وابتدعت إدارة الاحتلال ما أسمته “الحكم الثنائى المصرى البريطانى” للسودان ، الذى كان موضع هيمنة مطلقة للبريطانيين ، ومن دون أن يكون للطرف المصرى دور يعتد به ، فقد كان حاكم السودان تحت الاحتلال بريطانيا دائما ، ولم تقم فى مصر والسودان حكومة واحدة أبدا تحت الاحتلال ، وإلى أن تحولت السيرة إلى مقام هزلى تماما ، كان “فاروق” آخر ملوك العائلة العلوية ، يحمل فيه صفة “ملك مصر والسودان” ، بينما لم تكن لفاروق سلطة تذكر فى مصر ذاتها ، وكان “المندوب السامى البريطانى” سيد القرار فى القاهرة ، وإلى أن قامت “ثورة الضباط الأحرار” فى 23 يوليو 1952 ، وأبرمت اتفاقية جلاء الاحتلال البريطانى عام 1954 ، بعد احتلال دام 72 سنة ، وانحاز جمال عبد الناصر لحق السودان فى تقرير مصيره ، وهو ما حدث باستفتاء شعبى سودانى أواخر عام 1955 ، جرى بعده إعلان استقلال السودان فى الأول من يناير 1956 ، وقرر عبد الناصر وقتها منح كل الأسلحة المصرية المتواجدة فى السودان كهدية لجيش الأشقاء ، وصار عبد الناصر زعيما شعبيا أعظم فى مصر والسودان والأمة العربية كلها فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وجرى استقباله على نحو أسطورى فى قمة “لاءات الخرطوم” عقب هزيمة 1967 .

ومن وقت استقلاله ، وتعاقب أنظمة الحكم عليه ، لم ينعم السودان أبدا بصيغة حكم مستقر راسخ ، وتوالت فصول الدورة الخبيثة ، من حكم مدنى إلى حكم عسكرى يلحقه ، وتطول فتراته بالتدريج ، من حكم العسكريين لست سنوات بعد انقلاب إبراهيم عبود ، ثم إلى 16 سنة زمن انقلاب جعفر النميرى ، ثم إلى حكم الثلاثين سنة مع انقلاب عمر البشير المتحالف مع جماعة الإخوان ، وبمجموع فترات حكم عسكرى ، وصلت إلى 52 سنة ، هى أغلب وقت السودان “المستقل” من 65 سنة مضت ، بدا فيها التناقض ظاهرا ، بين حيوية الشعب السودانى الفياضة فى انتفاضات وثورات 1964 و 1985 و2018 و2019 ، وبين حصاد المتاهة السودانية ، التى توالت فيها حروب أهلية ، قتلت وشردت الملايين ، وأدت لانفصال جنوب السودان عام 2011 ، ثم اشتعال حروب انفصال مضافة فى شرق وغرب وجنوب ما تبقى من السودان ، وإلى أن جرى خلع حكم البشير ، وعقد اتفاقات “جوبا” للسلام فيما بعد ، التى لم تلتحق بها حتى اليوم ، حركات تمرد مسلحة فى الغرب والجنوب ، إضافة لتفاقم نزعات الانفصال فى “بورسودان” والشرق ، ودخول أوضاع الخرطوم إلى متاهة عسكرية مدنية ، لا يبدو فيها من ختام سلس لفترة حكم انتقالى ، كان متفقا عليها بعد نهاية ديكتاتورية البشير ، وصياغة “الوثيقة الدستورية” فى أغسطس 2019 ، والاتفاق على سلطة مزدوجة عسكرية ـ مدنية ، جعلت قائد الجيش “عبد الفتاح البرهان” رئيسا لما أسمى “المجلس السيادى” ، وكان “د.عبد الله حمدوك” رئيسا لحكومة مدنية ، جرى تعديلها مرات ، وإشراك ممثلين لأحزاب من “قوى الحرية والتغيير” عنوان الثورة ، ودون أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية ، برغم نجاح “حمدوك” فى كسب تعاطف أمريكى وأوروبى ، كان سندا لشخصه بعد إقالته بقرار “البرهان” فى 25 أكتوبر 2021 ، ثم عودة “حمدوك” باتفاق مع “البرهان” فى 21 نوفمبر اللاحق ، وإخفاقه فى التفاهم مع الأطراف السياسية المتناحرة ، وعجزه عن تأليف حكومة كفاءات مستقلة على مدى قارب الشهرين ، ثم لجوئه أخيرا إلى استقالة نهائية ، أشهر فيها يأسه من  فرص نجاح حوار الأطراف المدنية ذاتها ، وإن تخلص مؤقتا من صداع اتهامه بخيانة الثورة ، وعقد صفقة مع انقلاب العسكريين والجنرال “البرهان” ، فى حين تواصل تدفق عشرات آلاف المتظاهرين إلى شوارع العاصمة المثلثة ، وبذات الحيوية الفياضة المشهورة عن الشبان والشابات فى السودان ، وشجاعة التصدى للقمع المتعاقب ، برغم سقوط مئات الشهداء والشهيدات فى رحلة الثورة الأخيرة ، والتصميم على إسقاط سلطة البرهان والعسكريين ، وترك الساحة كلها لحكم مدنى خالص ، تبدو عناوينه مجهولة غامضة حتى للمتظاهرين والمتظاهرات ، بينما يواصل “البرهان” ومجلسه مشاوير البحث عن رئيس وزراء مدنى يخلف “حمدوك” ، وسط مخاوف أغلب المرشحين من المجازفة بالموافقة ، فشوارع الخرطوم  لا تهدأ ، وسيول الغضب الجارف لا تتوقف عن التجريف ، و”قوى الحرية والتغيير” تتواصل انشقاقاتها ، ومشاهد الاحتراب القبلى تخرج عن السيطرة فى “دارفور” و”غرب كردفان” ، وحركات “عبد الواحد نور” و”عبد العزيز الحلو” و”جوزيف توكا”  لا تزال على تمردها المسلح فى الجنوب والغرب ، و”قبائل البجا”  بالشرق تهدد بالانفصال وترك وحدة السودان ، والأوضاع الاقتصادية تتابع تدهورها المأساوى وسقوطها الحر ، والشارع الساخط لا يريد الذهاب إلى انتخابات مبكرة ، تفرز حكما مدنيا كاملا ، وقادة الجيش يحذرون من انزلاق إلى فوضى شاملة ، وأجهزة المخابرات الدولية والإقليمية تعيث خرابا وتمويلا وفسادا فى الخلاء السودانى الموحش الخطر ، وإملاءات الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم تجرى على الهواء مباشرة .

والمحصلة بالجملة ، أن دراما السودان الراهنة تجاوزت من شهور حدود الصدام بين عسكريين ومدنيين ، وجدوى المفاضلة أوالمفاصلة بين حكم عسكرى وحكم مدنى ، بل وصيغ حكم السودان كلها ، وصار مصير السودان نفسه على المحك ، وربما يكون ضغط الفترة الانتقالية التى طالت بأكثر مما ينبغى ، وتراكمت خلافاتها على نحو عدمى متسلسل ، ولا تبدو لها من نهاية مأمونة ، بغير الإعداد لانتخابات عامة متعجلة ، قد تسبق موعدها المقرر أواسط عام 2023 ، وتفرز رئيسا منتخبا وحكومة مدنية منتخبة ، وهذا هو الاختيار المعلن للجيش وقائده “البرهان” ، الذى تعهد باعتزال الجيش والسياسة ، بعد إجراء الانتخابات وتنصيب الحكم المدنى الجديد ، لكن المعضلة المرئية ، أن هذه “الوصفة” التى تبدو منطقية فى ظاهرها ، لا تبدو مقنعة ولا مقبولة من جماعات الشارع الغاضب ، خصوصا فى “تجمع المهنيين” و”لجان المقاومة” ، وأطراف جناح “المجلس المركزى” للحرية والتغيير ، وكلها جماعات لا ينكر أثرها ودورها فى تحريك الشارع المتظاهر ، لكن أوزانها السياسية الانتخابية غاية فى الضعف ، ربما باستثناء أحزاب تقليدية قديمة كالحزب “الاتحادى” و”حزب الأمة” وتفرعاتهما ، قد تجد موطأ قدم فى انتخابات قريبة تجرى ، وتخشى عودة سيطرة “الكيزان” من جماعة الإخوان وأخواتها ، ومن تنامى نفوذ جماعات وأحزاب مستجدة قريبة عموما من “البرهان” ودوائر الجيش والقوى الأمنية ، إضافة لأدوار انتخابية منظورة لحركات اتفاق سلام “جوبا” وغيرها فى دارفور والجنوب والشرق ، وكلها مخاوف تبدو مفهومة ، لكن التوقف عندها ، لا يعنى سوى الشلل الكامل فى ماكينة الحكم بالسودان ، وترك الفراغ السياسى ليحتله الجيش ، وهو القوة الوحيدة الأكثر تماسكا فى السودان اليوم ، فقد أدى الشجار السياسى الحزبى الذى لا يتوقف ، وتوالى موجات التظاهر ، وما يصحبها من عنف ودماء ووقف حال ، إلى ضيق محتبس فى صدور أغلبية السودانيين الصامتة ، التى تعانى بؤس “المعايش” وإغلاق الاقتصاد والغلاء وانسداد سبل الرزق ، والنفور من سيرة السياسة ودعاوى الأحزاب جميعا ، وتراكم شعور متزايد ، قد يسأم فكرة الثورة نفسها ، بالذات مع تحول قطاع من الثوريين إلى سلوك فوضوى ، يتحدث عن “مدنية كاملة” ، بدون مقدرة على تشخيصها ، أو تقديم قيادات جاذبة جالبة لقناعة  الرأى العام السودانى ، وهو ما قد يعيد “الدورة الخبيثة” لدولاب العمل ، ويفتح الطرق سالكا لانقلاب عسكرى كامل ، لا يبدو من بديل جاهز لتجنبه ، فى بلد عظيم الموارد الطبيعية والبشرية ، لكنه يفتقر إلى جهاز دولة كفء قادر ، ومؤهل لتحمل صدمات وتقلبات السياسة ، وإدارة حياة طبيعية مع كل هذا الاضطراب ، وقد بدا ذلك قدرا مفروضا للسودان منذ استقلاله ، نأمل أن ينفك عنه ، وأن تكون مصائر السودان بقدر أحلام وأشواق بنيه الأكثر بسالة عربيا ، وإن لم يكونوا الأفضل حظا .

 

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى