المشرق العربي.. ساحة معركة إقليمية ودولية

علي العبد الله

جاءت روسيا إلى سورية عام 2015 مدفوعة بنزوع قومي روسي لإعادة الاعتبار لكيانها، والثأر من مرحلة الضعف والاحتقار الغربي، وبإستراتيجية هجومية هدفها فرض هيبتها ودورها الإقليمي والدولي.

وتمثلت تلك الإستراتيجية في توسيع وتطوير هجومها في جورجيا 2008 وأوكرانيا 2014، من أجل هدفين رئيسين: المحافظة على موطئ قدم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وتأمين ورشة الخدمات البحرية في ميناء طرطوس السوري، ودفع الغرب (الولايات المتحدة بشكل خاص) لتغيير نظرته إليها وأخذ مصالحها بعين الاعتبار، عبر الإقرار بدور لها في صياغة القرار الدولي وإشراكها في حل المشكلات الإقليمية والدولية.

وهذا دفعها إلى تنسيق تحركها الميداني مع دول الإقليم التي يمكن أن تساهم في تحقيق أهدافها؛ فكان التنسيق المباشر مع إيران ليس لتقاطعهما في الدفاع عن النظام السوري فقط، بل ولأنها رأت فيها عاملا جيوستراتيجياً “يحبط هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، ويحد من قدرتها على التأثير في أسعار النفط والغاز العالمية بما يضر المصلحة الروسية، ومن قدرتها على تخصيص موارد للضغط عليها للدخول في النظام الدولي الذي تقوده”؛ وفقاً لدانيال بنيم ومايكل وحيد حنا.

دفع ذلك روسيا إلى العمل على تعزيز دور إيران والإبقاء عليها قوة إقليمية فاعلة لضمان تحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الضغوط الأميركية. وشكلت غرفة عمليات أمنية بالاشتراك مع إيران والعراق والنظام السوري مقرها في بغداد.

ومن جهة ثانية؛ نسقت روسيا مع إسرائيل باعتبارها ممرًّا سحريا إلى قلب الولايات المتحدة، وقوة موازِنة للدور الإيراني في سوريا، حيث سيلعب التقاطع بينهما على لجم حضور إيران، التي هي خصم بالنسبة لإسرائيل ومنافس -بالنسبة لروسيا- في سوريا، على خلفية سعيها للانفراد بالشأن السوري، وتحسين صورة التدخل الروسي في سوريا لدى الولايات المتحدة.

كما استثمرت التوتر بين تركيا ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي نشأ على خلفية تمنع هذه الدول من دعم الدور التركي في سوريا، وتفعيل المادة الخامسة من نظام “الحلف” التي تقضي بالدفاع عن أية دولة من دوله تتعرض لعدوان أو تهديدات مباشرة؛ وكذلك الشكوك التي أثارها تردد هذه الدول في إدانة المحاولة الانقلابية في تركيا عام 2016.

أنشأت روسيا مع تركيا صيغة للتنسيق والتعايش على الأرض السورية (انضمت إليهما إيران لاحقا) في إطار مسار أستانا؛ لتكريس قطيعة تركيا مع دول “حلف الناتو” واستدراجها لقبول الموقف الروسي الإيراني من الصراع في سوريا وعليها.

فتحت أيضا روسيا خطوطا مع مصر عبر بوابة التسليح والتدريبات العسكرية المشتركة، وإقامة مفاعل نووي في منطقة الضبعة بقرض مالي ميّسر؛ وكذلك مع السعودية والإمارات وقطر من باب التنسيق في أسواق النفط والغاز وتوسيع العلاقات التجارية، بما في ذلك بيع الأسلحة المتطورة لها.

كما تسنى لها الدخول إلى السوق العراقي مجددا عبر بيعها أسلحة بقيمة 4.2 مليارات دولار بدأ تسليمها في أكتوبر/تشرين الأول 2013، واستثمار 10 مليارات دولار في مجال الطاقة؛ ودخول شركتَيْ “لوك أويل” و”غازبروم نفط” الروسيتين سوق الطاقة في “كردستان العراق” بفوزهما بعدد من العقود عام 2012، وتوثيق علاقاتها مع حكومة كردستان العراق عبر مساعدتها على تخطي أزمتها المالية بإقراضها مبلغ 3.5 مليارات دولار تسدده من النفط لشركة “غازبروم نفط”.

ثم مدّت أذرعها نحو ليبيا عبر تغذية طموح الجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى السيطرة على السلطة، ومده بالأسلحة والمرتزقة من شركة “فاغنر” الأمنية، للاقتراب من شريان الحياة في أوروبا: النفط والغاز الليبيين، والتمدد على الشاطئ الجنوبي للمتوسط المواجه لجنوب أوروبا.

لقد جاء كل هذا تنفيذا لـ”مشروع أوراسيا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا” الذي تتبناه روسيا، وتروّج له كبديل عن الدور الأميركي الذي جلب الخراب وعدم الاستقرار لدول المنطقة؛ كما تقول موسكو.

لم تكن الصين بعيدة عن هذا التوجه الروسي، لكن بمقاربة سياسية واقتصادية بشكل رئيس، وعسكرية بشكل أقل؛ فالصين -التي ترى في الشرق الأوسط مقبرة للقوى العظمى- لا تريد التورط عسكريا، وهمّها الرئيس استمرار الحصول على كميات كافية من النفط لآلتها الصناعية الضخمة، وهذه تستطيع الحصول عليها عبر الأموال والاستثمارات في مشاريع التنمية والبنى التحتية في الدول المصدرة.

فالهدف المركزي للصين في المنطقة هو تعزيز نفوذها الجيوسياسي، وتشجيع دول المنطقة على المشاركة في أدوار سياسية واقتصادية بعيدا عن النزاعات والتوترات، والتنسيق معها لمواجهة الإرهاب وعوامل عدم الاستقرار لضمان الحصول على النفط.

ولذا ركزت عملها على تخفيف حدة التوترات والصراعات باعتبار ذلك مسارا يتسق مع الحاجة إلى الاستقرار والأمن اللازمين؛ فدعمت حكومة العراق في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من خلال تبادل المعلومات وتقديم التدريبات اللازمة.

كما وسّعت التعاون العسكري مع إيران بإجراء تدريبات عسكرية مشتركة في الخليج العربي في يونيو/حزيران 2017، ومع السعودية في مجال مكافحة الإرهاب بتدريبات عسكرية مشتركة في تشونغتشينغ، وسعت إلى تعزيز التعاون مع تركيا للهدف نفسه.

وخصصت بكين عام 2016 مساعدات مالية بقيمة 300 مليون دولار لجامعة الدول العربية لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى تعزيز التبادلات الثقافية مع دول المنطقة، وتسهيل تبادل الأفكار والمواهب.

وأقدمت الصين على توقيع اتفاقات استثمارية مع إيران قيمتها حوالى 400 مليار دولار أميركي؛ فموقع إيران الجغرافي على ملتقى الطرق المهمة في الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا وأوروبا، وعلى الخليج العربي ومضيق هرمز؛ جعلها ذات أهمية كبيرة لرؤية الصين الساعية لدمج هذه المناطق الرئيسية من خلال مشاريع البنية التحتية والنقل المصممة لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي الصيني، كما تقتضي خطة الحزام والطريق.

وحققت الصين قفزة نوعية بالاتفاق مع إسرائيل على إقامة استثمارات فيها: إدارة ميناء أشدود، وتركيب شبكة هاواوي من الجيل الخامس؛ وذلك على الضد من الرغبة الأميركية.

وقدمت بكين دعما سياسيا وماليا للنظام السوري ونسّقت مواقفها السياسية والدبلوماسية من الصراع في سوريا وعليها مع روسيا، حيث استخدمت حق النقض (الفيتو) عدة مرات دعما لمواقف روسيا في مواجهة مواقف غربية، وأميركية على وجه الخصوص.

المصدر: الجزيرة نت

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى