مصر واقتصادها وجدالات الحرب

عمر سمير

                                                       

اندلعت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران فقتلت مرشدها وكبار قادتها. وردّت إيران كما توعّدت من قبل باستهداف قواعد ومصالح أميركية في الخليج، وأعلنت إغلاق مضيق هرمز، الممرّ الاستراتيجي الأهم لأمن الطاقة عالمياً، الأمر الذي أربك حسابات الإدارَتين الإسرائيلية والأميركية، وأدّى إلى اضطرابات هائلة في سلاسل الإمداد العالمية، أثّرت (وستؤثّر) في جميع اقتصادات العالم، وبالذات الاقتصادات الأكثر هشاشة وانكشافاً على الخارج. وكما بقية المنطقة العربية، لا يمكن لمصر أن تنعزل عن هذه الحرب وجدالاتها، وهي جزء من هذا الجدل، بشكل أو بآخر، إن بحكم الموقع الجيوسياسي أو لاعتبارات الأمن القومي العربي، أو حتى لاعتبارات الاقتصاد وتشابك الداخلي والخارجي في عالم اليوم، خصوصاً أن مصر لديها قرابة 15 مليوناً من المصريين في الخارج، وهي واحدة من أكبر متلقي التحويلات عالمياً، وأغلبها من بلدان الخليج العربي.
انهمك المصريون، في الداخل والخارج، منذ اللحظات الأولى للحرب، في تحليل تبعاتها ومحاولات التفاعل مع أحداثها وسيناريوهاتها. قلق بعضهم على أقربائه في الخليج كان أعلى من أيّ صوت آخر. وتفاعل بعض المصريين في الخليج مع الحرب بدعوات إلى التطوّع في بلدان الخليج للدفاع عنها باعتبارها بلدانهم الثانية. أثارت بعض هذه الفيديوهات نعرات وطنية، فيما أثارت تساؤلات عن سياسة ومقولة “مسافة السكة”. منذ البداية، هناك محاولات لتهدئة الروع وإيهام النفس بأن هذه حرب قصيرة مثل حرب الـ21 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي. لكن الأمر لا يبدو كذلك، إذ إن بنية الدولة والنظام الإيرانيين أكثر تعقيداً، كما مصالحها وشبكات نفوذها التي بنتها في المنطقة على مدار العقود الماضية، من الاقتصاد والتجارة والثقافة إلى السياسة والقوة الصلبة. وحتى كبار القادة والمفكّرين الأميركيين يدركون أن هذه ليست حرباً خاطفة.

تثير المخاوف الاقتصادية والاجتماعية قلق المصريين دوماً، ويستغلّها الإعلام ونُخب الحكم إلى حدّ كبير

يذهب جون ميرشايمر، ضمن اتجاه تحليلي واسع الانتشار بين منظّري العلاقات الدولية، إلى أن الحرب أو الضغط العسكري الواسع على إيران قد لا يؤدّي إلى إضعافها، بل قد يفضي، على العكس، إلى تقويتها استراتيجياً، لأن استخدام القوة العسكرية ضدّ دول ذات عمق جغرافي وسكّاني كبير غالباً ما يؤدّي إلى نتائج سياسية معاكسة للغايات المعلَنة. إذ لا تؤدّي الضربات العسكرية الخارجية بالضرورة إلى إضعاف الأنظمة السياسية المستهدَفة، بل قد تسهم في تعزيز التماسك الداخلي، فيلتفّ المجتمع حول الدولة في مواجهة التهديد الخارجي.
يوماً ما قال لي صديق، على سبيل المزحة المؤلمة، إننا وصلنا إلى مرحلة أنه إذا وقع عصفور في الهند وقع معه الجنيه المصري، وأننا نتأثّر بالأزمات والحروب أكثر من أصحابها وأطرافها المباشرين للأسف. كنّا نقولها على سبيل المبالغة، لكن هذا هو الأمر الواقع مع الأسف الشديد. فمنذ أيام أرسل لي الصديق نفسه العبارة التالية: “هل رأيت كيف انخفضت قيمة الجنيه من 46 للدولار إلى 52 وكسور، في أسبوع واحد منذ بدء الحرب التي ليست مصر طرفاً فيها؟ هل تخيّلت ماذا سيحدث إذا شاركت مصر في حرب؟”. هل تتخيّل مصيرنا إذا استمرّت هذه الحرب سنوات مثل حرب الخليج الأولى؟
لم تنتظر الحكومة كثيراً، فقد سارعت إلى رفع أسعار بعض السلع، وفي مقدمها الوقود بنسبة كبيرة، معلّلةً هذا بظروف الحرب. وبالتبعية ارتفعت أسعار النقل والمواصلات في عموم البلاد، وتزايدت حدّة المعارك اليومية بين المواطنين وسائقي حافلات النقل وغيرها من وسائل النقل الجماعي الخاصّة. كما ارتفعت أسعار أسطوانات البوتاغاز ما بين 50 ومائة جنيه، ما جعل المصريين يشعرون تلقائياً بتبعات الحرب. فلم تكن تنقصنا هذه الأزمة حتى تتفاقم الأوضاع وتتزايد مؤشّرات التضخّم والفقر بؤساً.
تثير المخاوف الاقتصادية والاجتماعية قلق المصريين دوماً، ويستغلّها الإعلام ونُخب الحكم إلى حدّ كبير؛ فها هو عمرو أديب (ومعه عدد من مقدمّي البرامج) يرى أن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج عدوان اقتصادي إيراني على مصر بشكل واضح، وكأنما اتخذت إيران هذه الإجراءات لتعاقب مصر. وبينما تكاد تكون غالبية المصريين الساحقة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الشارع، على مبدأ “أيّاً كان من يضرب إسرائيل فنحن معه”، فإن المصريين في الخليج، وهم أكثر من عشرة ملايين، يشاركون مواطني الخليج مخاوفهم من استمرار الحرب وتبعاتها بطبيعة الحال. فالمثل المصري يشير إلى أن البلد التي بها رزقك هي بلد أبيك وجدّك، وهذا حاصل لدى ملايين المصريين الذين يقضون حياتهم المهنية كاملةً في الخليج ولا يعودون إلا للتقاعد أو سكنى القبور.
بعض صفحات الجاليات المصرية في دول الخليج تبالغ في الدفاع عن الخليج، وكأنّه في مواجهة مع إيران، في مزايدة على الخليج نفسه، إلى حدّ ترديد عبارات وأخبار يقينية لا نعلم مصدرها بأن النظام الإيراني قد سقط وأن الجيش الإيراني قد انتهى، وغيرها من مقولات مضلّلة تضر بمصر والمصريين وبالخليج. وفي الجانب الآخر، شهدنا انتشار بعض الاتهامات بأن المصريين فرحون في الخليج. ولديّ عدة ملاحظات أولية تثبت أن آخر مَن يمكنه الفرح بأيّ اضطراب في الخليج هم المصريون، وأكثر دولة تأثّرت (وقد تتأثّر) باضطرابات الخليج، هي مصر لعدة أسباب. أولها أن مصر، بحكم موقعها وحجم سكّانها، حملت دائماً دوراً تاريخياً لحماية الخليج من أيّ عدوان خارجي. ضمن حروب كثيرة ساندت مصر العراق ودول الخليج بالمال والرجال والسلاح في حربها ضدّ إيران، كما أن هذه البلدان ساندتها في حرب 1973، لتعود مصر حسني مبارك نفسها لتقف ضدّ العراق في احتلاله الكويت.
ثاني الأسباب للقول بتضرّر مصر ممّا يحدث في الخليج أكثر من الخليج نفسه، أن مصر لديها قرابة 15 مليون مصري في الخارج، وأكثر من 90% من هؤلاء في الخليج. الدولة المصرية تنظر إليهم باعتبارهم فقط المصدر الأكبر للنقد الأجنبي (نحن نتحدّث هنا عن أكثر من 41 مليار دولار في 2025، وهذه هي التحويلات الرسمية، وأزعم أيضاً إن التحويلات غير الرسمية تفوق نصف هذا الرقم). الدولة رتّبت أمورها على حلبهم بعدّة طرق، وليس آخرها رسوم تسجيل الهاتف المحمول. وليس لديها أيّ خطط لإجلائهم. نحن نتحدّث عن شركات طيران تقدّم الخدمة بأرقام خيالية الآن، ولا توجد خطوط نقل برّية قادرة على استيعابهم.

أصوات للعقل والحكمة في عديد من دول الخليج ومصر تقول “هذه الحرب ليست حربنا

والخليج، بالإضافة إلى أنه أكبر مَصدر للتحويلات، هو أكبر مستثمر في مصر وأكبر دائن لها. ومهما كانت ملاحظاتنا على هذه الاستثمارات والديون والمنح والمعونات، فهي ضرورية لتعويم أيّ نظام سياسي، بل إن توقّفها قد يهدّد أيّ نظام سياسي ويؤدّي إلى اضطرابات أكبر من قدرة الدولة المصرية بوضعها الحالي على استيعابها. تخيل عزيزي القارئ أن تحرم مصر من 90% من هذه التحويلات أو الاستثمارات والأموال نتيجة الحرب؟ ماذا سيكون مصير الجنيه والميزان الخارجي والقطاع العقاري والركود التضخّمي والبطالة التي ستنجم عن توقّف ضخ هذه الأموال في القطاعات المختلفة للاقتصاد؟
في التحليل النهائي، ورغم أن الضجيج الإعلامي مكثّف حول أضرار الحرب على الخليج والمنطقة، إلا أن أصواتاً للعقل والحكمة تبدو موجودةً في عديد من دول الخليج ومصر، هذه المرّة، بأن الحرب هذه ليست حربنا. تصنّف صحفٌ كثيرة في الخليج الحرب باعتبارها إسرائيلية أميركية على إيران، وإن أبرزت الأضرار في المنشآت المدنية باعتبار تضرّر شعوبها ودولها منها، إلا أنها تحتفظ بتحليلات ترى أن الولايات المتحدة وقواعدها لا تعمل لصالح أمن بلداننا، بل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة إلى حدّ كبير، ويطالبان العرب بتحمّل تكلفة حروب لم يبدأوها، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لطالما كانت مصر الرسمية والشعبية ضدّ وجود القواعد الأجنبية في المنطقة، وهو الموقف نفسه الذي تتشاركه مع إيران. لكن المؤسف أن البلدان العربية، التي كانت من أوائل الدول تنظيماً إقليمياً عبر جامعة الدول العربية ومؤسّساتها، لا تمتلك أيّ معادلة أمن قومي أو إقليمي أو جماعي عربي واضحة ومستقلة عن الأنظمة الدولية الأخرى منذ نهاية حرب أكتوبر (1973). بل حتى في حروب الخليج وفي حرب تحرير الكويت، كانت التحرّكات الجماعية العربية محلّ خلاف، وفي إطار تحرّكات دولية أوسع، وصار الخلاف العربي أكبر من الإجماع في غالبية القمم العربية. يبدو أننا أمام حالة عدم يقين أكبر، وأن إيران هذه المرّة أكثر إصراراً على إبعاد هذه القواعد عن المنطقة. لكن المشكلة أنها لا تجد مشروعاً عربياً مناوئاً، أو حتى منافساً، يستطيع أن يعيد ترتيب العلاقات مع إيران ما بعد الحرب، سواء انتصرت أو هُزمت، حول هذه النقطة وغيرها من النقاط.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى