قراءة في رواية: عشبة على جدار مدينتي “عن صوت حي الوعر الحمصي في الثورة السورية”

أحمد العربي

ايمان محمد كاتبة سورية متميزة، تنتمي للثورة السورية، قرأت لها رواية العدية وكتبت عنها.

عشبة على جدار مدينتي – “عن صوت حي الوعر في الثورة السورية” رواية اخرى تتحدث عن الثورة السورية في مدينة حمص، حي الوعر تحديدا. تعتمد الرواية أسلوب المتكلم عبر رسائل يكتبها نورس الشخصية المحورية في الرواية، التي هي أقرب الى شهادة ذاتية عمّا حصل في حمص عموما. الرسائل غير مرتبة زمنيا، تبدأ من بداية الثورة في أواسط آذار ٢٠١١م، وتنتهي في أواسط عام ٢٠١٧م. الثورة التي قامت على إيقاع الربيع العربي، وردا على فعل النظام المستبد السوري الوحشي اتجاه أطفال درعا الذين تجاوزوا حاجز الخوف والصمت وكتبوا على حيطان مدارسهم: الشعب يريد اسقاط النظام.

نورس يكتب رسائله الى الجيل الجديد الذي كبر في الثورة ويريد معرفة ما حصل بها، انها رسائل من شهيد محتمل، استمر في حي الوعر حتى آخر لحظة قبل الترحيل الجماعي اواسط عام ٢٠١٧م.

نورس واصدقاؤه ايمن وزياد والدكتور ناصر وغيرهم من شباب مدينة حمص عايشوا ككل السوريين عقود من القهر والاستبداد والقمع والفساد وسرقة خيرات البلاد، على يد نظام طائفي لم يتورع عن القيام بأسوأ الأعمال الارهابية من قتل واعتقال وسجن للشعب وقواه الحيّة في عقود حكمه، وخاصة ايام الصراع بين الإخوان المسلمين ومعهم القوى الديمقراطية السورية، في مواجهة النظام، وذلك مطلع ثمانينات القرن الماضي، وما صاحبه من قتل وتدمير بعض احياء المدن في حماه وجسر الشغور وحلب وغيرها، كذلك اعتقال كثير من الناشطين السياسيين، وتتويج ذلك بمذبحة تدمر الشهيرة. كل ذلك جعل السوريين يبتلعون سكين الظلم والقهر ويصمتون الى حين. حيث لاحت بواكير اندفاعة الحرية على ايقاع الربيع العربي، كان نورس واصدقاؤه قد وطنوا أنفسهم على التحرك داخل احيائهم في حمص سواء من خلال ظاهرة الرجل البخاخ على جدران شوارع حمص وأحيائها، ثم تطور ذلك لتتحول حمص الى مرحلة التظاهر السلمي وتحولها مع الوقت لتكون عاصمة الثورة السورية. لكن النظام لم يقبل بحراك الشعب لاسقاط الاستبداد وبناء دولة الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية. وانتقل ليستعمل السلاح ضد الحراك السلمي وتطور ذلك ليتحول الى مقتلة الشعب السوري كله؛ بالطيران والقصف وجميع الامكانات العسكرية بشكل متعمد و بكل الوسائل. لم يكن أمام الناس من خيارات إلا الرحيل من مدينتهم من حي الى آخر، وكذلك حصل في أغلب المدن السورية الثائرة. كل ذلك لم يمنع أن يتشبث البعض في بيوتهم تحت احتمال الموت في أي لحظة جراء القصف والبراميل المتفجرة وجميع انواع الاسلحة. تحول بعض الناشطين لمقاتلين بأسلحة فردية متواضعة. كان نورس من الناشطين الميدانيين أيام التظاهر السلمي، اعتقل مع الالاف من الشباب السوري الثائر، حيث اعتمد النظام على التخويف والتعذيب والتحقيق العشوائي للوصول للناشطين والقادة الميدانيين، والوصول الى مجموعات الجيش الحر التي بدأت بحماية المتظاهرين و تقوم ببعض العمليات ضد النظام، تعرض نورس وكل المعتقلين الى التعذيب بكل الوسائل من ضرب وشبح وصعق كهربائي، لم يعترف على اي من نشاطه الثوري، عايش الإساءة الى الكرامة الانسانية، تم الافراج عنه لعدم ثبوت أي تهمة بحقه. خرج معبأ أكثر ضد النظام المجرم. وعاهد الله ونفسه ان يستمر بالثورة حتى النصر أو الشهادة. تابع كل تحولات الثورة وتطورها. فمن التظاهر السلمي الى التواصل مع شباب الجيش الحر وأن يكون يعمل مع المشافي الميدانية وناشطي الإسعاف والدفاع المدني، وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي في جبهة الدفاع عن الثورة ومشروعيتها. صار جزء من هذه الشبكة التي تعمل للحفاظ على الثورة، وحماية المدنيين وتأمين مستلزمات الحد الأدنى للحياة لهم. لكن النظام لم يكن ليتراجع عن اجرامه بحق السوريين وخاصة في مدينة حمص، فقد انتقل للقتل بالقصف العشوائي بطائراته و براميله المتفجرة و الهاونات. بدأ الناس يهربون من مناطق التصعيد الى مناطق أقل عنفا، داخل حمص او خارجها في المدن السورية والبعض الى خارج سورية، تعايش نورس مع الدمار وهجران الناس لبيوتهم واحيائهم، وانتقال القليل المتبقين الى حياة الجحيم مع القتل الدائم والحصار والتجويع. وبدأ الثوار ينسحبون من احياء لم يعودوا يستطيعون أن يحموها، الى احياء اخرى يتحصنون فيها يناوشون النظام. كل ذلك في ظل صمت دولي عن قتل الشعب السوري. يضاف له الدعم المطلق من إيران وحزب الله الطائفي وغيرهم من المرتزقة الأجانب، وذلك منذ بداية الثورة، لقتل السوريين وتهجيرهم دون اي رادع او مانع. كما اضيف له تدخل الروس لدعم النظام بدأ من عام ٢٠١٥م لدعم النظام في مواجهة الثوار، حيث كانت كفة الصراع راجحة لمصلحة الثوار وكان النظام قريب من السقوط. وعند حصول التدخل الروسي اصبح العنف الاعمى القاتل هو الأصل في تصرف النظام بمواجهة مناطق تواجد الثوار، كان أغلب الثوار قد تحصنوا في حي الوعر الحمصي حيث تواجد نورس واصدقاؤه الذين نذروا أنفسهم للمواجهة حتى النهاية. نورس الذي استثمر موهبة الرسم ليصنع جداريات المقاومة والتحدي والصمود في شوارع حمص وأحيائها. كان الثوار قد وطنوا انفسهم على الصمود، لكن واقع القتل اليومي مع الحصار ونقص أسباب الحياة. قد بدأ يوهن من عزيمة الباقين من أهل حمص داخلها، إضافة الى تشرذم قوى الثورة وعدم نضجهم، ووجود بعض المخترقين لهم لصالح النظام من المثبطين وزارعي الفتنة. كل ذلك جعل فكرة الخروج من مناطق الحصار داخل حي الوعر الى الشمال السوري أو ريف حمص احتمال تم العمل عليه. وهذا ما حصل في اغلب مناطق الثورة السورية وهكذا بعد سنوات من الصراع مع النظام وجد الناس أنفسهم شهداء او معتقلين أو مشردين. وبيوتهم مدمرة واحيائهم مهجورة. هكذا انتصر النظام بالقوة على الشعب وجعل حياتهم جحيم. وبدأ الناس رحلة الخروج من حي الوعر المقاتلين وعائلاتهم ومن بقي معهم من المدنيين الى غير رجعة بعد سنوات عدّة للثورة .

هنا تنتهي الرواية.

في التعقيب عليها نقول:

اننا امام رواية اخرى تقوم بتوثيق الثورة السورية في احدى قلاعها؛ حي الوعر الحمصي، لتجعل ما عاشه الناس والثوار حيا. وتكون شهادة على العار الذي لحق بالنظام وداعميه. تخلد الضحية وتدين القاتل. وتقدم للعالم وثيقة ادانة لموقفه الصامت عن قتل الشعب السوري.

الرواية مليئة بالحميمية والتعبير الصادق الشفاف، توثق لثوار ضحوا بكل شيء منتصرين لانسانيتهم وحقهم بالحرية والكرامة والعدالة والحياة الأفضل. قدموا أرواحهم بكل فخر واعتزاز لاجل هدف غال مع إدراكهم أن العالم كله يخذلهم.

التغلغل الايراني الطائفي حاضر، كذلك القوة الروسية الطاغية التي لم ترحم البشر والحجر، وحولت سورية لساحة حرب وقتل عشوائي دون رادع او مانع. وكان المآل حيث استمر النظام يحكم ما تبقى من سورية بعد أن أخذ الامريكان حصتهم في الشرق والشمال الشرقي السوري، عبر اداتهم حزب العمال الكردستاني وفرعه في سورية ال ب ي د الانفصالي الكردي الذي يعمل لتقسيم سورية. وبعض سورية محرر في شمالها مع مدينة ادلب وبعض ريف حماة وحلب. الشعب السوري بين قتيل ومعتقل ومصاب ومعاق ومشرد. نصف الشعب السوري بملايينه الثلاثة عشر، في منافي العالم والمخيمات المبنية على الحدود مع دول الجوار. ونصفه الآخر داخل مناطق سيطرة النظام حيث القمع والبطش والجوع والفقر والفاقة تطال كل الناس، كذلك وقوع سورية كغنيمة حرب للروس والإيرانيين الذين تقاسموها فيما بينهم. الايرانيين الذين بدؤوا حملة تغيير ديمغرافي مع تشييع إيراني في كل مناطق سيطرة النظام، والروس الذين استولوا على مراكز سورية الاستراتيجية من موانئ ومصادر الطاقة والموارد الطبيعية. أصبحوا يحتلون البلد بقروض تدفع ثمن قمح ليستمر النظام بالعيش، ومزيد من الهيمنة والتبعية. وبقاء النظام خيال مآته على بقايا سورية وشهدائها وضحاياها.

لكن الثورة ما زالت مشروعة وحتمية ومستمرة. حتى تحقيق كل مطالبها وطرد المستعمرين وتوحيدها وضرب الانفصاليين الأكراد وبناء دولة الحرية والعدالة والديمقراطية لكل السوريين.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى