على أرض غوطة دمشق

د _حسام عدنان

يبدو أن الدماء تعيق عمل تلك الأقمار فقررت أنا الطبيب المناوب مع زملائي الذين ما أغمضت عيونهم منذ خمسة أيام إيصال صوتنا لباقي مجرات الارض ليس لشيء الا املنا ان نجد في غير تلك المجرة مكانا لا براميل فيه ولا صواريخ تمزق اطفال غوطتنا ولا طائرات ترمي في كل دقيقة حممها على رؤوس النساء والاطفال والعجائز.

اما المكان فهو ماتبقى من نقاط لإغاثة جزء من الجرحى الذين تقطعت اوصالهم وبترت اطرافهم واقتلعت عيونهم وازهقت ارواح اجنتهم لا لا ذنب فعلوه سوى انهم ولدوا على كوكب الارض وحالت دماؤهم بينهم وبين مجسات الاقمار الصناعية وكمرات شاشات العالم فأ بيدو بصمت مطلق حقير قذر.

خرجت مع جمع من زملائي وقد غاب عنا الزمان فلم نعد ندرك ليلنا من نهارنا وكل ما يجعلنا ندرك الوقت هو تلك المجازر والاشلاء التي تصلنا من المسعفين وصرخاتهم تنبئنا انهم كانوا صباحا على طابور لتوزيع لقيمات الشعير فأردتهم براميل الموت اشلاء ممزقة.

قررنا الخروج من قاعات العمليات لنتنفس هواء خاليا من رائحة الدماء ولتسمع اذاننا ولو للحظة غير صوت بكاء الاطفال وعويل الأمهات.

وليتنا ماخرجنا!!

الممرات وردهات الانتظار والمداخل وقاعات الانعاش ومكاتب الادارة ومواقف السيارات كلها مملوءة بالمئات من الاسر التي حضرت مع ابنائها من تحت ركام بيوتها ولم تستطع العودة لأنه لم يعد هنالك مكان تعود اليه.

تضع الام ابنها الذي اجرينا له جراحة منذ يوم او يومين على الارض المتجمدة بلا حائل لان الاسرة والغرف امتلأت بالجرحى ترتجف يداه من شدة البرد وتبكي الام فوق رأسه ل اتدري ما تفعل.

الجثث منتشرة بين الناس في الردهات والاطفال تبكي آباءها والنساء تبكي اطفالها ولا امكانية للخروج حتى لدفنهم فحتى المقبرة تم استهدافها ومكان تجهيز الموتى تم تدميره.

شاهدت طفلا فقدناه البارحة وفشلت محاولاتنا بإنقاذ حياته وقد استلقت أمه بجواره على الارض نائمة بعد ان جفت دموعها عليه طوال الليل فاستسلمت لنوم عميق وهي تحتضنه ودماؤه غطت ثيابها المشظاة.

تسارعت خطواتي وتسرعت نبضات قلبي وانا اتنقل بين الجريح والشهيد والمصاب،

وبين البشر الملقاة على الارض أبصرت قريبي نائما بزاوية منفردة ركضت تجاهه أحث الخطا فاستوقفني أحد اخوته وقال مات اخي وهو يحضر رغيف شعير لأطفاله.

يا الله

يا لهذه الجريمة

مات منذ يومين وانا الذي أضمد الجراح لم اعلم به وعجز الجميع حتى عن دفنه.

نظرت في مرآة سيارة الاسعاف فلم أبصر في عيوني تلك الدموع التي ما فارقتني منذ سنوات وانا أودع الطفل تلو الطفل من ابناء وطني فعلمت ان للدموع نهاية كما ان لهذا الظالم نهاية كذلك.

قررت ان اعود لرائحة الدماء فهي ارحم من تلك الاهوال في الممرات والردهات لكن عجوزا استوقفتني وقالت:

هذا ابني امامي قتله برميل اعمى وهؤلاء الصغار اطفاله حوله يبكون اتعرف لماذا!!!!؟

لم اجبها فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت لي والله منذ يومين ما ذاقوا لقمة طعام ابكاهم الجوع قبل ان يبكيهم اليتم.

قهر الرجال

عجز العالم

موت الانسانية

ماذا أصف وماذا أجيبها

وكيف لما في جيبي من مال ان يسعفها وقد دمرت كل الاسواق والمستودعات فلم يتبق ذرة طعام في شوارع غوطة كانت يوما تعج بالحياة والثمار من كل لون فلم تعد تبصر في أزقتها سوى لون الدم ورائحة الموت.

جلست بجوار تلك الجدة الستينية واعلم ان لا شيء يواسيها الا انني جلست لعجزي وقهري

فربتت على كتفي وقالت بالحرف:

ان استطعتم دفن ابني فادفنوني حية بجواره فكما عجزتم عن انقاذ حياته سأعجز انا عن إطعام أطفاله.

أي قهر هذا ايها القرن الواحد والعشرين؟

أي عجز هذا ايها العالم المدعي لإنسانيته؟

رسالتي اليوم ليست الى قادة العالم وليست الى ملوكه وليست الى مجالس الامن ومنظمات حقوق الانسان.

رسالتي الى شركائنا من البشر على هذا الكوكب.

رسالتي الى من يعتقد انه مازال في روحه تلك النفخة الإلهية.

رسالتي الى من يضم أطفاله ليلاً قبل نومهم.

رسالتي الى كل ام تودع اطفالها صباحا بقبلات الحب قبل ذهابهم الى مدارسهم

لكل ام ولكل طفل ولكل اب ولكل انسان تتغلغل حروف الانسانية في خلايا جسده

اسمعوني….

هنا في الغوطة بشر مثلكم كل ما ارادوه حق بحياة كريمة ليس الا

فأضحت براميل البارود تتساقط فوق أطفالنا.

وغصت سماؤنا بالطائرات التي تلقي حممها على رؤوس نسائنا.

واشتعلت الارض من تحت اقدامنا

وأنتم شركاؤنا على هذا الكوكب…

كل ما نريده منكم ان تثبتوا لأطفالكم انكم ما تركتم اقرانهم يموتون بلا ذنب لأنكم بشر تملكون في قلوبكم تلك النفخة الإلهية.

أخبروهم انكم فعلتم شيئا لإنقاذهم وايقاف تلك المجازر بحقهم

أخبروهم ان كوكب الارض يتسع لهم ولأقرانهم

وان تغاضيتم عن تلك المجازر والدماء فاعلموا يقيننا ان هذا الكوكب لن يستحق وجودكم عليه

وكما انه يدور حول ذاته فسوف تدور تلك المجازر في عقولكم وتلافيف ادمغتكم لتحرمكم نومكم وسعادتكم ولذة تقبيل اطفالكم في كل يوم.

ويقيننا ان من اوصل لقيمات الطعام الى بطون اطفالكم وانزل الدفء على اجسادهم لن يضيعنا ولكن دماء اطفال غوطتنا عار عليكم ان اغمضتم طرفكم عنها

فأنقذوا معنا انسانيتكم.

 

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى