أوروبا في مواجهة الأزمة القيمية والتحديات الوجودية

عبد الباسط سيدا

مشهد اللاجئين السوريين وغير السوريين على الحدود التركية اليونانية، وهم يتوسلون الدخول إلى الجنة المتخيلة هرباً من الموت، محزن مؤلم، تعجز الكلمات عن وصفه؛ فيكتفي المرء المتعاطف، الذي لم يفقد إنسانيته بعد، بالغصة الحارقة التي تمزق من الداخل. هذا في حين أن المشهد نفسه قد تحوّل عند بعضهم إلى جزء من المألوف اليومي المتناغم مع الانهيار الكبير الذي تعاني منه منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية، تلك المنظومة التي كنا نعتقد أنها ثابتة راسخة مستمرة، لا تستقيم الحياة المجتمعية، سواء على مستوى المجتمعات المحلية الصغيرة، أم الكبيرة، وحتى على المستوى الكوني، من دون مراعاتها، والالتزام بها. ولكن يبدو أننا قد دخلنا مرحلة ما بعد المبادئ الأخلاقية والإنسانية، أو مرحلة ما بعد القيمية، إذ بات كل شيء في عداد الممكن والمسموح، طالما أن المصالح العارية باتت هي المحور والموجّه.

أطفال ونساء وشباب في أول عمرهم، يهربون من الموت، ومن انسداد الآفاق، يبحثون عن الآمال والمستقبل في بلاد الآخرين بعد أن فقدوا الثقة بإمكانية الحصول على الحد الأدنى الممكن من مقومات العيش الإنساني الكريم في مجتمعاتهم الأم.

وفي المقابل، أثار منظر حراس الحدود اليونان، وهم يتصدون لمن يحاول دخول بلادهم عنوة، ومن دون الالتزام بقواعد المنع، الكثير من الأسئلة الإشكالية، خاصة أن أساليب عنيفة وإذلالية استخدمت لإبعاد اللاجئين المغلوبين على أمرهم عن الحدود.

كما أثارت تحركات وممارسات سكان جزيرة ليسبوس اليونانية الذين خرجوا ليعلنوا صراحة رفضهم لاستقبال المزيد من اللاجئين على جزيرتهم الكثير من الأسئلة المتعارضة، المشروعة، الصعبة الإجابة، وولّدت مشاعر متناقضة، وذلك بعد أن حددت غالبية الدول الأوروبية مواقفها من خلال رفض استقبال أعداد جديدة من اللاجئين.

إما إقدام جيمي أوكيسون رئيس حزب ديمقراطيي السويد على توزيع منشور على الحدود اليونانية التركية، فحواه أن السويد متخمة باللاجئين، وليست لديها امكانية استقبال المزيد؛ فقد أثار الكثير من الامتعاض والاعتراض والنقد من قبل الأحزاب السويدية الأخرى، ومن قبل المنظمات الإنسانية الأوروبية بصورة عامة. ولكن الأمر الذي لا شك فيه هو أن خطوة أوكيسون كانت موضع ترحيب علني، أو صامت مبطن من قبل أوساط واسعة من مؤيدي التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي تسلط الأضواء باستمرار على ممارسات حفنة من المتشددين الإسلامويين، وتقوم بتعميمها لتشمل كل العرب والمسلمين؛ هذا مع معرفة الجميع بأن الغالبية الغالبة من هؤلاء لا تحبذ التطرف والإرهاب، بل هي تعارضهما وتدينهما، وترى فيهما من أسباب البلاء في المجتمعات الأم، ومن بين العوامل التي دفعت بالناس نحو البحث عن حياة جديدة في مجتمعات جديدة، وذلك بحثاً عن الأمان والاستقرار. مجتمعات اعتقد المهاجرون أنها محصنة ضد فيروسات التعصب بكل أشكالها، مجتمعات تديرها مؤسسات حكم مستقرة، تحمي منظمات المجتمع المدني الفاعلة فيها أنظمتها الديمقراطية التي غالباً ما تتعرض للاستغلال من قبل التيارات الشعبوية التي تستغل اللعبة الديمقراطية، لتبلغ مواقع مؤثرة تمكنها، إذا ما سيطرت، من تعطيل القواعد والقيم الديمقراطية، وفي مقدمتها التعامل مع جميع الناس على أنهم يمتلكون القيمة ذاتها، بغض النظر عن كل الاعتبارات الأخرى، لا سيما الدين والقومية ولون البشرة والجنس والفكر.

ولكننا إذ ما وسعنا نطاق رؤيتنا للمشهد، بمعزل عن جوانبه العاطفية، وبمنأى عن ردود الأفعال المتعارضة، فسنرى أن ما يحصل إنما هو نتيجة لجملة المقدمات الخاطئة التي اعتمدتها أوروبا في بداية القرن المنصرم، لتكون أسساً لتشكيل دول جديدة في منطقة الشرق الأوسط، وشمالي أفريقيا ووسطها؛ أو لتحجيم الدول التي كانت، وإلزامها بمعادلات جديدة تنسجم مع مصالح الدول الأوروبية أولاً، ومن دون أي مراعاة لطبيعة تلك المجتمعات، وتوجهات وتطلعات ومصالح شعوبها.

فالهولنديون والبلجيك، والإسبان والبرتغاليون يتحملون المسؤولية، خاصة في أفريقيا؛ أما في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، فإن المسؤولية تقع على عاتق كل من بريطانيا وفرنسا بصورة أساسية، إذ تعاملتا مع قضايا تلك المناطق من باب المصالح الاستعمارية أولاً وأخيراً. أما توجهات السكان وتصوراتهم حول مستقبلهم، فقد كانت خارج الاعتبارات والحسابات تماماً؛ وكانت الوعود التخديرية، والإدعاءات التضليلية هي مجرد وسيلة لبلوغ الغايات الاستعمارية التي تمثلت بصورة رئيسة في مطلب تأمين المواد الخام، والأسواق لتصريف المنتوجات، والسيطرة على الشرايين المائية الأساسية، والتحكم بعوامل القوة في المواجهات البينية بين الدول الأوروبية أنفسها.

ومع تخلي الدول المعنية عن مستعمراتها الأفريقية والآسيوية نتيجة ظروف واتفاقيات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي سياق التنافس الحاد بين القوتين الكبيرتين الجديدتين على المستوى العالمي وهما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية؛ تسلمت الأنظمة الوطنية الحكم في الدول الجديدة التي تشكلت بصيغتها الجنينية بعد الحرب الأولى، ثم أخذت شكلها الراهن بعد الحرب الثانية، واعتقد الناس أن أمورهم في طريقها نحو الأحسن. لكن الذي حصل هو أن الأنظمة العسكرية التي جاءت إلى الحكم بعد سلسلة من الانقلابات، كانت قد نسجت العلاقات مع الدول الاستعمارية السابقة، لتظل العلاقات غير متكافئة لصالح هذه الأخيرة مقابل استمرارية تلك الأنظمة العسكرية في الحكم. ورغم كل الشعارات والبرامج التي كانت بهدف تضليل الناس، وإشغالهم، تبين أن الهدف الأساس لتلك الأنظمة لم يكن يتجاوز الرغبة في البقاء وبأي ثمن، بل أن مهمتها المحورية لم تتجاوز حدود ضبط الأوضاع وفق المسارات التي كانت قد حددتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وملحقاتها، وافرازات الحرب العالمية الثانية.

لقد تعاملت الأنظمة المعنية مع المجتمعات التي كلفت بحكمها على أنها مجرد حشود بشرية، من واجبها تأييد الحاكم، وتبجيله، وإضفاء صفات الألوهية عليه؛ لتتمكن الزمرة المحيطة به من السيطرة على ثروات البلاد وامتيازات السلطة، وتمارس القمع ضد الخصوم الواقعيين والمحتملين، وتعمل على تسطيح العقول وقتل روحية الإبداع لدى الناس، خاصة الأطفال والشباب منهم، وذلك وفق برامج ايديولوجية موجهة، هدفها الأساس المحافظة على أنظمة الحكم المستبدة الفاسدة، ذات الشعارات القوموية الكبرى، المطعّمة بنكهة اشتراكية في ظل جمهوريات شكلية لم تحترم إرادات الناس، وقطعت عليهم كل السبل للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية. وكان السلاح الأفضل لتلك الدول هي الأجهزة الاستخباراتية المتشابكة التي كانت، وما زالت، تتدخل في كل صغيرة وكبيرة على صعيد الدولة والمجتمع، وتمارس كل اساليب البطش والتنكيل بالمعارضين.

ومع تراكمات واختلاطات الفساد والاستبداد، تم استنزاف طاقات البلدان، وانسدت الآفاق أمام الأجيال الشابة التي اعتقدت الأنظمة المخابراتية بأنها قد تمكنت من تدجينها وقتل روحية النقد والتمرد لديها؛ ولكن التراكمات الكمية الهائلة أدت في نهاية المطاف إلى تحولات نوعية، جسدتها ثورات الربيع العربي التي أجمعت على الشعار الشهير: الشعب يريد إسقاط النظام.

وقد كانت الفرصة ذهبية بالنسبة لأوروبا لتتحرك، وتدعم حركات الشعوب، وتساعدها على بناء أنظمة ديمقراطية، أو حتى شبه ديمقراطية، تحترم إرادة الإنسان عبر دساتير تحترم حقوق الجماعات والأفراد، وتنص صراحة على مبدأ تقاسم السلطات، وتحديد آلية حل الخلافات.

وكان من شأن أمر كهذا أن يمهّد الأرضية لبناء علاقات متوازنة بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط ودول الشرق الأوسط بصورة عامة، وأوروبا، علاقات أساسها المصالح المشتركة، واحترام القيم الإنسانية والتنوع الثقافي؛ وكل ذلك كان من شأنه قطع الطريق أمام الأفكار المتشددة، والممارسات الإرهابية التي كانت بصورة عامة من صنيعة أنظمة الاستبداد والإفساد، وذلك بهدف وضع العالم أمام بديلين فاسدين سيئين: إما الاستبداد الفاسد أو الإرهاب المتوحش.

التطرف بكل أشكاله، سواء التطرف الديني أم القومي أو الأيديولوجي أم العنصري لن يكون في مصلحة أوروبا، ولا في مصلحة شعوب شرقي وجنوبي المتوسط. كما أن الهجرة الجماعية لن تكون حلاً لمجتمعاتنا المنكوبة، وستكون تهديداً مستمراً للمجتمعات الأوروبية التي تعاني هي الأخرى من مشكلاتها الخاصة، لا سيما النزعات الشعبوية وحالات الفساد، ومخاطر تنامي قوة الحركات النازية والعنصرية؛ وكل ذلك ليس من مصلحة هذه المجتمعات التي ما زالت قادرة عبر مؤسساتها الديمقراطية، وأنظمتها العلمانية، وحيوية منظمات المجتمع المدني، على إيجاد الحلول الممكنة. ولكن إن تفاقمت الأمور في الجانبين، فإن مستقبلاً قاتماً ينتظر الجميع مثلما هو الحال اليوم مع آفة كورونا.

المصدر: القدس العربي

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى