الأخطاء الشّائعة في الأفكار الذّائِعة   تهافت التَّشكيك بنسب أعلام الحضارة العربيّة

د. مازن أكثم سليمان

 لطالما انتشرَتِ الآراء النَّمطيّة وشاعتْ بين عامّة الناس في جميعِ المُجتمعات، وتحوَّلَتْ إلى أحكامٍ ثابتة ومُطلَقة عبرَ عُصورٍ مُتنوِّعة من دون بحثٍ علميٍّ تأصيليّ مُعمَّق.

وفي الحالة (العربيّة/ الإسلاميّة) الرّاهِنة تراكَمَتْ جُملة من الأفكار النَّمطيّة المُختلِفة، وسادَتْ مُتحوِّلةً إلى ثوابت غير مُدقَّقة معرفيّاً، ولا سيما في ظلّ حالة الانحطاط السِّياسيّ والثَّقافيّ والحضاريّ العام الذي نعيشُهُ في الوطن العربيّ، وهذا الأمر سهَّلَ انتشار الأفكار العشوائيّة غير البريئة، فظهَرَتْ هذِهِ الأفكار أكثر ما ظهَرَتْ في مسألة تحطيم صورة الذّات العربيّة وجَلدِها إلى حُدود فُقدان الاحترام لها ولتاريخها الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ/ الكونيّ.

يتَّهِمُ كثيرونَ من أصحاب النَّزعة الشُّعوبيّة أو الاستشراقيّة المُتعالية أنَّ مُعظَمَ عُلماء الحضارة العربيّة الإسلاميّة هُم من غير العرب عرقيّاً، ظنّاً منهُم أنَّهُم يُسجِّلونَ بذلكَ مثلبةً تنتقِصُ من قيمة العنصر العربيّ وحضارتِهِ!

وقد انتشرَتْ هذِهِ الفكرة أيضاً لدى الكثيرين من العرب كما تنتشرُ النّارُ في الهشيم مع الأسف، وما زالَ يتصاعدُ ضجيجُها وغبارُها في كُلّ فترةٍ أو عند كُلِّ مخاضٍ عنيف خلال العقود الأخيرة، إمّا عن جَهلٍ ثقافيّ، أو عن عِنادٍ أخلاقيٍّ/ رُؤيويٍّ، وفي جميع الحالات ليسَ الأمر سوى فقدانٍ للبوصلة الذّاتيّة والجمعيّة في ظلّ خللٍ وجوديّ عربيّ عريض.

وتزدادُ الأمور سوءاً في ضوء تبنِّي من يُفترَض أنَّهُم يُصنَّفونَ في خانة “النُّخَب المُثقَّفة” هذا الطَّرح العشوائيّ، مثلهُم مثل عامّة النّاس؛ وذلكَ بشيءٍ من ردّة الفعل (الغرائزيّة/ النُّكوصيّة) التي تعكُسُ الواقعَ العربيَّ المُهترِئَ، وضعفَ الثِّقة بالنَّفْس وبالهُوِيّة العربيّة الحضاريّة، فضلاً عن شيءٍ من الكسَل المَعرفيّ/ البَحثيّ المَجّانيّ أو المُتعمَّد، حيثُ لا يُكلِّفونَ أنفسَهُم _ أو يتحاشونَ _ عناءَ التَّدقيق في صحّة هذِهِ المقولة التي تُبنى عليها نتائِج خطيرة بمعنى الكلمة.

إذن: هل صحيحٌ أنَّ مُعظَم علماء الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة هُم ليسوا عرَباً من النّاحية العرقيّة؟!!

هذا ما تُحاول هذِهِ المُقارَبة الإجابة عنه في السُّطور القادمة..

أوَّلاً: مُلاحظاتٌ مِفتاحيّة تمهيديّة:

قبلَ الخوض في تلافيف الإجابة، ينبغي إيضاح الأفكار المِفتاحيّة/ المِحوريّة الآتية:

1_ قدَّمْتُ في غير مادّة كتابيّة قراءاتي التي تطرحُ “العُروبة” بوصفِها “هُوِيّة ثقافيّة” مُتحوِّلة ومُتحرِّكة ومفتوحة حيويّاً على المُستقبَل والتَّغيُّر والمَجهول، لا بوصفِها (هُوِيّة قوميّة عرقيّة) ذات خلفيّات إيديولوجيّة/ نرجسيّة بالية، أو ذات أطُر فكريّة جوهرانيّة مُتعالية وثابتة ومُغلَقة، وهو الأمر الذي أرفضُهُ نظَريّاً وعمَلانيّاً رفضاً حاسِماً.

2_ ولذلكَ من غير المَنهجيّ أنْ يتمّ الحديث عن نفي مَشروعيّة مُصطلح “الحضارة العربيّة الإسلاميّة” ثقافيّاً، بفعل الحُضور الكبير والغنيّ والفاعِل لشُعوب من هُوِيّات قوميّة عرقيّة مُتعدِّدة على امتداد تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، حيثُ يتمُّ التَّرويج لتلكَ الهُوِيّات بوصفِها هُوِيّات قوميّة مَشروعة على الأقلّ ثقافيّاً (وهيَ فعلاً مَشروعة ثقافيّاً)، في حين يُنسَفُ في الوقت نفسِهِ الوعاء الأكبر الحاضِن لها، وهوَ الوعاء الثَّقافيّ العربيّ (الإنسانيّ/ الكونيّ)، والذي يُؤكِّدُ أصالةَ وجودِهِ (علميّاً وعمَليّاً) التَّمعُّن التّاريخيّ والجُغرافيّ والدّيمغرافيّ والسِّياسيّ والدّينيّ والإحصائيّ.

3_ وبهذا المعنى الدَّقيق لـِ “الهُوِيّة الثَّقافيّة/ الحضاريّة الكونيّة” أدَّعي عدم إمكانيّة الحديث عن أيِّ وجود حيويّ لـِ “الهُوِيّة الحضاريّة العربيّة” بمَعناها الواسِع والمُنتِج للعلم والثَّقافة والإبداع خارج البُعد التَّفاعُليّ والتَّشارُكيّ الإنسانيّ والعالَميّ الكونيّ الخلّاق، انطلاقاً بعصور ما قبلَ المَسيحيّة، ثُمَّ ما قبلَ الإسلام؛ أي في حضارات العالَم العربيّ القديمة ذات البُعد الكونيّ المُجاوز للعرقيّة الضَّيِّقة، مُروراً بالحضارة العربيّة/ الإسلاميّة، وصولاً إلى عصرنا الرّاهن، ويُمكِنُ تحقيب هذِهِ الرُّؤية (الحضاريّة/ الكونيّة) على النَّحو الآتي:

أ_ حضارات الأمّوريّين/ الكنعانيّين، والبَحث في هذا الإطار واسِع وشائِك، وليسَ مكانُهُ هُنا بطبيعة الحال، لكنَّ المُلاحظة المِحوريّة هيَ ظهور تيّارات جديدة في علمَي التّاريخ والآثار الحديثيْن والمُعاصِريْن تُعيد النَّظَر بهذِهِ الحضارات المُتشابكة مع الجزيرة العربيّة، وتقرأ الحضارات القديمة قراءة كُلِّيّة لا تجزيئيّة، داحضةً وجود الهجرات باتّجاه واحد فقط لعدم وجود أي فاصل جغرافيّ أو ديمغرافيّ أو ثقافيّ أصلاً؛ بمَعنى أنَّ مصدر جميع الهجرات وخزّانِها الأساسيّ، إنْ نحْو الشَّمال “بلاد الشّام والعراق ومصر”، أو نحْو الجنوب “الجزيرة العربيّة” كان مُثلَّث البادية الشّاميّة/ العراقيّة/ الحجازيّة، ولذلكَ هيَ حركيّة تنقُّل وتفاعُل وتبادُل مُتعدِّد الأبعاد، ضمنَ فضاء إنسانيّ حضاريّ واحد، أكثَر منها هجرات.

ب_ حضارات “الآراميّين”، وهيَ تسمية زائِفة، إذ لا وجود لشعب اسمُهُ “الآراميّون”؛ إنَّما جاءَ هذا الاصطلاح بفعل مَرجعيّات استشراقيّة مُغرِضة اعتمَدَتْ على التوراة، وهو ما ينسفُهُ باحثون كثيرون، منهم “فاضل الرّبيعيّ”، و”تيسير خلف” الذي ينفي وجود أيِّ نقشٍ أثريٍّ أو بُرديّة تاريخيّة تُطلِق مُصطلَح “الآراميّين” على سُكّان بلاد الشّام والعراق، فضلاً عن أنَّ جميع المُؤرِّخين الرّومان والبيزنطيّين القدماء كانوا يُسمّونَ هؤلاء الذين يُطلِقُ عليهِم المُؤرِّخون المُعاصِرون خطأً مُصطلَح “الآراميّين”: “عَرَباً” بالحرف الواحد، إلى جانب الوثائق الكنسيّة “السِّريانيّة” التي تعجّ بإثباتات مُختلِفة عن عُروبة ما يُدعى “الآراميّين”، ولذلكَ يفضِّلُ تيسير خلف أنْ يُطلِقَ عليهِم مُصطلَح “عرب الشَّمال”.

ج_ حضارات اليمن والجزيرة العربيّة القديمة والشَّهيرة، المُوازية تاريخيّاً، والمُتشابكة عضويّاً مع حضارات بلاد الشّام والعراق ومصر.

ح_ العصر الجاهليّ نفسُهُ لا ينفصل لا عن العلاقات الثَّقافيّة/ الحضاريّة القديمة والمُستمرّة في وقتِهِ مع بلاد الشّام والعراق ومصر، ولا عن الاختلاط والتَّفاعُل العميق والواسِع بشعوب آسيا وأفريقيا.

خ_ الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة.

د_ … وبطبيعة الحال؛ وصولاً إلى الحاضِر العربيّ البائِس بتطلُّعِهِ المَشروع نحوَ مُستقبَل حضاريّ “كونيّ” مُغايِر، ولا سيما بعدَ انبساط هذا العصر العولميّ الثَّوريّ تقنيّاً ومعلوماتيّاً ورقميّاً، والمُتقدِّم تقدُّماً مُزدوَجَ الدَّلالة، فهوَ مُفيدٌ وباهِرٌ من جهةٍ أُولى، ومُؤلمٌ في حَجْمِ توحُّشِهِ السِّياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ والبيئيّ من جهةٍ ثانية.

4_ ولذلكَ تحدَّثْتُ في إحدى دراساتي عن الصِّلة بينَ العُروبة والإسلام، ذاهِباً إلى القول إنَّ العلاقة بينهُما (جدَليّة) تفاعليّة تبادُليّة، رافِضاً الخطأ النَّمَطيّ (المُتخيَّل/ الشّائِع) طوالَ قرونٍ طويلة، والقائِم على المُطابَقة المُطلَقة بينهُما ثَّقافيّاً (وعرقيّاً في حالات كثيرة!!)؛ فالإسلام دينٌ قدَّمَ اقتراحَهُ الحضاريّ العظيم، وهوَ فضلاً عن كونِهِ واحداً من الحَوامِل الثَّقافيّة الكُبرى للعُروبة، يُمثِّلُ إحدى حقبِها بالمَعنى الزَّمنيّ الخطِّيّ (التّاريخيّ) لِـ (الحضارة العربيّة/ العالَميّة) كما أعتقد. وهذا الافتراض التَّحقيبيّ لا يعني أنَّني أحكمُ بانتهاء صلاحيّة الدّين الإسلاميّ في الوقت الحاضِر بالنِّسبة للمُتديّنين؛ أي بوصفِهِ ديناً تُؤمِنُ به مجموعة بشريّة تضمَنُ لهُم الشّرائِع الدّينيّة والوضعيّة حُرِّيّة الاعتقاد، إنَّما أعتقدُ أنَّهُ من الحتميّ والضَّروريّ الأخذ بعين الاعتبار مدى الإلحاح في تحقيق الإصلاح الدّينيّ والتَّجديد الذي ينبغي أنْ ينهَضَ على النَّقد الثَّوريّ والجذريّ الشّامل للواقع الإسلاميّ التّاريخيّ والحالي بجميع تيّاراتِهِ ومذاهبِهِ من دون استثناء، وهو الأمر الذي يتكامَلُ أصلاً _ ويُساهِم نوعيّاً _ من جوانبَ مُتعدِّدة مع توجُّهات تخليق كينونة “العروبة المُستقبَليّة“، والتي نهدفُ أيضاً من نقدِ واقِعِها (أي للعروبة) المُعطَى وتفكيكِهِ، أنْ نبحَثَ عن آليّاتٍ حيويّة ديناميكيّةٍ وجديدةٍ لعودَتِها إلى الفعاليّة الحضاريّة والحُضور والإبداع؛ وذلكَ بما هيَ وعاء تعدُّديّ ثقافيّاً وعرقيّاً ودينيّاً وكونيّاً، يَفترِضُ التَّنظيرُ لها، والعمَلُ على الأرض من أجلِ تحقيق أهدافِها، أنْ نعيَ في هذِهِ الحقبة _ وبحُكم الواقع المَوضوعيّ المَوجود _ التَّناقُضات السِّياسيّة للدُّوَل العربيّة، وخُصوصياتِها المَحلِّيّة، وتشظّياتِها القائمة داخليّاً، والمُترابطة موضوعيّاً فيما بينَ جميع الدول العربيّة، ولا سيما في السَّنوات الدَّمويّة الأخيرة، حيثُ إنَّ هذا الوعي المُختلِف المُبتغَى يُمثِّلُ طريقاً مُغايِراً إلى إعادة تشييد الهُوِيّة الحضاريّة العربيّة في جميع المُستويات، وبعيداً عن الطَّرح المِثاليّ/ الرّومنسيّ القديم للقوميّة العربيّة والوَحدة العربيّة التي أدَّعي _ مع مُراعاة السِّياق الزَّمنيّ/ التّاريخيّ لأنماط ذلكَ الطَّرح في القرنيْن الأخيريْن _ أنَّهُ بسَطَ الإشكاليّة العروبيّة، وحُلولِها، على نحْوٍ مَقلوب اهتمَّ بالبِنى الفوقيّة، وأهمَلَ البِنى التَّحتيّة، فلم يُراعِ الكيفيّات العمَليّة لمُواجهة مُشكلاتِنا البِنيويّة الدّاخليّة من جانبٍ أوَّل، وألاعيب الاستعمار المُستمرّة لتأبيد الضَّعف الشّامل والتَّبعيّة، وهو الذي رسَمَ حُدود الدُّوَل القُطريّة، وسياسات أنظمتِها المُعادية وجوديّاً وتكوينيّاً لمَصالِح العرب القوميّة من جانبٍ ثانٍ..

5_ وبناءً على هذا التَّوجُّه، لا تهدفُ هذِهِ المُقارَبة في حالٍ من الأحوال إلى استعراض العضلات (القوميّة)، أو التَّمركُز العقائديّ النَّرجسيّ السّاذج على الذّات النّافية للآخَر. فضلاً عن أنَّني أتفهَّمُ بعُمق من يقولُ مثلاً: ما جدوى أنْ نكون شعباً لهُ تاريخٌ عظيم في الماضي، ونحنُ على ما نحنُ عليهِ اليوم من انحطاطٍ وتمزُّقٍ وضعفٍ وجوديّ شامل؟ وفي هذا المِضمار أرى أنَّ أيّة خُطوة تنويريّة نهضويّة لابُدَّ أنْ تمُرّ بمرحلة تصفية العلاقة مع وعينا الوجوديّ في جميع أبعادِهِ الذّاتيّة والجمعيّة والتّاريخيّة والاجتماعيّة والثَّقافيّة والسِّياسيّة، كي نستطيع الانطلاق بقوّةٍ وجدّةٍ (نوعيّة) نحو العودة الفاعِلة إلى التّاريخ، ونحوَ المُستقبَل الحُرّ والأصيل.

6_ وبهذا المَعنى، ينبثِقُ هذا العمَل _ إلى حدّ بالِغ _ من هاجس الشُّعور بالخطر الوجوديّ الذي يعيشُهُ العرب اليوم بالدَّلالة الكيانيّة الواسِعة، ولا سيما بعدَ ثورات الرَّبيع العربيّ، وتداعياتِها المُعقَّدة بكُلّ أبعاد هذِهِ المُفردة، إذ بتنا نواجهُ جُملة عواملَ محلِّيّة وإقليميّة وعالَميّة تستدعي مُناقشة “سُؤال الهُوِيّة” بشفافيّةٍ وانفتاحٍ واحترامٍ للذّات الفرديّة والجمعيّة، وللمَعرفة والتَّجرِبة الإنسانيّة/ الحيويّة بتعدُّدياتِها المُتراكِبة وخُصوصياتِها العريضة.

7_ ولابُدَّ من الإشارة في هذا السِّياق إلى أنَّ رفض التَّمركُز النَّرجسيّ على الذّات القوميّة/ العرقيّة والعُنصريّة المُغلَقة والبغيضة، لا يتناقضُ مع أهمّيّة التَّصدّي لتصحيح أخطاء الفَهم المُتداوَل والشّائِع، والرَّغبة في إنصاف العرب والعروبة، وإعادة الاعتبار لموقع الحضارة العربيّة الإسلاميّة العظيم في التّاريخ الإنسانيّ، حيثُ يعترفُ بمكانتِها الكُبرى علماء كثيرونَ من الغربيّين وغير الغربيّين قبلَ العرب، وهذا العمَل لا يُعفينا من ضرورة تفكيك بِنى هذِهِ الحضارة، ونقد مثالِبِها بموضوعيّةٍ وحُرِّيّةٍ ومُرونة بعيدةٍ عن العصبيّة بالمفهوم الخلدونيّ، ولا سيما في ما يخصُّ موضوعة نقد الشُّؤون السِّياسيّة وقضايا إدارة الحُكم والسُّلطات ذات المَشارب المُختلِفة عبرَ كامل التّاريخ العربيّ الإسلاميّ الماضي، وصولاً إلى وقتنا هذا الذي لا يبدو فيه الواقع العربيّ/ الإسلاميّ ورديّاً بكُلّ تأكيد.

8_ وأخيراً، تتأسَّسُ هذِهِ المُقارَبة على فرضيّة ضرورة تقليب أي تصوُّر معرفيّ شائِع، وتبسيط التَّحليل المُتعلِّق بصحَّتِهِ أو بخطئِهِ بطريقة سلِسة، حيثُ يتمُّ الرَّدُّ على التَّصوُّر المُشار إليهِ في هذا العمَل (مَنهجيّاً/ نظَريّاً) أوَّلاً، ثُمَّ يتمُّ الرَّدُّ عليه (عمَليّاً/ بُرهانيّاً) ثانياً، وذلكَ بِـ: استدعاء دلالة القيمة الحضاريّة والمُنجَز المَعرفيّ بناءً على تراكُميّة القيمة الإحصائيّة.

ثانياً: التَّقليب المَنهجيّ/ النَّظَريّ المُضادّ للمَقولة/ الفرضيّة:

يقومُ ردّي المَنهجيّ/ النَّظَريّ على (المَقولة/ الفرضيّة الذّائِعة) القائِلة إنَّ مُعظَم أعلام الحضارة العربية الإسلاميّة ليسوا من العرق العربيّ على أربع نقاط أساسيّة، هيَ:

1_ إنَّ ما يعتقدُهُ البَعض _ وذلكَ عن قِصَر نظَر _ أنَّهُ ذمٌّ للعرب، ليسَ إلّا مديحاً لا مَثيلَ لهُ يُؤكِّدُ التَّقليد التّاريخيّ الرّاسِخ للعُروبة بوصفِها انفتاحاً وتشارُكاً، وهذهِ نقطة تُسجَّل لصالح العرب لا ضدَّهُم، فهذهِ (التُّهمة) _ إذا فرَضْنا صحَّتَها جدَلاً _ (أي إنَّ مُعظَم علماء الحضارة العربيّة الإسلاميّة ليسوا عَرَباً) تُؤكِّدُ كونيّة هذهِ الحضارة وإنسانيَّتِها ولا مركزيتِها التَّعدُّديّة عبرَ مَنحها الآخَر المُختلِف حُقوقَهُ الوجوديّة الكامِلة مثله مثل العربيّ الأصل، حتّى يبلُغَ حُدودَ الإبداع في المَجالات المُتنوِّعة، في ظلّ حضارة أعلَنَتْ في أدبيّاتِها الدّينيّة السّائدة منذ انبثاقِها أنَّهُ لا فرقَ بينَ عربيٍّ وأعجميٍّ إلّا بالتَّقوى، والنّاس سواسية كأسنان المشط، ولذلكَ أجِدُ على سبيل التَّمثيل لا الحصر، أنَّ ما أوردَهُ “الأصفهانيّ” في كتاب “الأغاني” أنَّ المُغنِّين العَرَب الثَّلاثة الأُوَّل في الحجاز في فترة صدر الإسلام هُم من أصول غير عربيّة (ابنُ سُريج تركيّ الأصل، والغَريض بربريّ، ومَعْبَد زُنجي)، هوَ لصالح الرَّصيد الحضاريّ العربيّ لا ضدَّهُ، حيثُ أتساءَلُ هُنا: أليْسَ مُذهِلاً أنْ يدخُلَ أُناسٌ من أعراق غير عربيّة إلى عُمْق الجزيرة العربيّة في هذهِ الفترة المُبكِّرة من الإسلام ويكونوا روّاداً في فنّ الغناء؟ وفي الوقت نفسِهِ، أليْسَ لافِتاً ما تنقلُهُ المَصادِر التّاريخيّة عن ازدهار هذا الفنّ في الحجاز منذ صدر الإسلام؟

2_ إنَّ مفهوم الوعاء (الثَّقافيّ _ الحضاريّ) يتجاوَزُ (المَسألةَ القوميّة العرقيّة)؛ أي بوصف علماء هذهِ الحضارة الذينَ كانوا من كُلّ الأعراق هم أبناء هذا الوعاء العربيّ الحاضِن، وعناصِرِه المُهيمِنة (لُغويّاً وإبداعيّاً وفكريّاً وعلميّاً وطبعاً روحيّاً)، فنحنُ مثلاً في هذا العصر لا نُعِدُّ “إدوارد سعيد” عربيّاً إلّا بالولادة، فهوَ مُفكِّر غربيّ بامتياز كونهُ ابن المُؤسَّسة الأكاديميّة الأمريكيّة، مع التَّأكيد الضَّروريّ في هذا السِّياق أنَّ (مَفهوم الهُوِيّة) أصلاً هوَ مَفهوم تراكُبيّ وتعدُّديّ وغير أحاديّ، ولنا في عشرات أعلام الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة من الأصول العرقيّة غير العربيّة الذين وُلِدوا وترعرعوا وتتلمذوا وأبدعوا في مدنٍ عربيّة خالصة خيرُ مثالٍ على هذِهِ التَّشارُكيّة التَّعدُّديّة، ولنا الآنَ في آلاف العُلماء والمُبدعين والمُثقَّفين العرب في الغرب خيرُ مثالٍ أيضاً على التَّشابُك الهُوِيّاتيّ بما هوَ تشابُكٌ ذو دلالاتٍ كونيّة رحبة.

3_ تنتشرُ مَقولةٌ شائعة، وتُشكِّلُ هذِهِ المَقولة رافِداً آخَر للتَّشكيك بدور العُلماء العرب في الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة، وللتَّشكيك على نحْوٍ أوسَع بوجود هذِهِ الحضارة أصلاً، حيثُ يقول أتباع هذِهِ المقولة النَّمطيّة إنَّ مُعظَم الأعلام المُسلمين كانوا مُلحدين، أو على الأقلّ، كانوا ضدّ النُّظُم السِّياسيّة/ الدِّينيّة القائِمة، وتعرَّضوا للاضطهاد السِّياسيّ أو الدّينيّ الذي كان يصل إلى حُدود القتل أحياناً، ولذلكَ فَهُم بهذا المَعنى ليسوا مُنتمين إلى السِّياق العربيّ/ الإسلاميّ، ولهذا لا وجود لحضارة عربيّة/ إسلاميّة كما يدَّعي أصحاب هذِهِ الرُّؤية، والرَّدّ عليهِم يقوم على مَسألتيْن، الأُولى تنفي عمَليّاً وإحصائيّاً هذِهِ الفكرة التَّعميميّة المُبالَغ فيها، ذلكَ أنَّ أكثريّة أعلام الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة كانوا مُؤمنين أو مُتدينين بالمَعنى العقائديّ، وفي مُقدِّمتِهِم مثلاً ابن خلدون نفسِهِ، وحتّى ابن رشد الذي أُحرِقَتْ كُتُبُه، وكذلكَ الفلكيّ الكبير ابن الشّاطر أيضاً، الذي كانَ رئيس المُؤذنين في الجامع الأمويّ، وهُناك الكثير الكثير من الأمثلة على ذلك، فضلاً عن أنَّ كثيراً من الأعلام الكبار كانوا هُم أنفسَهُم خلفاءً أو حُكَّاماً أو وزراءً أو رجالَ دينٍ وفقه أو مُثقفين وعلماء مُقرَّبينَ من السُّلطات الحاكِمة ، مع عدَم نفي وجود حالات غير قليلة من الأعلام الكبار الذين تعرَّضوا للاضطهاد السِّياسيّ والدّينيّ في التّاريخ العربيّ/ الإسلاميّ، لكنَّ الرَّدّ الثّاني يقول إنَّ اختلافَهُم لا ينفي بناءً على مَناهج العلوم الإنسانيّة الحديثة مبدأ الوعاء العام الذي يتجاوَز الرُّؤية الميتافيزيقيّة القائِمة على الثُّنائيّات المُتضادّة، وبمَعنى أكثَر تبسيطاً _ ولأنَّ الأنا هو الآخَر _، لا يُمكِنُ النَّظَر إلى الأعلام المُضطهدينَ إلّا بوصفِهِم جزءاً لا يتجزَّأ من النَّسَق العام للحضارة العربيّة/ الإسلاميّة، ووجود المُلحدين على سبيل التَّمثيل (أو المُتَّهَمين بالزَّندقة) هو جزء طبيعيّ من تنويعات أيّ وعاء ثقافيّ أو حضاريّ قديم أو حديث في تاريخ الشُّعوب والأُمم، ولا يُغيِّر من مبدأ “الهُوِيّة الثَّقافيّة” و”الانتماء الحضاريّ” شيئاً.

4_ على الرّغم من أنَّني كنتُ لا أفضِّل الانجرار خلفَ الرّدّ على أقاويلَ تقوم على فرضيّات تعميميّة مُتهافِتة وناهِضة معَ الأسف على ألاعيب التَّلفيق والاختزال والتَّسطيح، لكنَّ ضرورة هذهِ المَرحلة الحرِجة التي نحنُ في خضمِّها، وحَجم تزوير البديهيّات بهدَف الانتقاص من العُنصر العربيّ وتاريخِهِ، ولأنَّ الضّالّينَ والمُضلَّلينَ والمُصابينَ بلوثة العِناد والغوغائيّة ونقل الثَّرثرات الفارغة والاستسلام لعُقد النَّقص المُكتسَبة هُم أكثَر ممّا نتوقَّع، فضلاً عن التَّغييب المُمنهَج لأسماء عدد كبير من أعلام العرب، والتَّعتيم المُريب على دورهم الإنسانيّ العظيم، كُلّ هذِهِ الأسباب دفَعتْني كي أتعمَّقَ شخصيّاً بنسبة العرب من عُلماء الحضارة العربيّة الإسلاميّة ومُبدعيها بـِ (المَعنى العرقيّ البَحت)، وقد التقَتْ وتقاطَعَتْ مُتابَعتي هذِهِ _ التي لا أدَّعي فيها الإحاطة الكامِلة بالأعلام والإحصاء، فهذا أمر شبه مُستحيل في مُقارَبة مُحدودة الحجم كهذِهِ _ مع عددٍ من الدِّراسات التي تُحصي انتماءَ ما يُشكِّلُ نسبةً كُبرى إلى العرق العربيّ، حيثُ يُمكِنُ أنْ تُقدَّر هذِهِ النِّسبة _ أوَّليّاً وتقريبيّاً وقياسيّاً _ بينَ الثُّلث والنِّصف من أعلام هذهِ الحضارة في المَجالات كافّة، وهذا أمرٌ لافِتٌ جدّاً، ويكشفُ حجمَ الشَّطَط الشّائِع والتَّزوير الذّائِع، ولا سيما في ضوء تمازج العرب مع عشرات الشُّعوب والأعراق والقوميّات واسِعة الوجود والامتداد ديمغرافيّاً بعدَ الإسلام، وتتناوَلُ هذِهِ المُقارَبة في جميع مراحلِها أكثر من (مائة) من الأعلام العرب الكبار في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، والمُؤثِّرين في النَّهضة الغربيّة.

ثالثاً: التَّقليب العمَليّ البُرهانيّ لدحض المَقولة/ الفرضيّة:

أ_ قائِمة الأعلام من ذوي الأنساب العربيّة المُؤكَّدة:

أُثبِّتُ هُنا قائِمةً بأسماء كوكبة من أعلام الحضارة العربيّة/ الإسلاميّة من ذوي الأنساب العربيّة المُؤكَّدة في المَصادِر المُختلِفة من كتُب التّاريخ والسِّيرة والأعلام:

1_ جابر بن حيّان (مُؤسِّس علم الكيمياء وصاحِب لقب: “أبو الكيمياء” في الغرب): هوَ جابر بن حيّان بن عبد الله الأزديّ.

2_ ابن خلدون: (مُؤسِّس علمي الاجتماع والتّاريخ): هوَ عبد الرّحمن بن محمد بن خلدون أبو زيد الحضرميّ (نسبةً إلى حضرموت) من وائل، كما كتَبَ هوَ نفسه عن نسبِهِ في مُؤلَّفاتِهِ.

3_ ابن النَّفيس: (أحد أعظَم علماء الفيزيولوجيا في العُصور الوسطى كما يقول الغربيّون عنه، وهو مُكتشِف الدّورة الدَّمويّة الصُّغرى، ويُعَدُّ واحِداً من أعظَم الأطبّاء في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة والعالَم): هوَ أبو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم المَخزوميّ القرشيّ الدِّمشقيّ المنسوب إلى الخوالِد من بني مَخزوم، والمُلقَّب بـِ (القَرَشيّ) بفتح القاف والرّاء نسبة إلى قبيلة قريش.

4_ الزّهراويّ: (أعظَم الجرّاحين في تاريخ الإسلام، ويُلقِّبُهُ الغربيّون بـِ “أبو الجراحة الحديثة”، وما تزالُ كثيرٌ من اختراعاتِهِ الجراحيّة وتقنياتِهِ الطُّبّيّة تُستخدَم إلى يومِنا هذا، فهوَ أوَّل من استعمَلَ الخُيوط في العمليّات الجراحيّة، وأوَّل من صنَعَ أقراص الدّواء في التّاريخ البشريّ): هوَ أبو القاسم خلف بن عبّاس الزّهراويّ الأنصاريّ (نسبةً إلى الأنصار في يثرب) الأندلسيّ.

5_ ابن زهر: (أحَد أبرز أطبّاء المُسلمين، وقد استمرَّ تأثيرُهُ الطُّبِّيّ في تشخيص مُختلَف الأمراض الباطنيّة والجلديّة وعلاجِها حتّى القرن السّابع عشر الميلاديّ في أوربّا، ووصفَهُ “ابن رشد” في كتابِهِ “الكُلِّيّات” بأنَّهُ أعظَم طبيب جاءَ بعدَ جالينوس): هوَ عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن مروان الإيّاديّ.

6_ ابن وافد: (واضِع نظَريّة التَّدرُّج في المُداواة من الأدوية الأضعف فالأقوى، ونظَريّة ضرورة تجنُّب التَّداوي بالأدوية إذا أمكَنَ التَّداوي بالأغذية، وهوَ إلى جانب “ابن البيطار” أهمّ “صيدليّ وعالم نبات” في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ): هوَ أبو المطرَّف عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد الكبير بن يحيى بن وافد بن مهنَّد اللَّخميّ التَّنوخيّ.

7_ ابن أبي أُصيبعة: (طبيب، وصاحب أهمّ كتاب تأريخيّ للطُّبّ والأطبّاء في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وعنوانه: “عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء”، وهو من أمّهات المَصادِر لدراسة تاريخ الطُّبّ عند العرب): هوَ موفّق الدّين أبو العبّاس أحمَد بن سديد الدّين القاسِم بن خليفة بن يونس الخزرجيّ الأنصاريّ الدِّمشقيّ.

8_ ابن البنّاء المراكشيّ: (من أعظَم علماء الرِّياضيّات والهندسة والجبر والفلَك والتَّنجيم عبرَ التّاريخ الإنسانيّ، وهوَ أهمّ مُطوِّر لعلم الجبر في الحضارة العربيّة الإسلاميّة بعدَ “الخوارزميّ” المُؤسِّس إلى جانب العالِم الآخَر “أبي كامل شُجاع“، حيثُ تفوَّقَ على سابقيه في الرِّياضيّات، ولا سيما في مسألة حساب الكُسور المُسَلسلة والجُذور الصُّمّ ومُربَّعات الأعداد ومُكعَّباتِها، وقد عدَّلَ في قاعدة الخطأ الواحد، وحلَّ الكثير من المُعادَلات الجبريّة الصَّعبة، وطوَّرَ طريقة حساب الخطأيْن في مُعادَلات الدَّرجة الأُولى، وقد ظلَّ مرجعَ الأوروبّيينَ الأوَّل في الحساب والجبر حتّى نهاية القرن السّادس عشر للميلاد عبرَ كتابُهُ “تلخيص أعمال الحساب”، وأُطلِقَ اسمُهُ مُؤخَّراً على فُوَّهة بُركانيّة على سطح القمَر): هوَ أبو أحمَد بن محمّد بن عثمان الأزديّ المعروف بأبي العبّاس بن البنّاء المُراكشيّ.

9_ ابن الشّاطر: (عالم رياضيات، وأحد كبار عُلماء الفلَك عبرَ التّاريخ الإنسانيّ، حيثُ يُعَدُّ مُبتكِرَ “الإسطرلاب” بشكلِهِ الحديث _وهوَ آلة فلَكيّة قديمة ومَعروفة_، واخترَعَ العديد من آلات الرَّصد، وصحَّحَ نظريّة “بطليموس” القائِلة إنَّ الأرض مركز الكون، وإنَّ الشَّمس هيَ التي تدور حولَها، وقد أثبَتَ العالِمان “ديفيد كينج” و”نويل سويردلو” وغيرهُما، أنَّ “كوبرنيكوس” قد نسَخَ جميع أفكارِهِ العلميّة الثَّوريّة في تاريخ الحضارة الغربيّة من مخطوطات ابن الشّاطر التي كانت موجودةً في جامعتِهِ “كراكو” في مسقط رأسِهِ في بولندا، وقد اطَّلَعَ عليها كوبرنيكوس مُبكِّراً. كانَ رئيسَ المُؤذنين في الجامع الأمويّ في دمشق، وما تزالُ ساعتُهُ الشَّمسيّة التي صنَعَها لضبط أوقات الصَّلاة مَحفورةً على إحدى مآذن الجامع الأمويّ حتّى الآن): هوَ أبو الحسن علاء الدّين بن علي بن ابراهيم بن محمّد بن المطعم الأنصاريّ المعروف بابن الشّاطر الدِّمشقيّ.

10_ محمّد الفزاريّ: (من روّاد علمي الفلَك والرّياضيّات في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وصانِع أوَّل إسطرلاب في تاريخ الإسلام، وتنسبُ إليه بعض المَصادِر وبعض الباحثين اختراع الأرقام العربيّة المُعتمَدة حاليّاً في الغرب والعالَم): هوَ عبد الله محمّد بن ابراهيم بن حبيب الفزاريّ، من بني فزارة من ذبيان من غطفان من عدنان.

11_ المُعزّ لدين الله الفاطميّ: (هو رابع الخلفاء الفاطميين في أفريقيا (تونس حالياً)، وأوَّل الخلفاء الفاطميّين في مصر، والإمام الرابع عشر من أئمة الإسماعيليّة. كانَ شغوفاً بالمَعرفة، وقد وصفه “المقريزي” في تاريخه بأنّه عالم جليل ومفتون بعلم الفلك. وهو مُخترِع “قلَم الحبر النّاشِف” كما نعرفُهُ الآن؛ أي القلم بلا دواة، وقد ورد خبر ذلك القلم ضمن المُؤلَّف الجامِع “المَجالِس والمُسايَرات” لِـ “القاضي النُّعمان” حيث ورد فيه الآتي: “قال المعزّ لدين الله: نريد أن نعمل قلماً يُكتب به بلا استمداد من دواة يكون مداده من داخله، فمتى شاء الإنسان كتب به فأمدّه وكتب بذلك ما شاء ومتى شاء تركه فارتفع المداد وكان القلم ناشفاً منه. يجعله الكاتب في كُمّه أو حيث شاء فلا يؤثّر ولا يرشح شيء من المداد عنه ولا يكون ذلك إلا عند ما يبتغي منه ويُراد الكتابة به فيكون آلة عجيبة لم نعلم أنّا سُبقنا إليها ودليلاً على حكمة بالغة لمن تأمّلها وعرف وجه المعنى فيها…”، ويُضيــف القاضي النّعمان: “فما مرَّ بعد ذلك إلاّ أيام قلائل حتى جاء الصّانع الذي وصف له المعزّ الصّنعة به، معمولاً من ذهب فأودعه المداد وكتب به فكتب وزاد شيئاً من المداد على قدر الحاجة، فأمر بإصلاح شيء منه فأصلحه وجاء به فإذا هو قلم يُقلّب في اليد ويميل إلى كلّ ناحية فلا يبدو شيء من المداد فإذا أخذه الكاتب وكتب، كتب أحسن كتاب ما شاء أن يكتب به، ثمّ إذا رفعه عن الكتاب أمسك المداد”): هوَ المُعزّ أبو تميم معدّ بن المنصور بن القائِم بن محمَّد المهدي بن رضيِّ الدّين عبد الله بن محمَّد المُتَّقيّ بن أحمد الوفي بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق.

12_ أبو الأسوَد الدُّؤليّ: (واضِع علم النَّحو، وهوَ من شكَّلَ أحرُفَ المصحَف، وأحد أعلام شعر الزّهد الأوائِل في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ): هوَ أبو الأسوَد ظالِم بن عمرو بن سفيان الدُّؤليّ الكنانيّ المُضريّ العدنانيّ.

13_ الفراهيديّ: (واضِع علم العَروض وأبو المَعاجِم العربيّة وأستاذ سيبويه النَّحويّ): هوَ الخليل بن أحمَد بن عمرو بن تميم الفراهيديّ الأزديّ اليحمُديّ.

14_ ابن المعتزّ: (الخليفة العبّاسيّ والشّاعر والنّاقد، وأحَد أهمّ صانعِي “علم البديع” في اللُّغة والأدَب العربيّ في كتابِهِ الشَّهير “كتاب البديع”): هوَ أبو العبّاس عبد الله بن الخليفة العبّاسيّ محمد المُعتزّ بالله بن المُتوكِّل بن المُعتصِم بن هارون الرَّشيد.

15_ ابن طباطبا: (الشّاعر والأديب والنّاقد المُجدِّد الكبير في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، والذي ما تزالُ آراؤهُ النَّقديّة المُغايِرة تحظى بالاهتمام حتّى هذهِ اللَّحظة، ولا سيما في كتابِهِ الشَّهير “عيار الشِّعر”): هوَ محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم طباطبا بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ويُكنَّى بأبي الحسن ابن طباطبا العلَويّ.

16_ المُبرِّد: (من كبار عُلماء النَّحو والبلاغة والنَّقد في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ): هوَ أبو العبّاس محمّد بن يزيد بن عبد الله الأكبَر المعروف بالمُبرِّد البصريّ الذي ينتهي نسبُهُ بثمالة وهوَ عوف بن أسلَم الأزديّ.

17_ الكنديّ: (أوّل الفلاسِفة في تاريخ الإسلام، والمُلقَّب بـِ “أبو الفلسفة العربيّة”، وأوَّل من وصَفَ مَبادِئَ ما يُعرَفُ الآن بـِ (النَّظريّة النِّسبيّة)، وأحَد الفلَكيِّين الأهمّ في العُصور الوسطى، فضلاً عن أنَّهُ أوَّل واضِع للقواعد الموسيقيّة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقد اقترَحَ إضافة وتر خامس إلى العود، ووضَعَ سُلَّماً موسيقيّاً من اثنتي عشر نغمة، وكان أيضاً من أوائِل المُشتغلين في التاريخ البشريّ على العلاج بالموسيقى. عدَّهُ الرياضيّاتيّ الإيطاليّ الشَّهير “كاردانو” من الإثني عشر عبقريّاً الذينَ ظهَروا في العالم): هوَ أبو يوسُف يعقوب بن إسحق بن الصَّبّاح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ.

18_ الإدريسيّ: (أشهَر الجغرافيِّين المُسلمين، وأحَد كبار مُؤسِّسي علم الجغرافيا ومُطوِّري علم الخرائط في التّاريخ البشريّ): هوَ أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسيّ الهاشميّ القرشيّ.

19_ المسعوديّ: (أحد كبار المُؤرِّخين والجغرافيِّين الموسوعيّين في تاريخ الإسلام، ورائد نظَريّة الانحراف الوراثيّ في التّاريخ، والمُلقَّب عند الغربيِّين بـِ “هيرودوتس العرب”): هوَ أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعوديّ، حيثُ ينتهي نسبُهُ إلى الصَّحابيّ عبدالله بن مسعود.

20_ ابن جُبير: (كاتب وشاعر وجُغرافيّ، وأشهَر الرَّحّالة العرب المُسلمين إلى جانب “ابن بطّوطة” و”ابن فضلان“): هوَ أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير من بني ضمرة من قبيلة كنانة المُضريّة العدنانيّة.

21_ ابن عربيّ: (أحَد أعظَم المُتصوِّفة في التّاريخ البشريّ، والمُتصوِّف الإسلاميّ الأكبَر المُلقَّب بـِ “الشيخ الأكبَر”): هوَ محي الدين محمّد بن علي بن محمّد بن عربيّ الحاتميّ الطائيّ الأندلسيّ.

22_ ابن الفارض: (من أشهر أعلام التَّصوُّف الإسلاميّ، ولقبُهُ “سُلطان العاشقين”): هوَ أبو حفص شرف الدّين عمر بن علي بن مُرشد الحمويّ، والدُهُ من حماه، وهاجَرَ إلى مصر، فوُلِدَ ابن الفارض فيها، وهو أرجَعَ نسبَهُ إلى “عرب بني سعد” كما أورَدَ في مُقدِّمة ديوانِهِ التي كتبَها بنفسِهِ.

23_ المعرّيّ: (شاعر الفلاسِفة وفيلسوف الشُّعراء، عُرِفَ بديوانيْه “سقط الزّند” و”لزوم ما لا يلزم”، وكانَ كتابُهُ الأشهَر “رسالة الغفران” من أهمّ الآثار في التُّراث العربيّ، ولهذا الكتاب تحديداً _إلى جانب الأفكار الفلسفيّة الكثيرة والمُكثَّفة في أشعارِهِ_ تأثيرٌ بالغٌ في الفكر الفلسفيّ والتَّخييل عند الغرب): هوَ أحمد بن عبد الله بن سليمان القُضاعيّ التَّنوخيّ المعرّيّ نسبةً إلى بلدة معرّة النُّعمان في سورية.

24_ ابن تيميّة: (فقيه ومُحدِّث ومُفسِّر، وقد يستغرب الكثيرون وضع ابن تيميّة في هذِهِ القائِمة، وهو المُتَّهَم بتكفير المذاهب الأُخرى والمُتصوفة، وبأنَّهُ أبو السَّلفيّات الجهاديّة التَّكفيريّة في عصرِنا الحالي، وبعيداً عن هذا الاتّهام الوجيه نوعاً ما، والذي ينبغي أنْ يُقرَأ في سياقِهِ التّاريخيّ (السِّياسيّ/ الدِّينيّ)، وبارتباطه مع كامل التَّوجُّه الفكريّ لابن تيميّة، ولا سيما في موضوعة تقديم النَّقل على العقل، على الرَّغم من تأليفه كتاباً بعنوان “درء تعارُض العقل والنَّقل”، لكنَّ الأمر الأهمّ الذي يمنَح ابن تيميّة مكانتَهُ الاستثنائيّة هو تأسيسُهُ “المذهب التَّجريبيّ”، حيثُ يرى عدد من المُستشرقين كالمُستشرقة “أنكه فون كوجلجن” أنَّ نقد ابن تيميّة لِـ “المنطق الأرسطيّ” في كتابه “نقض المنطق”، ومنهجُهُ في كُتُبِهِ الأُخرى، هو أساس “المذهب الاسميّ” أحد أهمّ تيّارات الفلسفة في العصور الوسطى في أوربّا، وهو أساس “المذهب التَّجريبيّ” الذي قامَتْ عليه الحضارة الغربيّة إلى حدٍّ كبير كما تقول هذِهِ المُستشرِقة، فهو استبدلَ في نقدِهِ ومنهجِهِ العلميّ والفكريّ بالمنطق الصُّوريّ أو القياسيّ الجامد المنطقَ التَّجريبيَّ الحيَّ، ومن المُوثَّق تاريخيّاً أنَّ “روجر بيكون” الذي يَنسب إليه الغربيّون “المنهج التَّجريبيّ” قد درَسَ اللُّغة العربيّة والعلوم العربيّة _ ومن ضمنِها كُتُب ابن تيميّة بطبيعة الحال _ في جامعة أوكسفورد، وتأثَّر حرفيّاً لا مَجازيّاً بأفكار ابن تيميّة، ولذلكَ من الظُّلم أنْ يُنسَبَ “المَنهج التَّجريبيّ” له، ولتلميذِهِ “فرانسيس بيكون”): هوَ تقيّ الدّين أبو العبّاس أحمَد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام الحرّاني النُّميريّ نسبةً إلى قبيلة بني النّمير العربيّة.

25_ بديع الزَّمان الهمذانيّ: (مُخترِع “فنّ المقامات” في الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة في كتابِهِ الشَّهير “المقامات”): هوَ أبو الفضل أحمَد بن الحسين بن يحيى بن سعيد المعروف ببديع الزَّمان الهمذانيّ من أُسرة عربيّة سكنَتْ في همدان، وقالَ في إحدى رسائلِهِ إلى “أبي الفضل الأسفرائيني“: “إنِّي عبدُ الشَّيخ، واسمي أحمَد، وهمدان المولد، وتغلب المورد، ومُضَر المحتد”، وقد شاعَ بينَ النّاس خطأُ أنَّهُ فارسيّ كونه مولود في همذان، ومَنسوب إليها.

26_الحريريّ: (مُطوِّر فنّ المقامات الأكبَر، وصاحب أحَد أشهَر الكُتُب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة “مقامات الحريريّ”): هوَ أبو محمّد محمّد بن القاسم بن علي بن محمّد بن عثمان البصْريّ الحريريّ الحراميّ “نسبةً إلى قبيلة بني حرام”).

27_ الأصفهانيّ: (أعظَم الكُتّاب الرُّواة والمُصنِّفين الأخباريِّين الموسوعيِّين في تاريخ الإسلام، وصاحب كتاب “الأغاني” الذي يُعدّ من أهمّ الآثار العربيّة الإسلاميّة وأشهرِها، وقد وصَفَ “ابن خلدون” هذا الكتاب بِـ “ديوان العَرَب”): هوَ علي بن الحسين بن محمّد بن أحمَد بن الهيثم بن عبد الرّحمن بن مروان بن عبد الله بن الخليفة الأمويّ الأخير مروان بن محمّد بن الخليفة الأموي مروان بن الحكم بن أبي العاص من بني أميّة القرشيِّين، وقد شاعَ بينَ النّاس خطأُ أنَّهُ فارسيّ كونه مولود في أصفهان، ومَنسوب إليها.

28_ الجاحظ: (رائد النَّثر العربيّ، وأحَد أبرز أعلام المُعتزلة، وواحد من أهمّ المُدافعين عن العروبة ضدَّ التَّيّارات الشُّعوبيّة، وكانَ أيضاً من أوائل دارسي علم الحيوان والحشرات وسلوكهم في التّاريخ البشريّ في كتابه “الحيوان”، وهو كتابٌ فيه إرهاصات مُبكِّرة وكبيرة لنظريات علمية كالتَّطوُّر والتَّأقلُم، وعلم النَّفس الحيوانيّ): هوَ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة اللَّيثيّ الكنانيّ البصريّ، وهوَ يذكُر بنفسِهِ في مُؤلَّفاتِهِ نسبَهُ الكنانيّ.

29_ التَّوحيديّ: (زعيم النَّثر العربيّ، ولقبُهُ “أديب الفلاسِفة وفيلسوف الأدباء”): هوَ علي بن محمّد بن العبّاس التَّوحيديّ البغداديّ، ويُؤكِّد “ياقوت الحمويّ الرُّوميّ” نسبَهُ العربيّ في “معجم الأدباء”.

30_ القاضي النُّعمان: (الفقيه الإسماعيليّ الأوَّل، ومُؤسِّس الفقه الإسماعيليّ في كتابِهِ “دعائِم الإسلام”، اشتُهِرَ بأبي حنيفة كي يُضاهي بهِ الفاطميّون “أبا حنيفة النُّعمان” فقيه الدَّولة العبّاسيّة. كانَ كبيرَ قُضاة الخليفة المُعزّ لدين الله الفاطميّ، وأسَّسَ النِّظام القضائيّ للدَّولة الفاطميّة بدءاً من عاصمتِها الأُولى “المهديّة” في تونس، وانتقالاً إلى “القاهرة”. لكنَّ سببَ ذكري لهُ هُنا يعود إلى أمر آخَر لا صلةَ لهُ بالفقه والقضاء، وإلاّ كنتُ ذكرتُهُ في قسم آتٍ فيما بعد من هذِهِ المُقارَبة، فالقاضي النُّعمان يُشكِّلُ مع الجاحظ وأبي حيّان التَّوحيديّ ثالوث النَّثر العربيّ القديم في كتابِهِ الشَّهير “المَجالِس والمُسايَرات”، حيثُ دوَّنَ فيه كُلّ ما سَمِعَ عن المُعزّ من أخبار أو مُذاكرات أو مُناظَرات أو مَجالِس أو مَقامات أو مُسايَرات، وذلكَ بأسلوب نثري جَماليّ يرتقي إلى مُستوى الجاحظ والتَّوحيديّ): هوَ أبو حنيفة بن محمّد بن منصور بن أحمَد بن حيّون العربيّ التَّميميّ.

31_ ابن طفيل: (وزير ورجُل دولة وعالم موسوعيّ في الفلسفة والأدَب والرّياضيّات والفلَك والطُّبّ، وصاحب الأثَر القصصيّ/الفلسفيّ الخالد “حيّ بن يقظان”): هوَ أبو بكر محمّد بن عبد الملك بن محمّد بن طفيل القيسيّ الأندلسيّ من بني قيس عيلان بن مُضَر.

32_ لسان الدّين بن الخطيب: (العالم الموسوعيّ الشَّهير: الشاعر والكاتب والفقيه والمُؤرِّخ والفيلسوف والطَّبيب والسِّياسيّ): هوَ لسان الدين بن الخطيب السَّلمانيّ نسبةً إلى سلمان وهوَ حيٌّ من مُراد من عَرَب اليمن القحطانيّة.

33_ ابن هشام: (من أبرز أئمّة النَّحو العربيّ في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ إلى جانب “سيبويه“، وصاحب الكتاب الشَّهير “مُغني اللَّبيب عن كُتُب الأعاريب”، قالَ عنهُ “ابن خلدون“: “مازلنا ونحنُ بالمغرب نسمَعُ أنَّهُ ظَهَرَ بمصر عالِم بالعربيّة يُقالُ لهُ ابن هشام أنحَى من سيبويه،…، وهوَ على علمٍ يشهَدُ بعلوِّ قدرِهِ في صناعة النَّحو، فأتى من ذلكَ بأمرٍ عجيبٍ دالّ على قوَّة ملكتِهِ واطّلاعِهِ”): هوَ: أبو محمّد عبدالله جَمال الدّين بن يوسف بن أحمَد بن عبدالله بن هشام الأنصاريّ المصريّ.

34_ ابن منظور: (أديب ومُؤرِّخ وعالِم في الفقه الإسلاميّ واللُّغة العربيّة، وصاحب أعظَم وأشهَر معجم عربيّ “لسان العرب”): هوَ محمّد بن مكرم بن علي أبو الفضل جَمال الدين ابن منظور الأنصاريّ الرُّويفعيّ الأفريقيّ، وينتهي نسبُهُ إلى رُويْفِع بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ من بني مالك بن النَّجّار.

35_ حنين بن إسحق: (عالِم موسوعيّ في اللُّغات والطُّبّ وعلوم النَّبات والفلَك والرّياضيّات والمنطق، ومن كبار المُترجمين في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وهو إلى جانب “ثابت بن قرّة” أهمّ مُترجمِي بيت الحكمة في بغداد في عصرِها الذّهبيّ، ويُعَدُّ ابن إسحق صاحبَ نظَريّة ومدرسةٍ مُتكامِلة في التَّرجمة، حيثُ يرفضُ التَّرجمة الحرفيّة كلمةً بكلمة؛ إنَّما يعتقد بضرورة إعادة صياغةَ الموضوع والجُمَل كُلِّيّاً لبلوغ المَعنى الدَّقيق. وهوَ من أهمّ من أغنى اللُّغة العلميّة العربيّة بعمَلِهِ على نحت مُصطلَحات عربيّة مُقابِلة للمُصطلَحات اليونانيّة بدَلاً من استخدامِها كما هيَ): هوَ أبو زيد بن إسحق العِبّاديّ المعروف بحُنين بن إسحق العِبّاديّ مسيحيّ نسطوريّ أصلُهُ من الحيرة، حيثُ تبِعَتْ قبيلَتُهُ “العِبّاديّ” كنيسةَ المشرق العربيّ، والعِبّاد قبائل من بطون العرب اجتمعوا على المسيحيّة في الحيرة التي هاجروا إليها مع قبائلَ عربيّة أخرى بعدَ خراب سدّ مأرب في اليمن في القرن الثّالث الميلاديّ مثل قبائل بني شيبان وإياد وأسد.

36_ ابن كثير: (فقيه ومُفتٍ ومُحدِّث وحافِظ ومُفسِّر، وأحَد أهمّ المُؤرِّخين في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، فهوَ صاحِب الموسوعة التّاريخيّة الكُبرى “البداية والنِّهاية”): هوَ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عُمَر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع القرشيّ المعروف بابن كثير الدِّمشقيّ.

37_ الخطيب البغداديّ: ( أحَد أهمّ المُؤرِّخين العَرَب، ولهُ ستة وخمسون مُصنَّفاً، وهوَ أوَّل من كَتَبَ في تاريخ المُدُن، في كتابِهِ الشَّهير “تاريخ بغداد”، وحذا حذوَهُ “ابن عساكر” في موسوعتِهِ الكُبرى “تاريخ دمشق” الذي أصبَحَ مثالاً يُتَّبَع في الكتابة عن تاريخ المُدُن): هوَ أبو بكر أحمَد بن عبد المجيد بن علي بن ثابت المَعروف بالخطيب البغداديّ، وأصلُهُ وولادتُهُ في قرية “غزية” في الحجاز.

38_ الأصمعيّ: (راوية العَرَب الأكبَر، وأحَد أئمّة العلم باللُّغة والشِّعر والبُلدان، وكانَ “هارون الرَّشيد” يُلقِّبُهُ بـِ “شيطان الشِّعر”): هوَ أبو سعيد البصْريّ عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمَع، وينتهي نسبُهُ إلى قيس عيلان بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان.

39_ أبو تمّام: (رائد التَّجديد الشِّعريّ في العصر العبّاسيّ، وأحَد أهمّ الشُّعراء في تاريخ العرب): هوَ حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطّائيّ.

40_ البحتريّ: (أحَد أهَمّ شُعراء العصر العبّاسيّ والتّاريخ الشِّعريّ العربيّ، وأستاذ أبي تمّام الطّائيّ): هوَ أبو عُبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التَّنوخيّ الطّائيّ.

41_ المتنبي: (شاعر العَرَب الأشهر): هوَ أحمَد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصَّمَد الجعفيّ أبو الطَّيِّب الكنديّ الكوفيّ.

42_ أبو فراس الحمداني: (أحَد أبرز شُعراء العصر العبّاسيّ): هوَ أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمدانيّ التَّغلبيّ الرَّبَعيّ.

43_ دعبِل الخزاعيّ: (أحد أبرز شُعراء العصر العبّاسيّ): محمّد بن علي بن رزين الخزاعيّ نسبةً إلى قبيلة خزاعة.

44_ حيْص بيْص: )شاعر مشهور، كان فقيهاً شافعيَّ المذهب، تفقَّه بالرّي على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف، إلا أنه غلب عليه الأدب ونظم الشعر، وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة. كان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم، وكان لا يخاطب أحداً إلا بالكلام العربي، ولا يلبس إلاّ زيَّ العرب ويتقلد سيفاً. سُمِّيَ بِـ “حيْص بيْص” لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: “ما للناس في حيْص بيْص؟”، فبقي عليه هذا اللَّقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، تقول العرب: وقع الناس في حيْص بيْص، أي في شدة واختلاط. كان إذا سُئل عن عمره يقول: “أنا أعيش في الدنيا مُجازَفة”، لأنه كان لا يحفظ مولده، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التَّميميّ حكيم العرب. من أبياته الشهيرة، ولا سيما الشَّطر الأخير من البيت الثّالث: “مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً/ فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ _ وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما/ غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح _ فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا/ وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ”): هوَ أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التَّميمي المُلقَّب شهاب الدين المعروف بحيْص بيْص.

45_ العبّاس بن الأحنف: (من كبار شُعراء العصر العبّاسيّ، اتَّخذَ من الغزل مذهباً شِعريّاً واحداً في مَسيرتِهِ، فوصفَهُ “البحتريّ” بأنَّهُ “أغزَلُ النّاس”، وقالَ عنهُ “الجاحظ“: “لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاماً وخاطراً، ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح لا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعراً لزم فنّاً واحداَ فأحسن فيه وأكثر”. من شعرِهِ الغنائيّ المَشهور قولُهُ: “ولا خيرَ فيمَنْ لا يُحبُّ ويعشَقُ/ وما النّاسُ إلاّ العاشقونَ ذوو الهوى”. ولعلَّ أكثَرَ ما ميَّزَهُ أنَّهُ خالَفَ جميعَ الشُّعراء، فرفَضَ أنْ يتكسَّبَ بالشِّعر): هوَ أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسوَد الحنفيّ اليماميّ النَّجديّ.

   

46_ ابن نباتة السَّعديّ: (شاعر من العصر العبّاسيّ، وُلِدَ ببغداد، وكانَ من شُعراء بلاط سيف الدَّولة الحمدانيّ، مدَحَ أعلامٌ كثيرون شِعرَهُ، فقالَ عنه “التَّوحيديّ“: “شاعر الوقت حسن الحذو على مثال سكان البادية”، وقالَ عنه “ابن خلكان“: ” معظم شعره جيد”، وقالَ عنه “الثَّعالبيّ“: “من فحول الشِّعر، وآحادهم وصدور مُجيديهم، وأفراد الذين أخذوا برقاب القوافي، وملكوا رق المعاني، وشعره من قرب لفظه بعيد المرام، مستمر النظام، يشتمل على غرر من حر الكلام، كقطع الروض غبً القطر، وفقر كالغنى بعد الفقر، وبدائع أحسن من مطالع الأنوار وعهد الشباب، وأرق من نسيم الأسحار، وشكوى الأحباب”. وهو صاحب البيت المشهور: “ومَنْ لم يمُتْ بالسَّيفِ ماتَ بغيرِهِ/ تعدَّدَتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ”): هوَ أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج بن مطر السعديّ التَّميميّ (من بني سعد من قبيلة بني تميم(.

47_ علي بن الجهم: (من كبار شعراء العصر العبّاسيّ، نشأ في أسرة جمعت بين العلم والأدب والوجاهة والثَّراء، فقد كان أخوة الأكبر “محمد بن الجهم “مولعاً بالكتب وقراءتها، يروي عنه “الجاحظ” أنه كان مَعدوداً من كبار المُتكلِّمين حيثُ جمع بين ثقافتى العرب واليونان، وكان يجادل الزنادقة في مَجالِس المأمون، وقيل إنَّهُ قد وهَبَ نفسَهُ للشِّعر أكثر من الآداب والعلوم الأُخرى في بيئة كانت تعصفُ بها الخلافات المَذهبيّة والفكريّة، وكانَ تربطُهُ صلة صداقة عميقة مع الشّاعر “أبي تمّام الطّائيّ“. وقد عاصر أربعة خلفاء عباسيين، وقصَّتُهُ مشهورة مع الخليفة “المُتوكِّل“، فعندما قدم إلى بغداد لأول مرة آثر أن يبدأ عهده بمدح خليفتها المتوكل على عادة الشعراء فأنشده قصيدة مطلَعُها: “أنتَ كالكلبِ في حِفاظِكَ لِلودِّ/ وكالتَّيْسِ في قِراعِ الخُطوبِ”، فعرف المتوكل كما تقول القصة حرفيّاً، حسن مقصده وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به، لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به فكان _ أي ابن الجهم _ يرى حركة الناس ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد: “عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ والجسْرِ/ جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري _ أعدْنَ ليَ الشَّوقَ القديمَ ولم أكُنْ/ سلَوتُ ولكنْ زدنا جَمراً على جَمْرِ”): هوَ أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر، وينتهي نسبُهُ إلى قبيلة قريش.

   

48_ صالح بن جناح: (شاعر دمشقيّ، أحد الحُكماء من القرن الثّاني من الهجرة إبّان الدَّولة العبّاسيّة، وقد تتلمذ “الجاحظ” على يده، وحكى عنه الجاحظ قائلاً: “هو أبو عبد الله الحاكم ممَّن أدرك الأتباع بلا شك وكلامه مستفاد في الحكمة” ، له كتاب معروف هو كتاب “الأدب والمروءة”): هوَ صالح بن جناح اللَّخميّ.

49_ الأحيمر السَّعديّ: (شاعر من مخضرمي الدَّولتين الأمويّة والعبّاسيّة. كانَ لصّاً فاتكاً مارداً من أهل بادية الشام، تبرَّأ منه قومه وطردوه لكثرة جناياته، فأتى العراق وراح يقطع طريق القوافل، فطلبه أمير البصرة “سليمان بن علي ابن عبد الله بن عباس“، ففرَّ، فأهدر دمه. وهكذا كانَ لصّاً فاتكاً مارداً، هَرَبَ إلى الفلوات، وصاحَبَ الوحوش، وكانَ يقول: “كنتُ أتي الظبيَ حتى آخذ بذراعيه، وما كانَ شيء من بهائم الوحوش يُنكرني إلا النّعام”، ولأنه خليع طريد فقد ظلَّ مغموراً، وله قصيدة مَشهورة يقول في مُستهلِّها :”عَوَى الذّئبُ فاستأنسْتُ بالذّئبِ إذا عَوَى/ وصَوَّتَ إنسانٌ فكدْتُ أطيرُ”.. ألا يُذكِّرُنا هذا الشّاعر بضرورة دراسة ظاهرة الشُّعراء اللُّصوص والمُجرمين في التّاريخ العربيّ/ الإسلاميّ من جانبٍ أوَّل، ومن جانبٍ ثانٍ ألا يُذكِّرُنا الأحيمر بمُصطلح ومفهوم “الشّاعر الملعون” في العصر الحديث؟): هوَ الأحيمر بن حارث بن يزيد السعدي من تميم.

50_ العبّاسة: (هي أميرة من العصر العباسي، اشتهرت لشعرها وعزفها، ويتحدَّث “الأصفهاني” في “الأغاني” عن علاقتِها الوطيدة بفنّ الغناء ودورِها في تطويرِهِ، وكتابة الشِّعر الغنائيّ، حيثُ عُرِفَتْ بكتابة الأبيات القصيرة المُصمَّمة للغناء، وكانَتْ كأخيها غير الشقيق إبراهيم بن المهدي مَشهورين بالعزف والشِّعر، وقد قيلَ إنَّها فاقَتْ أخيها مَهارة، فلم تكن العبّاسة الأميرة الوحيدة المَشهورة بتأليف الشِّعر والأغاني فقط، بل كانت الأكثر موهبة في عصرٍ ازدهَرَ فيه فنّ العزف والغناء. فضلاً عن ذلك، اشتُهِرَتْ أيضاً بالأسلوب الشِّعريّ المُحدَث الذي يناقش الحبّ والصَّداقة والحنين إلى الوطن، وأيضاً لها مدائِح في شقيقها الخليفة “هارون الرشيد“، الذي ترعرعَتْ على يديْه، ولها أشعار تصف فيها احتفالات النَّبيذ، والهُجوم الشَّرس على الأعداء. حظيَتْ بمكانة كبيرة في مُجتمَعِها، وكانت إمرأة ثريّة ولديها الكثير من الجواري، فضلاً عن علاقتها الوطيدة بإخوتها الخلفاء، وقد تزوجت من أحد الأمراء العباسيّين، لكنَّها احتفظَتْ بقصائد الحبّ التي كتبتْها لإثنين من العبيد، وهذه إحدى الحكايات المَشهورة عنها: يُحكَى عن علاقتها بأحد خدم القصر يدعى “طل“، والذي كانت تبادله الرّسائل في صورة أبيات شعريّة، فكانت تراسله بالشِّعر، ولما غاب عنها ذات يوم، سارت إليه في مكان إقامته مُعرِّضة نفسها للخطر، وقالت في هذا  “قـــــد كــانَ ما كُلِّفْتُـــــهُ زمنــــاً/ يا طــلُّ مــن وجـدٍ بكـــم يكفـــي _ حتــــى أتيتـــــكَ زائـــــراً عَجـِــــلاً/ أمشـي علـى حتــفٍ إلـى حتفي”، وأرى أنَّهُ يصحُّ في اعتقادي بأنْ نُلقِّبَها بولاّدة المَشرق العربيّ): هيَ عُلية بنت المهدي بالله الخليفة العبّاسيّ الثّالث.

51_ الشَّريف الرَّضيّ: (شاعر وأديب وبلاغيّ، وجامع أحد أهمّ الآثار اللُّغويّة والأدبيّة والفكريّة في التُّراث العربيّ الإسلاميّ وأشهرِها، وهو كتاب “نهج البلاغة”): هوَ أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن ابراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصّادق المُنتهي نسبُهُ طبعاً إلى الإمام علي بن أبي طالب وابنة النَّبيّ محمّد فاطمة الزَّهراء.

52_ المكزون السِّنجاريّ: (شاعر ومُتصوِّف وفقيه، وأشهَر شخصيّات المذهب النُّصيريّ/ العلويّ): هوَ الأمير عزّ الدّين أبو محمّد الحسن بن يوسُف بن مكزون بن خضر بن عبد الله بن محمّد السِّنجاريّ الأزديّ، حيثُ ينتهي نسبُهُ إلى المُهلَّب بن أبي صُفرة الأزديّ.

53_ الطُّغرائيّ: (شاعر وأديب ومن كبار علماء الكيمياء، وصاحب إحدى أشهَر القصائد العربيّة المعروفة بـِ “لاميّة العجم”): هوَ أبو اسماعيل الحُسين بن علي بن محمّد بن عبد الصَّمَد المُلقَّب بمؤيّد الدّين الأصفهانيّ الطُّغرائيّ، وتُجمِعُ المصادر على انتهاء نسبِهِ إلى أبي الأسوَد الدُّؤليّ الكنانيّ المُضريّ العدنانيّ، وينسبُهُ النّاس إلى الفرس خطأً أوَّلاً بفعل ولادتِهِ في أصفهان، وثانياً بفعل شُهرة قصيدتِهِ المُعنونة بـِ “لاميّة العجم”، وثالثاً بفعل التباس دلالة كنيتِهِ “الطُّغرائيّ”؛ حيثُ كُنِّيَ بالطُّغرائيّ نسبةً إلى من يكتبُ الطُّغراء، وهيَ الطّرّة التي تُكتَبُ في أعلى المناشير فوقَ البسملة بالقلم الجليّ.

54_ ابن هانئ الأندلسيّ: (أشعَر شُعراء المغرب العربيّ والأندلس، وشاعر الدّولة الفاطميّة في مصر، وكانَ لقبُهُ: مُتنبِّي الغرب): هوَ أبو القاسم محمّد بن هانئ بن سعدون الأزديّ الأندلسيّ، حيثُ ينتهي نسبُهُ إلى المُهلَّب بن أبي صُفرة الأزديّ.

55_ أبو بكر الصَّنوبريّ: (رائد شعر الطَّبيعة عربيّاً وعالَمياً، فأكثر شِعرِهِ في وصف الرّياض والأزهار وعناصر الطَّبيعة، وهو أحد أهمّ المُؤثِّرين على تيّار شعر الطَّبيعة في الأندلس، حيثُ لم يسبقُهُ شاعرٌ إلى تخصيص مُعظَم شعرِهِ لهذا الموضوع، وكانَ مُشرِفاً على مكتبة سيف الدَّولة الحمدانيّ في حلب): هوَ أحمَد بن محمّد بن الحسن بن مرار الحلبيّ الأنطاكيّ الضُّبِّيّ نسبةً إلى قبيلة ضُبّة المُضَريّة النِّزاريّة العدنانيّة.

56_ ابن زيدون: (أشهَر شُعراء الأندلس، وزعيم تيّار شعر الطَّبيعة أندلسيّاً، ورائِدُهُ عربيّاً وعالَميّاً بعد الصًّنوبريّ، فضلاً عن الحُضور العميق لعناصر “المذهب الرّومنسيّ” في شِعرِهِ عبرَ مزجِهِ الغزل بالطَّبيعة في أشعارِهِ): هوَ أبو الوليد أحمَد بن عبدالله بن أحمَد بن غالب بن زيدون المَخزوميّ.

57_ ولّادة بنت المُستكفي: (من أشهَر الشَّخصيّات الثَّقافيّة النِّسائيّة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، عُرِفَت بالشِّعر والفصاحة، وكانَ لها مجلسٌ مَشهود في قرطبة يؤمُّهُ كبارُ الأعيان والشُّعراء، وتدور فيه السِّجالات الأدبيّة واللُّغويّة): هيَ الأميرة ولّادة بنت الخليفة محمّد المُستكفي بالله الذي ينتمي إلى الأُسرة الأمويّة، وينتهي نسبُهُ إلى عبد الرّحمن الدّاخل الأمويّ القرشيّ.

58_ المُعتمَد بن عبّاد: (الشّاعر والأديب الشَّهير، وآخِر ملوك بني عبّاد في إشبيليّة): هوَ محمّد بن عبّاد بن محمّد بن اسماعيل بن قريش بن عبّاد بن نعيم اللَّخميّ أبو القاسم المُلقَّب بالمُعتمَد على الله، وينتهي نسبُهُ إلى “النُّعمان بن المُنذر” ملك الحيرة قبلَ الإسلام.

59_ أسامة بن مُنقذ: (شاعر وأديب ومُصنِّف، فضلاً عن كونِهِ فارساً لعِبَ أدواراً سياسيّة وعسكريّة كبيرة في مرحلة حرِجة من تاريخ العرب والمسلمين، حيث ساهَمَ بقوّة في مُحارَبة الصَّليبيّين، فحازَ مكانة كبيرة عند “نور الدين الزنكيّ“، وأقامَ فترةً في بلاط الفاطميّين في مصر، وكانَ أحد أهمّ قادة “صلاح الدّين الأيّوبيّ“، وبنى قلعة عجلون على جبل عوف بأمرٍ منه. وقد صنَّفَ ثلاثة عشر كتاباً في الأدب والتّاريخ، ويُعدُّ كتابُهُ الشَّهير “الاعتبار” أوَّل كتاب في السّيرة الذاتيّة والمُذكَّرات الشَّخصيّة في تاريخ التُّراث العربيّ الإسلاميّ، وأحَد أهمّ مَصادِر التَّأريخ لتلكَ الحقبة): هوَ مُؤيَّد الدَّولة أبو مُظفَّر أسامة بن مُنقذ بن مُرشِد بن علي بن مُقلّد بن نصر بن مُنقذ الكنانيّ الكلبيّ الشّيزريّ، نسبةً إلى بلدتِهِ شيزر التي ولِدَ فيها شمال حماه، حيثُ كانَ بنو مُنقذ أمراءً عليها.

60_ ابن حجر العسقلاني: (شاعر وكاتب ومن أهمّ أئمّة علم الحديث في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ): هوَ شهاب الدّين أبو الفضل أحمَد بن علي بن محمّد بن محمّد بن علي بن محمود بن أحمَد بن أحمَد بن الكنانيّ الخزاميّ المُضريّ العسقلانيّ.

61_ ابن الجوزي: (من أغزر العلماء المسلمين كتابةً وتصنيفاً على الإطلاق؛ إذ لهُ نحو ثلاثمائة كتاب في التَّفسير والحديث والفقه واللُّغة والتّاريخ والطُّبّ): هوَ أبو الفرَج عبد الرّحمن بن أبي الحسن علي بن محمّد القرشيّ التيميّ البكريّ، حيثُ يعودُ نسبُهُ إلى محمّد بن أبي بكر الصِّدّيق.

62_ عبد القادر الجيلاني (أو الكيلاني؛ وهيَ الأُسرة العربيّة العراقيّة الشَّهيرة): (فقيه حنبليّ وإمام صوفيّ، وإليهِ تُنسَبُ الطَّريقة القادريّة الصّوفيّة، لذلكَ لُقِّبَ بـِ “سلطان الأولياء”): هوَ أبو محمّد عبد القادر بن موسى بن عبدالله بن يحيى بن محمّد بن داود بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

63_ خالد بن الوليد: (أحَد أكبَر العبقريّات العسكريّة في التّاريخ البشريّ، حيثُ لم يُهزَم في أكثر من مائة معركة مُعظَمُها ضدّ قوّات تتفوَّق عليه عدَديّاً، ويُنسَبُ إليه عددٌ كبيرٌ من التَّكتيكات والخطط العسكريّة التي ما تزالُ تُدرَّسُ في الأكاديميّات العسكريّة الكُبرى في العالَم، ويُسمَّى بعضُها باسمِهِ، وكانَ واحداً من أهمّ من استخدَمَ التَّكتيكات النَّفسيّة في الحروب عبرَ التّاريخ): هوَ خالد بن الوليد بن المُغيرة المخزوميّ القرشيّ الكنانيّ.

ب_ قائِمة الأعلام من ذوي الأسماء العربيّة غير مُوثَّقي النَّسَب:

في هذا الإطار البَحثيّ، وجَدْتُ من جهتي عدداً كبيراً من الأعلام من أصحاب الأسماء العربيّة المُتسلسِلة في نسَبِها إلى عدد من الآباء حاملي الأسماء العربيّة أيضاً، وكذلكَ وجدْتُ عدَداً من  الأعلام المَنسوبين إلى مدن أو أمكنة بعينها، لكنْ _ وفي الحالتيْن _ من دون أيَّة إشارة تُؤكِّد نسَبَهُم العربيّ تأكيداً حاسِماً، وفي الوقت نفسِهِ أيضاً من دون أنْ ينسبَهُم أي مصدر تاريخيّ إلى عرق غير العرق العربيّ، ممّا يُرجِّح نسبَهُم العربيّ بناءً على المُعطيات المُنتهية إلينا اسماً وانتماءً مكانيّاً، وانتفاءً أو تهافتاً علميّاً توثيقيّاً لمصادر التَّشكيك المُضادّ، وأذكُرُ منهُم على سبيل المثال لا الحصر:

1_ ابن الهيثم: (المُؤسِّس الأوَّل لعِلم البصَريّات في التّاريخ، ويُلقِّبُهُ الغربيّون بـِ “أبو الكاميرا”، ومُؤسِّس علمَي النَّفس التَّجريبيّ والفيزيقيّ، وأحَد أهمّ روّاد المَنهج العلميّ في العالَم): هوَ الحسن بن الهيثم البَصْريّ نسبةً إلى البصْرة في العراق.

2_ الجزريّ: (يُعدُّ واحداً من أعظَم المُهندسين الميكانيكيّين والمُخترعين في التّاريخ البشريّ، ويُمثِّل خلاصة تطوُّر علم الميكانيك عندَ العرب المسلمين، مُستفيداً من إنجازات سابقيهِ، ومطوِّراً هذا العلم، فقد صمَّمَ آلات ميكانيكيّة وهيدروليكيّة كثيرة ” ذاتيّة الحركة” لأوَّل مرّة في التّاريخ، مثل آلات رفع الماء وساعات مائيّة ذات نظام تنبيه ذاتيّ وصمّامات تحويل وأنظمة تحكُّم ذاتيّ وآلة تصريف المياه في الحمّامات المعروفة الآن بـِ “السّيفون” وآلات موسيقيّة مُتعدِّدة، وقد صمَّمَ مضخّة كابِسة ذات أسطوانتيْن مُتقابلتيْن، وتُقابِلُ حاليّاً المضخّات الماصّة والكابسة، كما ابتكَرَ أوَّل “روبوت” إنسانيّ مُبرمَج في العالَم، وقدَّمَهُ للسُّلطان الأرتوقيّ الذي كانَ يحكُم منطقة ديار بكر. لقَّبَهُ الغربيّون بـِ “أبو الهندسة”، وبـِ “أبو المُحرِّك”، حيثُ انتقلَتْ مُؤلَّفاتُهُ إلى الغرب، ولا سيما كتابُهُ العظيم، والأطروحة الأهمّ في الهندسة الميكانيكيّة في التُّراث العربيّ الإسلاميّ “الجامِع بينَ العلم والعمَل الدّافِع في صناعة الحِيَل”، ففي هذا الكتاب قدَّمَ تصاميم للآلات التي ابتكرَها مُزوَّدة برسومات توضيحيّة، وصنَّفَ الآلات في ستّ فئات حسب الاستخدام وطريقة الصُّنع، وكانتْ هذِهِ التَّصنيفات أساساً للتَّصنيفات الأوروبيّة في عصر النَّهضة، فضلاً عن ظُهور فكرة “الدُّروس القطعيّة” عندَهُ أوَّل مرّة في العلم عبرَ التّاريخ، وقبلَ الغرب بقرون، وكانَ هذا الكتاب نتاج جهد امتدَّ حوالي خمس وعشرين سنة): هوَ بديع الزَّمان أبو العزّ بن اسماعيل بن الرزاز الجزريّ المُلقَّب بالجزريّ نسبةً إلى “جزيرة ابن عُمَر” التي وُلِدَ فيها في الأقاليم السّوريّة الشَّماليّة على نهر دجلة.

3_ أبو كامل شجاع: (مُهندس، ومن أبرَع علماء الحساب والجبر، مُبتكِر حلّ المُعادَلات حتّى الدَّرجة الثّامنة، وقد أكمَلَ أعمال الخوارزميّ في الجبر، وأوجدَ الجذريْن الحقيقيين للمُعادَلات من الدَّرجة الثّانية، وأدخلَ الضَّرب والقِسمة للكمّيّات الجبريّة، ولهُ دراسات جبريّة عن الأشكال الخُماسيّة، وذات الأضلاع العشرة، وأسَّسَ على دراساتِهِ ونتائجِهِ العالِمُ الرِّياضيّاتيّ الشَّهير “ليوناردو فيبوناشي” جميعَ كتُبِهِ وأعمالِهِ الرِّياضيّاتيّة): هوَ أبو كامل شجاع بن أسلم بن محمّد بن شجاع المصريّ المعروف بأبي كامل الحاسِب.

4_ أبو إسحق البطروجيّ: (فلكيّ وفيلسوف وقاضٍ، طوَّرَ نظَريّةً عن حركة الكواكب، وأبتكَرَ نظَريّة فلكيّة في كتابِهِ “كتاب الهيئة”، ولهُ الفضل الأكبَر في زعزعة تعاليم بطليموس؛ إذ كانَ أوَّلَ فلكيّ يطرَحُ نظاماً فلكيّاً غير بطليميّاً بوصفِهِ بديلاً عن نماذج “بطليموس“، وثمَّةَ مفهوم أصليّ آخَر لنظامِهِ يكمنُ في تقديمِهِ السَّبب الفيزيائيّ للحركات السَّماويّة، وقد تمَّ تسمية فوّهة “ألبتراجيوس” البركانيّة باسمِهِ على سطح القمَر): هوَ أبو إسحق نور الدّين البطروجيّ الإشبيليّ، نسبةً إلى مدينة “بطروج” قربَ قرطبة.

5_ المجريطيّ: (فلكيّ وكيميائيّ ورياضياتيّ، طوَّرَ جداول الخوارزميّ الفلكيّة، وقدَّمَ تقنيّات جديدة في علمي المساحة والتَّثليث): هوَ أبو القاسم مسلمة بن أحمَد الأندلسيّ المجريطيّ نسبةً إلى مجريط؛ أي مدريد حاليّاً.

6_ ابن الجزّار القيروانيّ: (هوَ أوَّل طبيب في التّاريخ يكتبُ في “التَّخصُّصات الطُّبِّيّة” مثل طُبّ المُسنّين، وطُبّ الأطفال الذي اختصَّ به، وقد عدَّلَ القوانين الطُّبِّيّة العامّة وضبَطَ أسماء النَّباتات، وكانَ أوَّل من فحصَ قارورةً من بول المريض ليُشخِّص مرضَهُ، وأكَّدَ على مبدأ علميّ طُبِّي ّ ما زالَ ساريَ المفعول حتّى عصرنا الحاضِر وهوَ: “يتداوى كُلُّ عليلٍ بأدويةِ أرضِهِ، لأنَّ الطَّبيعةَ تفزَعُ إلى أهلِها”): هوَ أبو جعفر أحمَد بن ابراهيم أبي خالد القيروانيّ المعروف بابن الجزّار القيروانيّ.

7_ ابن البيطار: ( الصيدليّ وعالِم النَّبات الأشهَر في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ إلى جانب “ابن وافد“، كانَ لهُ أثر عظيمٌ في تصنيف الأدوية، واستخلاص العقاقير من النَّباتات، وكانَ رائِد “العلاج الضَّوئيّ الكيميائيّ”؛ فهوَ أوَّل من طلَبَ من مريض بعدَ تناولِهِ الخلطة الطُّبِّيّة أنْ يتعرَّضَ لأشعّة الشَّمس ساعة أو ساعتين، وقد كانَ من أهمّ المُساهِمين في ضبط المُصطلَح الطُّبِّيّ العربيّ واستقرارِهِ، وتأثيرُهُ بالِغٌ على الغرب): هوَ ضياء الدّين أبو محمّد عبد الله بن أحمَد المالقيّ المعروف بابن البيطار، وإليه تعودُ أصول عائلة “البيطار” الشَّهيرة في بلاد الشّام.

8_ الآمديّ: (أديب وشاعر وراوية وناقد، وصاحب الكتاب الشَّهير “المُوازَنة بينَ البُحتريّ وأبي تمّام”، وهذا الكتابُ يُعَدُّ تتويجاً للحركة النَّقديّة العربيّة في القرن الرّابع للهجرة، فهو خلاصةٌ لكُلِّ ما تمَّ تأليفُهُ في النَّقد قبلَ الآمديّ، وفيهِ منهَجٌ نقديّ واضِحٌ، لذلكَ يرى الباحثونَ أنَّ الآمديّ أوَّلُ ناقدٍ مُتخصِّص جعَلَ من النَّقد الأدبيّ “علماً” يُعرَفُ بهِ الشعر): هوَ أبو القاسِم الحسن بن بشر بن يحيى الآمديّ نسبةً إلى مدينة “آمِد: حاضِرة ديار بكر”، وقد وُلِدَ ونشَأَ وتوفيَ في البصرة.

9_ قدامة بن جعفر: (ناقد وعالم بلاغة وصاحب الكتاب الشَّهير “نقد الشِّعر”): هوَ أبو الفرَج قدامة بن جعفر بن زياد البغداديّ، وكانَ نصرانيّاً أسلَمَ على يدِ المُكتفي بالله.

10_ حازم القرطاجنّيّ: (شاعر وأديب وأحد أهمّ النُّقّاد والبلاغيِّين في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وصاحب الكتاب الشَّهير “منهاج البُلغاء وسراج الأدباء”): هوَ أبو الحسن حازم بن محمّد بن حازم القرطاجنِّيّ.

11_ ابن قتيبة: (فقيه ولُغويّ ونحويّ وأديب وناقد ومؤرِّخ من كبار الموسوعيِّين في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، حيثُ لُقِّبَ بـِ “ذو الفنون”، وهوَ صاحب الكتابيْن الشَّهيريْن “الشعر والشعراء” و”أدب الكاتب”): هو أبو محمّد بن عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ المولود في بغداد، والذي وُلِّيَ قضاء الدّينور، فنُسِبَ إليها.

12_ ابن النَّديم: (أديب وخطّاط وكاتب سيرة ومُصنِّف وجامِع فهارس، وصاحب الكتاب الشَّهير “الفهرست”، الذي بسببِهِ عُدَّ أوَّلَ المُصنِّفين في التّاريخ البشريّ، حيثُ كتَبَ هوَ نفسُهُ عنهُ في مُقدِّمتِهِ إنَّهُ كتابٌ جامعٌ لكُلِّ ما صدَرَ من الكُتُب العربيّة وغير العربيّة): هوَ أبو الفرَج محمّد بن إسحق بن محمّد بن إسحق الورّاق البغداديّ.

13_ رابعة العدويّة: (من أشهَر شخصيّات التَّصوُّف الإسلاميّ ومن أوائلِ مُؤسِّسيه منذ بدايات القرن الثّاني للهجرة، حيثُ ابتكَرَتْ مذهب “الحُبّ الإلهيّ الخالِص” برمزيتِهِ الصّوفيّة): هيَ رابِعة بنت اسماعيل العدويّ المولودة في البصرة.

14_ النِّفّريّ: (أحد كبار أعلام التَّصوُّف في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وصاحب الكتاب الشَّهير “المواقف والمُخاطَبات”): هوَ محمّد بن عبد الجبّار بن حسن النّفّريّ المولود ببلدة “نفر” في العراق.

15_ ابن زريق االبغداديّ: (صاحب القصيدة اليتيمة التي وصلَتْنا من آثارِهِ الشِّعريّة “لا تعذليهِ فإنَّ العذلَ يُولعُهُ”، وقد وُجِدَتْ عندَ رأسِهِ بعدَ موتِهِ، وفيها اعتذارٌ لزوجتِهِ، وتعبيرٌ شفّاف عن حُبِّهِ لها، حيثُ ارتحَلَ عنها مُجبَراً بسبب الفقر من بغداد إلى الأندلس طلَباً لسِعَة العيش، وعندما أخفَقَ في تحقيق مُرادِه مرِضَ وماتَ كمداً، وهيَ من بين القصائِد الأشهَر في الشِّعر العربيّ، والأكثَرِ تأثيراً في الوجدان العام): هوَ أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق البغداديّ.

16_ أبو البقاء الرُّندي: (شاعر وكاتب كبير، ومن أواخِر مُبدعي الأندلس، وقد عاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الدّاخل والخارج في البلاد، وشهد سقوط معظم القلاع والبلدات والمُدُن الأندلسية الأخيرة في يد الإسبان، وشهرته تعود إلى قصيدة نظمها بعد سقوط عدد من المدن الأندلسيّة، واسمها “رثاء الأندلس”، وهيَ تُعتبر من أشهر المراثي على الإطلاق في التّاريخ العربيّ، حيثُ إنَّها ليست مُجرَّد مرثيّة لمدينة مُعيَّنة كقصائد غيره من الشُّعراء، بل كانت لوحة عظيمة تتغنَّى بالأندلس كُلِّها، ويقول في مطلعها: “لِـكُلِّ شَـيءٍ إِذا مـا تَمّ نُقصان/ فَـلا يُـغَرَّ بِـطيبِ العَيشِ إِنسانُ _ هِـيَ الأُمُـورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ/ مَـن سَـرّهُ زَمَـن سـاءَتهُ أَزمانُ _ وَهذهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحدٍ/ ولا يَدومُ عَلى حالٍ لهـا شــانُ”): هوَ أبو البقاء صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن على بن شريف الرُّندي.

17_ ابن عساكر: (صاحب تحفة الكتب في تاريخ المدن “تاريخ دمشق” الذي صرَفَ عُمرَهُ كاملاً على إنجازِهِ، ليحفَظَ في طيّاتِهِ تاريخ دمشق في القرون السّابقة من الضَّياع، وليعكِسَ مدى ازدهار حركة العلم والثَّقافة فيها): هوَ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدِّمشقيّ.

18_ ابن فضلان: (عالِم موسوعيّ، ورحّالة عربيّ إسلاميّ شهير نقَلَ فنّ الرِّحلة العربيّة نقلة نوعيّة من مفاهيم السَّرد إلى مُستوى التَّحليل الإثنوغرافيّ لشعوبٍ وقبائلَ لم يكُنْ العربُ يعرفونَ عنها شيئاً، وهوَ صاحب أقدَم وصف أجنبيّ في التّاريخ لروسيا وبلغاريا وشرق أوروبّا والبلاد الاسكندنافيّة): هوَ أحمَد بن العبّاس بن راشد بن حمّاد البغداديّ.

ج_ استطرادات شُموليّة عن الأعلام:

استبعدْتُ في الإحصاءات السّابقة أعلاماً كثيرين يُنسبون إلى مدُنٍ بعينِها أو أمكنة لا تنتمي إلى الوطن العربيّ، ولا توجَد مَصادِر عن حقيقة أنسابِهِم، لذلكَ كانوا يُنسبون أوتوماتيكيّاً إلى أعراق أُخرى من دون وجود مَصادِر تُؤكِّدُ ذلكَ أيضاً، والأمرُ اللّافت الذي يستحقُّ تأمُّلاً عميقاً أنَّهُ يتمُّ التَّشكيك أحياناً بانتساب علَم إلى العرق العربيّ، وهو المولود في مدينة عربيّة، وتُنفى احتماليّة أنْ يكون المولود في مدينة أعجميّة من أصلٍ عربيّ، ولا سيما أنَّنا نعرف حجم الهجرات العربيّة المُتتابِعة بعد الفتوح الإسلاميّة إلى إيران وأواسط آسيا على وجه التَّحديد، فمثلاً لماذا نقطَعُ الحُكْمَ قائلينَ بالأصل الفارسيّ لفيلسوفٍ وعالِمٍ من حجم “حميد الدّين أحمَد بن عبد الله الكَرْماني“، وهو أحد كبار دعاة الإسماعيليّين عبر تاريخ الدَّعوة، وصاحب واحد من أهمّ الكُتُب الفلسفيّة في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ “راحة العقل”، بمجرَّد نسبتِهِ إلى مدينة “كَرْمان”، مع العلم أنَّهُ من مواليد القاهرة الفاطميّة، ورحَلَ فترة من الزَّمن إلى إيران، ثُمَّ استدعاهُ “الحاكم بأمر الله” من جديد إلى مدينتِهِ القاهرة، ولا يوجَد أي مصدر يُؤكِّد عرقَهُ الفارسيّ إلاّ بنسبته إلى كرمان كما ذكرتُ، فهل من المُستبعَد أنْ يكون مُنتسِباً إلى أُسرة عربيّة الأصل هاجرتْ وسكنتْ كَرْمان؟!!.

لقد ركَّزْتُ اهتمامي في القائمتيْن السّابقتيْن على أسماء العلماء والفلاسفة والأدباء والمُؤرِّخين بوجهٍ خاصّ، لكنْ _ وكي تكتمِلَ الصّورة على نحْوٍ أعمَق _ لابُدَّ من الإشارة إلى وجود عدد كبير من الأعلام العرَب المُسلمين ينتمونَ إلى أطُر أو تصنيفات أُخرى لا يُمكِنُ حصرُها هُنا، وسأحاوِلُ إيضاحَها إيضاحاً عامّاً لا تفصيليّاً في السُّطور الآتية:

1_ أعلام العصر الأمويّ:

مثَّلَ العصران الرّاشديّ والأمويّ بداية الاختلاط العربيّ الواسِع بالأقوام الأخرى، ونظَرَ باحثون كثيرون إلى كون الدَّولة الأمويّة دولة عربيّة خالصة، وهذا صحيح من جانب سياسيّ واجتماعيّ إلى حدٍّ ما، لكنْ علينا أنْ نعيَ من جانبٍ ثانٍ أنَّ العصر الأمويّ مثَّلَ المرحلة التَّمهيديّة الأساسيّة والعميقة للنَّهضة العلميّة التي شهِدَها العصر العبّاسيّ، وكان للأعاجم دور محوريّ في ذلكَ، من دون إنكار وجود أسماء علميّة عربيّة مُهمّة، غيرَ أنَّ العنصر الأساسيّ الذي ينبغي تأكيدَهُ في هذا السِّياق هوَ أنَّ أعلام الأدب والشعر تحديداً في العصر الأمويّ هم من العرق العربيّ بصورة شبه كامِلة، وأُفسِّرُ ذلكَ بأنَّ الأعاجم لم يكُنْ تمثُّلُهُم للُّغة العربيّة وآدابِها قد نضجَ بعد لينتجوا إبداعاً بها، وأشهرُ أعلام هذا العصر هم: (جرير _ الفرزدق _ الأخطل _ عمر بن أبي ربيعة _ قيس بن المُلوَّح _ ليلى الأخيليّة _ يزيد بن مُعاوية).

2_ الخلفاء الأعلام:

من المَعروف أنَّ جميع الخلفاء بدءاً بالعصرين الرّاشديّ والأمويّ (الشّاميّ)، ومروراً بالعصر العبّاسيّ والأمويّ (الأندلسيّ)، وانتهاءً بالخلفاء الفاطميّين هُم من نسلٍ عربيّ قرشيّ، ومن المُفيد هُنا التَّذكير أنَّ هدَف هذا التَّفحُّص هُنا ليسَ تمجيد نظام الخلافة وسُلطة الخلفاء في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ سياسيّاً، حيثُ أحتفِظُ بمَسألة مُناقشة البُعد (السِّياسيّ/ السُّلطويّ) في قضيّة الخلافة ومَثالبِها إلى سياق آخَر، ويهمُّني الآن الإشارة إلى وجود بعض الخلفاء الذين تحوَّلوا إلى رموز كُبرى ليسَ بفعل دورهِم السِّياسيّ فحسب؛ إنَّما بفعل أدوارهِم العلميّة والثَّقافيّة والاجتماعيّة والدّينيّة التي مارسوها، ومنهُم: (عبد الملك بن مروان _ عمر بن عبد العزيز _ هارون الرَّشيد _ المأمون _ الحاكم بأمر الله _ عبد الرَّحمن بن الحكم في قرطبة وعبد الرحمن النّاصر).

3_ البنّاؤون الكبار:

وهُم الأعلام الذين بنوا أو أمروا ببناء مدن أو صُروح مُختلفة كانَ لها أثر تاريخيّ عميق في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة والعالَم أجمَع على حدٍّ سواء، ونذكُر منهُم: (الوليد بن عبد الملك باني “الجامع الأمويّ” في دمشق _ أبو جعفر المنصور باني بغداد _ هارون الرَّشيد باني “بيت الحكمة” في بغداد ذات الدَّور العلميّ التّاريخيّ العظيم في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، ولا سيما عبرَ حركة التَّرجمة التي احتضنَتْها _ المُعزّ لدين الله الفاطميّ الذي أمَرَ قائدَهُ “جوهر الصِّقلَي” ببناء “القاهرة”، وأشرفَ بنفسِهِ على بناء “الجامع الأزهر” الذي يُعَدّ بالمقاييس العلميّة الحديثة للجامعات ثاني أقدم جامعة في التّاريخ البشريّ بعدَ جامعة القرويّين حسب تصنيف اليونسكو، فضلاً عن اختراعِهِ (القلَم) بشكلِهِ المُعاصِر كما ذَكَرْتُ من قبل _ الحاكم بأمر الله الذي أمر ببناء “دار الحكمة” في القاهرة الفاطميّة، وهيَ أكبر مكتبة في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، ومن أكبَر المكتبات عبر التّاريخ الإنسانيّ، حيثُ كانَ يُقدَّرُ عدد الكُتُب فيها بـِ (000` 600`1) مُجلَّد _ عبد الرَّحمن الدّاخل باني “الجامع الكبير” أحد دُرَر العمارة الإنسانيّة في قرطبة _ الملك أبو عبد الله محمّد الأوَّل محمّد بن يوسف بن محمّد بن أحمَد بن نصر بن الأحمَر المُنتسِب إلى ملوك غرناطة من بني نصر من قبيلة بني الأحمَر التي تعود أصولُها إلى جبال سراة الحجر في الجزيرة العربيّة بين شمال اليمن وجنوب السُّعوديّة حاليّاً، والملك محمّد الأوَّل هوَ باني دُرَّة العرَب الأكبَر في فنّ العمارة، وأحد أهمّ القصور الأثريّة في التّاريخ البشريّ؛ وأقصد “قصر الحمراء” _  فاطمة بنت محمّد الفهريّ القيروانيّ التي تعودُ أُصولُها إلى “عقبة بن نافع الفهريّ القرشيّ“، وقد شيدَتْ “جامعة القرويّين” في فاس بالمغرب، التي تُعَدُّ بالمقاييس العلميّة الحديثة للجامعات أقدم جامعة في التّاريخ البشريّ حسب تصنيف اليونسكو وموسوعة غينيس أيضاً).

4_ الرُّموز الدّينيّة:

لعلَّ الدُّخول في حقل الرُّموز الدّينيّة في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ سيُوسِّع إلى حدّ كبير دائرة تناول الأعلام من الأصول العرقيّة العربيّة، وأكتفي هُنا بالقول إنَّ مُؤسِّسي المذاهب الأربعة الكُبرى عند أهل السُّنّة والجماعة هُم من أنساب عربيّة، فضلاً عن مُؤسِّس المذهب الجعفريّ بطبيعة الحال “الإمام جعفر الصّادق“، وهؤلاء هُم: (أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ الحميريّ المدنيّ صاحب المذهب الماكيّ _ أبو عبد الله أحمَد بن محمّد بن حنبل الشّيبانيّ الذّهليّ صاحب المذهب الحنبليّ _ أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعيّ المُطَّلِبيّ القرشيّ صاحب المذهب الشّافعيّ _ أبو حنيفة النُّعمان صاحب المذهب الحنفيّ، وقد اختُلِفَ حولَ نسبِهِ إلى أنْ أثبَتَ عُروبتَهُ المُستشرِق الشَّهير “كارل بروكلمان“، فضلاً عن مجموعة من الباحثين والمُؤرِّخين العراقيّين في غير دراسة، فقالوا هوَ: أبو حنيفة النُّعمان بن ثابت بن المرزبان من بني يحيى بن زيد بن أسد من عرب الأزد الذين سكنوا العراق قبلَ الفتح الإسلاميّ).

رابعاً: خُلاصة تنقيحيّة:

لعَمري إنَّ نسيان بعض الأعلام أو تجاهُلِهِم لنسَبهِم في ظلّ انتمائهِم المَدَنيّ (السِّياسيّ والاجتماعيّ والدّينيّ والثَّقافيّ والفكريّ) إلى وعاء هذهِ الحضارة العربيّة الإسلاميّة هوَ دليلُ صحَّةٍ لا دليل سقم، فأنْ تبلُغَ الحضارةُ العربيّة الإسلاميّة هذا المَبلغ من الانصهار والتَّشارُكيّة الخلاّقة يُسجَّل لصالِحِها لا عليها.

وعلى كُلِّ حالٍ، وخارِجَ هذهِ التَّصنيفات التي اضطرِرْتُ مُرغَماً للخوضِ فيها لإزالة اللَّغط الشّائِن والزَّيف العارِم كما قلتُ في السُّطور السّابِقة، يُضحكُني كثيراً الصِّراع المَجّانيّ الذي نراهُ أحياناً حولَ أصول بعض الأعلام في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، فمثلاً نجِدُ مَعارِكَ صاخِبة حولَ أصل “ابن رشد“، (وهوَ يُمثِّلُ ذروة الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، وأبو النَّهضة الأوربيّة، ورائد فكرة “العلمانيّة” التي أخَذَها عن أُستاذِهِ الفيلسوف “ابن باجّة الأندلسيّ“، وطوَّرَها، فقال بضرورة فصل العلوم الشَّرعيّة عن العلوم الفلسفيّة فصلاً مطلَقاً لاختلاف الحقليْن مَعرفيّاً، بعكس التَّوفيق الذي شهدَتْهُ الفلسفة العربيّة الإسلاميّة في المشرق العربيّ، ولا سيما المذاهب الغنوصيّة)، وتؤكِّدُ جميعُ المصادر من دون استثناء عروبة اسمِهِ وأسماء آبائِهِ، فهوَ: “أبو الوليد محمّد بن أحمَد بن محمّد بن أحمَد بن أحمَد بن محمّد بن أحمَد بن عبدالله بن رُشد”، وتُؤكِّدُ هذِهِ المَصادِر أنَّهُ سليل أُسرة أندلسيّة عريقة من القضاة والفقهاء على المذهب المالكيّ في مدينة قرطبة، وإذا كانَ بعض الأمازيغيّين ينسبونَهُ إليهِم لعدم وجود نسَب عرقيّ عربيّ حاسِم لسُلالتِهِ ذات الأسماء العربيّة كما بيَّنْتُ، أقولُ إنَّهُ _ في تحليلي الشَّخصيّ _ أنَّ كثيرينَ من العرب في الأندلس (وحتّى في المشرق العربيّ) لم يستمرّوا مع الأيّام في تدوين الأنساب القبَليّة وحفظِها بفعل الاختلاط والتمدُّن وانقطاع الزَّمن، فضلاً عن عدم وقوعي نهائيّاً _ وبكُلّ شفافيّة وأمانة _ على أيّة إثباتات صريحة علميّاً لفرضيّة عرقِهِ الأمازيغيّ، مع الإشارة إلى أنَّ مُعظَم المَصادِر التّاريخيّة والاجتماعيّة تؤكِّد أنَّ الهجرات العربيّة المُتلاحِقة إلى الأندلس قد توجَّهَتْ واستقرَّتْ في مراكز المدُن، في الوقت الذي توجَّهَتْ فيه هجرات الأمازيغ المُتلاحِقة إلى الأرياف، لكنَّني معَ هذا _ وفي جميع الأحوال _ لا أجِدُ غضاضةً في احتماليّة أصلِهِ الأمازيغيّ المُختلَف عليه، وهوَ من طبيعة التَّشارُكيّة الحضاريّة الفعّالة في الأندلس بوجهٍ خاصّ، وفي الحضارة العربيّة الإسلاميّة بوجهٍ عام، فابن رشد الذي حفِظَ القرآن الكريم، وأتقَنَ علوم اللُّغة العربيّة والفقه الإسلاميّ منذ نعومة أظفارِهِ، وتعمَّقَ في الفلسفة العربيّة/ الإسلاميّة، وعشِقَ شعر المُتنبّي، فكانَ يُردِّدُهُ في كُلِّ مجلسٍ _ كما تُفيدُ الرِّوايات _، لم يعُدْ مُهمّاً أنْ يكونَ من عرقٍ عربيٍّ مُؤصَّلٍ ومُثبَت النَّسَب أم لا، ولا سيما إذا نظَرَ العرب والأمازيغ إلى شراكتِهِم الحضاريّة العظيمة بعيْنٍ تكامُليّة وتعايُشيّة واسِعة، وتمَّ تثمين الأسماء الكبيرة التي قدَّمَها الأمازيغ بطبيعة الحال مثل رحّالة الإسلام العظيم ابن بطّوطة، والعالِم الكبير عبّاس بن فرناس، وشاعر الأندلس المُبدع ابن خفاجة، والشّاعر المُخضرَم البوصيريّ الصِّنهاجيّ صاحب المدائح النَّبويّة الشَّهيرة، وغيرهم، على أنَّ هذا السِّياق لا يسمَحُ لي بالحديث عن النَّظَريّات التّاريخيّة واللُّغويّة التي تقول بعُروبة الأمازيغ، وهذا ما نجدُهُ مثلاً في كُتُب العالم اللّيبيّ الكبير الدُّكتور “علي فهمي خشيم“، ومنها كتابيْهِ: 1_ “سِفر العرب الأمازيغ: بحث مُفصَّل في عُروبة اللُّغة الأمازيغيّة (البربريّة) _ مُلحَق به :لسان العرب الأمازيغ: معجم عربيّ _ بربريّ مُقارَن. 2_ “في المَسألة الأمازيغيّة: سلسلة الدَّفاتر القوميّة”، وبغضّ النَّظَر عن النِّقاش حولَ قيمة بُحوثِهِ _ أو بُحوث غيرِهِ في هذا المِضمار _ ومَدى مصداقيتِها علميّاً، وهو المُنتمي إلى العِرق الشَّركسيّ أصلاً، وكي لا أُتهَم بالقوميّة الإقصائيّة المُصادِرة لحُرِّيَّة الآخَرين، أؤكِّد أنَّ الهُوِيّة الفرديّة أو الجَمعيّة تبقى في جميع الأحوال هُوِيّة طوعيّة اختياريّة مهما كانَتْ طّبيعتِها المَرجعيّة المَوروثة، أو مهما قالتْ حَقائِقُ التّاريخ.

وتطفو الإشكاليّة السّابقة بشكل مُختلِف فيما يخصُّ “ابن حزم الأندلسيّ“، وهوَ من عُظماء الفلسفة واللُّغة العربيّة والعقائِد والفقه وعلم التّاريخ والطُّبّ الأهمّ في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، وواحِد من أغزَر المُؤلِّفين في تاريخ الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة، وصاحِب كتاب “طوق الحمامة” الشَّهير، فقد لقَّبَهُ “ابن القيم” بـِ “منجنيق العرب”، حيثُ تظهَر ثغرةٌ في نسَبِهِ تفتَحُ باب الخلاف بينَ الباحثين حولَ أصولِهِ: هل هيَ أصولٌ عربيّة أم فارسيّة أم روميّة أم إسبانيّة؟ فالشّائِع أنَّ نسبَهُ هوَ: “أبو محمّد علي بن أحمَد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلَف بن معدان بن سُفيان بن يزيد الأندلسيّ القرطبيّ اليزيديّ (مولى) يزيد بن أبي سُفيان بن حرب الأمويّ”، وأقولُ بناءً على رؤيةٍ أوسَع في هذا السِّياق: ما المُشكلة إنْ كان ابن حزم فارسيّاً أو روميّاً أو إسبانيّاً إذا كانت سلالتُهُ _ غير العربيّة النَّسَب جدَلاً _ قد تعرَّبت وأسلَمَت أصلاً منذُ الجدّ الثّامِن على الأقلّ؟ أليسَ ابن حزم نتاجاً أصيلاً للوعاء الثَّقافيّ الحضاريّ العربيّ الإسلاميّ بطبيعة الحال؟!!

كذلكَ نجِدُ خلافاً من نوعٍ آخَر حول أصل “الخوارزميّ: أبو عبد الله محمّد بن موسى الخوارزميّ المُكنَّى بأبي جعفر”، وهوَ من أهمّ علماء الرياضيّات عبرَ التّاريخ البشريّ، ومُخترِع علم “الجبر” في كتابِهِ “الجبر”، ولقَّبَهُ الغربيّون بـِ “أبو علم الحاسوب”. وقد انتقلَتْ عائلَتُهُ إلى بغداد من مدينة “خوارزم” الموجودة في إقليم خراسان، والتي تُسمَّى الآن “خيوا”، وهيَ موجودة حاليّاً ضمن أراضي جمهوريّة أوزبكستان، ويتنازَعُ مُلكيتَهُ كُلّ من الأوزبك والعرب، حيثُ يقولُ عدد من المُؤرخين و بعض المَصادِر التَّاريخيّة إنَّ أسرتَهُ من أصلٍ عربيّ جاءَ أجدادُها إلى خوارزم مع الفاتحين العَرَب، ويُسمّيه “الطَّبريّ” في تاريخِهِ “الخوارزميّ القطربلّيّ” ناسِباً أُصولَهُ إلى قرية “قُطربُلّ” من ضواحي بغداد، كما يستندُ كثيرٌ من الباحثين العرب المُعاصرين في مَقولة عروبةِ نسَبِهِ إلى عدد من المَوسوعات العلميّة العالَميّة التي تقولُ جميعُها بأصلِهِ العربيّ، كالمَوسوعة البريطانيّة (نُسخة الطُّلّاب)، ومَوسوعة مايكروسوفت إنكارتا، ومَوسوعة جامعة كولومبيا، لكنْ مرّةً ثانيةً أعودُ، فأُكرِّرُ: ما الذي يعنيهِ أنْ يكونَ الخوارزميّ أوزبكيَّاً أو عربيَّاً في عرقِهِ، فهذا لنْ يُغيِّرَ شيئاً في الدَّلالة الحضاريّة ومَرجعيَّتِها على وجهِ الإطلاق، ولهذا سيبقى في جميع الأحوال أوزبكيّاً عربيّاً، أو عربيّاً أوزبكيّاً، حيث لا يوجدُ فرق.

إنَّني من الأشخاص الذينَ يُسعدُهُم  كثيراً عجزُ الدّارسين والباحثين مثلاً عن الإتيان باسم واحد من أسماءَ مُؤلِّفي إحدى أهمّ المَوسوعات الفلسفيّة _ الدّينيّة في التّاريخ البشَريّ، وأقصد بهذا موسوعة “إخوان الصَّفاء وخلّان الوفاء“؟ هل يعرِفُ أحَدٌ مَنْ هوَ العربيّ فيهِم ومن هوَ الأعجميّ؟ فكُلّ ما هوَ مُتداوَل في المَصادِر غير الإسماعيليّة أنَّهُم كانوا موجودينَ في البصرة، في حين أنَّ المَصادِر الإسماعيليّة ترى أنَّ الموسوعة قد وُضِعَتْ في عهد الإمام الإسماعيليّ “الوفي أحمَد: عبد الله بن محمّد بن اسماعيل بن جعفر الصّادق”، إذ تذهَبُ هذِهِ المَصادِر إلى القول إنَّهُ كانَ واحداً من واضعيها، وقد عاشَ بينَ السَّلميّة ومصياف في سورية، ودُفِنَ في “جبَل مَشهد” في مصياف، مع ضرورة التَّذكير الجوهريّ في هذا السِّياق بالإشكاليّة السِّياسيّة المُرتبطة بالصِّراع مع الدَّولة العبّاسيّة، وأنَّ هذِهِ الرَّسائِل قد كُتِبَتْ في “دور السِّتر” من الدَّعوة الإسماعيليّة، قبل إقامة الدَّولة الفاطميّة في المهديّة بتونس، ثُمَّ في القاهرة بمصر.

وإذا انتقَلْتُ في هذا التَّفحُّص السَّريع إلى إطارٍ حديثٍ ومُعاصِرٍ، أُلاحِظُ أنَّ التَّجرِبة السّوريّة تُظهِرُ صراعاً عقيماً _ مثلاً _ بينَ أنصار أصول “يوسُف العظمة” التُّركمانيّة، وأنصار أُصولِهِ الكُرديّة، وعلى الرّغم من أنَّ معظم المَصادِر _ ومنها شجرة العائِلة _ تؤكِّد انتماءَهُ إلى أُسرة تركمانيّة، وأنَّ نسبَهُ هوَ: “يوسف بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن محمّد بن اسماعيل بن ابراهيم بن اسماعيل بن محمّد بن حمدان التِّركمانيّ الشَّهير بـِ (العظمة) بن حسين بك بن موسى باشا بن محمّد بك بن حسن بك المُلقَّب بـِ (كميكلي)” الذي استوطنَ حيَّ الميدان في أوائلَ القرن الحادي عشر للهجرة، وكانَ أهل الميدان يلقبونَهُ أيضاً بـِ “التِّركمانيّ”، ذلكَ أنَّهُ أحد قادة الانكشاريّة القادمين من قونية، إلّا أنَّ هُناكَ من يقول إنَّهُ قد التبَسَتْ على الدِّمشقيّين حقيقة أصولِهِ الكُرديّة بفعل قدومِهِ من هذِهِ المدينة شمالاً، لكنْ بعيداً عن كُلّ هذا السِّجال، أتساءلُ: هل من مُشكِلة إنْ كانَ يوسُف العظمة كُرديَّ الأصل أو تركمانيّاً من قونية؟ وهل يُقلِّلُ هذا من قيمة دورِهِ الوطنيّ العظيم تاريخيّاً، إن بوصفِهِ وزيراً للدِّفاع في حكومة الملك فيصل العربيّة، أو في رمزيّة موقفِهِ البطوليّ النّادِر في التّاريخ بقيادتِهِ الجيش والمُقاومين السّوريّين في معركة ميسلون واستشهادِه؟ وما الذي يُغيِّرُهُ كُلّ الكلام السّابق عن نسَبِهِ في مسألة عُروبتِهِ (الثّقافيّة) بعدَ أكثر من ثلاثة قرون على قدوم جدِّهِ الأكبَر إلى دمشق؟

هل نستطيعُ في دمشق تحديداً أنْ نُفرِّق بينَ العائِلات ذات الأصل العربيّ والعائِلات ذات الأصل الكُرديّ أو التُّركيّ لُغةً وعاداتٍ وتقاليدَ؟ فمثلاً تؤكِّد الصَّفحة الرسميّة لـِ “آل القوتلي” على الإنترنت نسبَهُم العربيّ العائد إلى عمر بن الخطّاب، وإلى القبائل العربيّة التي دخلت الشام إبّان الفتح الإسلاميّ، وأنَّ لقب “القوتلي” هو لقب تركيّ أُطلِقَ على العائلة في العهد العثمانيّ، لكنَّ الشّائِع _ وربّما يكونُ هذا الشّائِعُ صحيحاً _ أنَّ أصل آل القوتلي كُرديّ، وهُنا أتساءلُ أيضاً: هل الأصل الكُرديّ ينفي البُعد العروبيّ العميق لـلرَّئيس “شُكري بك القوتلي“، الذي آمَنَ بالاستقلال العربيّ وبالوحدة العربيّة، وانتمى منذ ريعان شبابِهِ إلى جمعيّة “العربيّة الفتاة” القوميّة العربيّة، ونالَ لقب “المُواطِن العربيّ الأوَّل” بعدَ إنجازِهِ الوَحدة مع مصر برفقة الرَّئيس “جَمال عبد النّاصِر“، ليكونَ اوَّل رئيس عربيّ في العصر الحديث يتنازلُ عن منصبِهِ؟

ألا تزدادُ عُروبة سُلطان باشا الأطرش وفارس بك الخوري وفخري بك البارودي وهاشم بك الأتاسي وسعد الله الجابري والشَّيخ صالح العلي والدُّكتور عبد الرَّحمن الشَّهبندر قُوّةً وأصالة بوجود الكرديّ “إبراهيم هنانو” إلى جانبهِم مثلاً؟

لطالَما أُعجبْتُ في تاريخنا العربيّ/ الإسلاميّ القديم بالموسيقيّ العبقريّ الكُرديّ “زرياب“، ولطالَما كنتُ أتذكَّر بكثير من الغبطة والاحترام كم خدَم العلّامة الدِّمشقيّ الكُرديّ “محمد كرد علي” اللُّغة العربيّة في العصر الحديث: هذا الرَّجُل الاستثنائيّ الذي شغَلَ منصب أوَّل وزير للمَعارِف والتَّربية في سوريّة، وكانَ أوَّل رئيس لمجمع اللُّغة العربيّة في دمشق منذُ تأسيسِهِ عام 1919 حتّى وفاتِهِ عام 1953، وكانَ من أشدِّ المُدافِعين عن اللُّغة والثَّقافة والهُوِيّة العربيّة.

كذلكَ أحتفي يوميّاً _ بحُكم اختصاصي واهتماماتي الشِّعريّة والنَّقديّة _ بجَماليّات تفجير اللُّغة الشِّعريّة عند مجموعة من شعراء الحداثة العربيّة، ومن المؤكَّد أنَّ من أهمّ صانعي هذا التَّفجير الخلّاق في الشِّعر العربيّ الحديث والمُعاصِر الشّاعر السّوريّ الكُرديّ الكبير “سليم بركات“، الذي خدَمَ اللُّغة العربيّة وبلاغتَها خدمةً استثنائيّة نادِرة في هذا العصر، ولهذا لا أجِدُ أنَّ لي شخصيّاً حصّة في العُروبة الثَّقافيّة والحضاريّة أكثَر من أصدقائي الشُّعراء الكُرد السّوريِّين والعراقيّين الذينَ يكتبونَ باللُّغة العربيّة، ولكَم تمنَّيْتُ لو تعلَّمْتُ اللُّغة الكُرديّة كي أكتبَ وأقرَأ بها إلى جانب اللُّغة العربيّة..

على أنَّ فَهمي الثَّقافيّ هذا للهُوِيّة، لا ينفي بطبيعة الحال، إنَّما يُؤكِّدُ ضرورةَ أنْ يتمتَّعَ الكُرديّ والتُّركمانيّ والآشوريّ والشَّركسيّ والأرمنيّ والأمازيغيّ وغيرَهُم من الإثنيات وحتّى الأديان والمذاهب المُختلِفة، بكاملِ حقوقهِم السِّياسيّة والاقتصاديّة، وأنْ يُمارِسوا بمُنتهى الحُرِّيّة خُصوصيّاتِهِم الاجتماعيّة والدّينيّة والثَّقافيّة، مع ضرورة الحذر من خطر السُّقوط في (سياسات الهُوِيّة) القائِمة على المُحاصَصات الإثنيّة والطّائفيّة (كما في لبنان والعراق)، لا القائِمة على المَفهوم الوطنيّ المَبني على مَشروعيّة التَّنافس السِّياسيّ المَدنيّ والحزبيّ والنّقابيّ العابر للهُوِيّات المَوروثة.

لابُدَّ لنا جميعاً، بوصفنا أهلَ هذِهِ المنطقة، وورثةَ حضاراتِها المُتراكِمة والمُتراكِبة، أنْ نؤمنَ بأحكام التّاريخ والجغرافيا وأقدارِها العميقة، ولا يعني ذلكَ طمس الهُوِيّات المُتنوِّعة وحركيَّتِها الطبيعيّة الحُرّة عبرَ التَّمركُز المُسَبَّق على الرُّؤى القطبيّة المُغلَقة، بقدر ما يعني أنْ نخرُجَ من الوعي الجوهرانيّ الأُحاديّ، ومن الفكر العُنصريّ الهدّام والضَّيِّق القائِم على عقليّة الثُّنائيّات النَّرجسيّة المُتضادّة قوميّاً أو دينيّاً أو مذهبيّاً، وذلكَ بعدَ تصفية الشَّوائب العالِقة في صلتنا مع وجودنا ووعينا وكينونتنا، لنحتفيَ بلا هوادة بـِ (الرّوح الحيويّة الثَّقافيّة المُتنوِّعة والنّادرة) في وعائِنا الحضاريّ العريض، مُكافحينَ بهدفِ أنْ نعودَ إلى صُنعِ التّاريخ عبرَ انتصار أفكار الاختلاف ورفض العصبيّة وإقصاء الآخَر بما هيَ أُسُسُ التَّفاعُل البنّاء محلِّيّاً وعربيّاً وكونيّاً، حيثُ يُفترَضُ أنْ يُفضيَ تمثُّلُنا هذِهِ الأُسُس إلى تشييدِ دولٍ مُؤسَّساتيّة عصريّة تقومُ على التَّعدُّديّة والدّيمقراطيّة ومِحوريّة المُواطَنة.

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى