زوابع الوزيرة المغربية “النصّابة”

معن البياري

ليس الخبر عادياً، ولم يغال المغاربة في افتراض أهميّته العميقة. إنه ليس إعفاء وزيرةٍ بعد يومين من تعيينها في مراسم استقبال الملك محمد السادس رئيسة الحكومة ووزراءها. يذهب الخبر بك إلى القانوني والإعلامي والحزبي والسياسي والاجتماعي، ويتعلق بالمؤسّسية في البلاد، وبكيفيات صناعة النخب في الفضاء العام. وإذ يُتذكّر هنا أن وزيراً للنقل في الأردن (مالك حدّاد) أعفي بعد يوم من أدائه اليمين، قبل عشر سنوات (وثلاثة أسابيع)، لاكتشاف رئيس الوزراء هاني الملقي، متأخراً ساعات، أن الرجل كان قد حكم بالسجن خمس سنوات بعد ارتكابه قضية جنائية في العام 1980، فإن ذلك الخبر، على ما اشتمل عليه من إثارة، عبر سريعاً، وخيض في إحالاته ومشمولاته بضعة أيام وانقضى. الأمر هنا مختلف، فالوزيرة المغربية، المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل (هذا بالضبط مسمّاها)، ماديحة خيير، يمكن القول إن الصحافة المحلية، ومعها وسائط التواصل، هما اللذان أسقطا السيدة، بعد أن كانت صحيفة “لوماتان” (بالفرنسية) أول المنابر التي نشرت الشهادة الطبية المؤرّخة في 12 يونيو/ حزيران 2004، وتفيد بأن الطبيب الذي وقّعها يعالج الشابة (1975) من “اضطرابات عُصابية تتميز بمظاهر قلق واكتئاب متقطعة، واضطرابات في السلوك واضطرابات مزاجية”، كما أنها تعاني من “نقص في النضج النفسي والوجداني، ومن هشاشة نفسانية بنيوية”، و… وإنها أقدمت على محاولتي انتحار، وإنها ترتكب أحياناً “ردود فعل انتقامية” و”أفعالاً بدون تبصر وضد مصالحها الشخصية”.
يتطبّب الإنسان ويتعالج ويشفى، والتشخيص (المفزع) للوزيرة المُقالة قبل 22 عاماً لا يعني أنها ما زالت على هذا الحال، وهي التي تحمل الدكتوراه في التجارة، وجدّدت في انتخابات الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) مقعدها في البرلمان لحزب الاستقلال الذي كانت عضواً في اللجنة التنفيذية فيه، كما أنها عملت في موقع إداري متقدّم في أكاديمية الطيران المدني. غير أن القصة ليست هنا، فالسيدة متهمة، على ما يتردّد، بأنه أمكن لها (أو لوالدها الراحل الذي كان برلمانياً وثرياً ونافذاً) الحصول على تلك الوثيقة غير الصحيحة، لتنجو من عشر سنوات سجناً كان يمكن أن يُحكم عليها بها، لإصدارها باسم شخصية امرأة أخرى شيكات من دون رصيد لمحلات ذهب ومجوهرات ابتاعت منها. وإذ وُضعت صفة “النصّابة” في العنوان أعلاه بين قوسين، فذلك احتراساً وحذراً، فالأمر على غاية الحساسية، ويحتاج حسمه إلى حكم قضائي. ولكن ما يكاد ينعقد الإجماع عليه، هنا في المغرب، حيث تنكتب هذه المقالة، أن مقادير الاشتباه بالوزيرة المُعفاة كبيرة، وأن ما ذاع عن ارتكابها النصب والاحتيال يفترض من السلطات المختصّة أن تنبش فيه، وتتحرّى بصدده. الأمر الذي يصح قول من يقولون هنا إن هذا ما كان مفترضاً من الأجهزة القضائية والأمنية، فضلاً عن حزبها (الاستقلال) الذي رشّحها وزيرة. وإذا ما ثبت أي شيء مما يُتداول في هذه القصة التي تفيض إثارةً، وتصلح للسينما، فإن في الوسع الزعم إن الصحافة المحلية هي التي أقالت الوزيرة، وإن بعد تسريبٍ “من جهةٍ ما”، ولا بأس من تذكّر إقالة “واشنطن بوست” الرئيس الأميركي نيكسون، بتواضعٍ أو من دونه.
ولنا هنا التأشير إلى “سلطةٍ” متحقّقة لمواقع التواصل (وخصوصا “فيسبوك”) التي أمكن لضغطٍ زاولته أن يُلزم رئيسة الحكومة بالتوصية بإعفاء ماديحة خيير. ولئن نُظر إلى الخطوة أنها شجاعة في الاستجابة لمطلبٍ عام، وفي الإقرار بخطأ غير متعمّد، فثمة من استطاب أن يرمي رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وحزب الاستقلال بالارتباك والارتجال في الاختيارات. وحسناً أن الناطق باسم الحكومة أوضح أن هذه “الخطوة الاستعجالية” (بتعبيره) اتُخذت “في إطار تحمّل المسؤولية السياسية والمؤسساتية لمكونات الأغلبية الحكومية لضمان انسجام الفريق الحكومي”. …
قد تعبُر حكومة المنصوري بأمان من هذا الارتجاج المبكّر، غير أن المغرب كله أمام زوابع أسئلةٍ من لون آخر، تثيرها قضية الوزيرة “النصّابة” (مع التحفّظ بداهة)، لأنها تحيل إلى القضاء وإجراءاته، وإلى نزاهة الأطباء، وإلى الحكامة في الأحزاب، وإلى الفساد في عمومه وأصنافه، وإلى المسؤوليات المهنية الصحافية في ما يتعلق بالحياة الخاصة للأشخاص الاعتباريين… والمتوقّع أن تنفتح كل هذه الملفات في النقاش السياسي والمجتمعي والإعلامي المغربي، الذي يتّصف بمقادير عالية من الحيوية والسجالية، على الرغم من كل شيء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى