انتخابات أوروبا: هل هزمت الهوية العولمة؟

    ليلى نقولا

مع نهاية الحرب الباردة، وتوسّع العولمة الاقتصادية، ساد اعتقاد لدى العديد من المفكرين بأن توسّع الأسواق والحدود المفتوحة سيضعف تدريجيًا الوزن السياسي التقليدي للهويات القومية والثقافية، وأن المصالح الاقتصادية المشتركة ستصبح أكثر أهمية من الانتماءات التقليدية.

وفي لحظة كان يُفترض فيها أن تتراجع الأسئلة المرتبطة بالقومية والدين والخصوصيات الثقافية مع اتساع العولمة وانفتاح الحدود، عادت هذه الأسئلة لتفرض نفسها على معظم الساحات السياسية في العالم، وباتت إحدى القضايا المركزية التي تحدد نتائج الانتخابات، وتؤثر في السياسات العامة، وتعيد تشكيل النقاشات الدولية. والمفارقة أن عودة الهوية لم تأتِ رغم العولمة، بل جاءت جزئيًا نتيجةً لها، فالقوى التي ساهمت في ربط العالم ببعضه البعض هي نفسها التي دفعت قطاعات واسعة إلى إعادة التشبث بالانتماءات القومية والثقافية والدينية.

الهوية كعامل انتخابي

إن الحديث عن “عودة الهوية” لا يعني أن الهويات اختفت في العقود السابقة، بل أن وزنها السياسي ازداد، وأن قضايا الانتماء والحدود والهجرة والثقافة أصبحت أكثر حضورًا في المنافسة السياسية. ويكفي النظر إلى أوروبا اليوم لملاحظة حجم هذا التحول.

– في السويد، وتحديداً في انتخابات أيلول 2026، عاد الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى موقع متقدم في الحياة السياسية، لكن ذلك لم يلغِ حقيقة أن حزب “ديمقراطيو السويد” الشعبوي القومي نجح خلال سنوات قليلة في التحوّل من قوة هامشية إلى أحد أكبر الأحزاب في البلاد، قبل أن يتراجع نسبيًا في الانتخابات الأخيرة مع احتفاظه بالمركز الثالث. والأهم من حجمه الانتخابي أن الموضوعات التي رفعها، من الاندماج إلى الثقافة والهوية، أصبحت جزءًا من الأجندة السياسية السويدية نفسها.

– في ألمانيا، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” مكاسب كبيرة في انتخابات الولايات خلال أيلول 2026، واحتل المركز الأول في مكلنبورغ-فوربومرن، كما حقق أفضل نتيجة له حتى الآن في برلين. وفي الوقت نفسه، ارتبطت المنافسة السياسية هناك بقضايا الهجرة والأمن والقلق الاقتصادي وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.

– في فرنسا، يظل اليمين القومي حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، وتظهر قضية الهوية بصورة مباشرة في النقاشات حول الهجرة والمواطنة و”الأولوية الوطنية”. ومؤخراً، أعادت مارين لوبان طرح مفهوم “الأولوية الوطنية” في حملتها الانتخابية.

بهذا المعنى، لم تعد الهوية مجرد موضوع في السياسة، بل أصبحت إحدى أدواتها الأساسية. فبعد عقود هيمنت فيها الانقسامات الاقتصادية التقليدية بين اليمين واليسار، أو بين الدولة والسوق، باتت الانقسامات الثقافية والهوياتية تحتل موقعًا متقدمًا في تشكيل الاستقطاب السياسي. ولم يعد السؤال المطروح على الناخب يتعلق فقط بمستوى الضرائب أو حجم الإنفاق العام، بل أيضًا بمن ينتمي إلى الجماعة الوطنية، وما القيم التي تمثلها، وكيف ينبغي تعريفها.

أمننة قضايا الهوية

من الواضح أن قضايا الهوية والاقتصاد والأمن القومي باتت تتشابك. في كثير من الأحيان تتحول المنافسة على السكن أو الوظائف أو الخدمات العامة إلى نقاش حول الهجرة والانتماء، حيث يجري تقديم قضايا الهجرة والإسلام بصورة متزايدة باعتبارها قضايا أمن قومي.

وبعد تعاظم أهميتها وعودتها الى الفضاء العام، لم تعد الهوية مجرد شعور موجود لدى الناخبين، بل اصبحت أيضًا مشروعًا سياسيًا يُعاد تشكيله من خلال الخطاب الحزبي ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية للأحزاب الشعبوية. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الشعبوية المعاصرة: فهي لا تدّعي تمثيل المجتمع كله، بل تدّعي تمثيل “الشعب الحقيقي” في مواجهة الآخرين.

وهنا يكمن السؤال الجوهري: لماذا تتحول الهوية إلى قوة سياسية في بعض المجتمعات أكثر من غيرها؟ لا شكّ، تتداخل هنا عوامل عديدة مرتبطة بالأحزاب السياسية، والتاريخ، والهجرة، والاقتصاد، والثقة بالمؤسسات العامة ودور الإعلام وغيرها.

لقد اكتشف العالم، بعد عقود من الحديث عن نهاية الهويات، أن الانتماء ليس مسألة ثانوية يمكن تجاوزها بسهولة، فالإنسان لا يبحث فقط عن الرفاه والمصلحة، بل يبحث أيضًا عن المعنى والمكانة والاعتراف. ولهذا السبب لم تختفِ الهويات مع اتساع العولمة، بل عادت إلى قلب السياسة.

لذلك، إن النظرة الى المستقبل، قد لا تكون في النهاية صراعًا بين عالم بلا هويات وعالم تحكمه الهويات، بل صراعًا على تعريف الهوية نفسها: هل ستكون إطارًا واسعًا للانتماء المشترك، أم وسيلة لتقسيم المجتمع إلى جماعة أصلية وأخرى غريبة؟ وهل تستطيع الدول بناء هوية وطنية تستوعب التعدد، أم أن التغير الاجتماعي سيحوّل الهوية إلى أداة دائمة للاستقطاب؟

على الصعيد الدولي، إن عودة الهوية إلى مركز السياسة العالمية لم تعد مجرد ظاهرة يمكن التغاضي عنها أو إهمالها، بل أصبحت أحد المفاتيح الأساسية لفهم سياسات القرن الحادي والعشرين. ولا شكّ، يمكن حلّ العديد من الأزمات عبر سؤال: كيف يمكن بناء انتماءات وطنية وثقافية مشروعة من دون الانزلاق إلى القومية المغلقة أو الشعبوية الإقصائية؟ وهنا، يكون المطلوب ليس إلغاء الهوية من السياسة، وهو أمر يبدو غير واقعي أصلًا، وإنما منع احتكار تعريفها وتحويلها إلى معيار لتحديد من يستحق الانتماء الكامل إلى المجتمع، وبالتالي تقليص قدرة الأحزاب الشعبوية على استغلالها.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى