حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء الثامن

د.عيسى بن ضيف الله حداد

في رحاب الفتوة

في المرحلة الثانوية -عام 57 – 58 حتى عام 1960

عام 57- 1958: بدأت خطواتي تصعد نحو العلا.. دربي يقودني صوب الثانوية، إلى التسجيل واختيار السبيل.

في درب التسجيل تعرضت لقصة فكهة.. في اختياري السبيل مررت في أزمة.

كانت قريتنا في تلك الحقبة، تابعة لناحية بصرى الشام.. كلما أحتاج شأننا إلى وثيقة من السجل المدني، يتحتم علينا الذهاب إلى بصرى.

الوصول إلى بصرى مشقة، يتعين علينا الذهاب سيراً على الأقدام إلى بلدة المسيفرة، عابرين قرية الكرك. من قارعة الطريق المحاذي للمشارف الجنوبية للبلدة، علينا التقاط أية وسيلة عابرة قادمة من درعا.

استدعى التسجيل الدراسي الحصول على وثيقة من السجل المدني.

على إطلالة فجر أحد الأيام، سلكنا أنا “وجرجي” أحد أترابي” طريقنا إلى المسيفرة. بعد ساعتين من مسيرتنا كنا على قارعة الطريق. التقطتنا شاحنة صغيرة مكشوفة في جزئها الخلفي. بين الماعز اتخذنا موقعنا. ساعة ونيف وصلنا هدفنا.. بعد لأي ومزاحمة حصلنا على وثائقنا.

أزفَ طريق العودة، فشلت مساعينا.. لا مناص. – لا باص.. أمامنا قضاء الليل في بصري.. ما العمل…؟   لم نتعرف بعد على ثقافة الفنادق..  والفنادق كمنشأة لم تصل للمنطقة بعد.

ما لنا سوى ” المضافة ” في ديار الناس والأعيان.. ما العمل…!  كلانا لا يعرف أحداً.! تدارسنا الموقف.. فلنطرق إذن باب وجيه بصرى، عبد اللطيف المقداد – عضو البرلمان آن ذاك (أبو فاروق).

هي المرة الأولى التي أتجوّل فيها ببصرى.. سرنا نبحث عن ضالتنا. بصرى ترقد في تاريخها.. دورها، دروبها، أعمدتها، قلعتها، بركتها، أبوابها، وجهيرها.. كل ما فيها غارق حتى رأسه في قديمها.  [يطلق على بئر الماء في بصرى باسم الجهير، وهو قائم قرب الباب الأثري، على مقربة من سورها الغربي.]

وصلنا الدار الكبيرة، الغارقة في طابع بصرى وبيئتها.. كأغرار، لم نتقن بعد فن طرق الأبواب.. تلك هي تجربتنا الأولى.

قلت لرفيقي متهرباً: من يطرق الباب أنا أم أنت…؟ رفض هو ورفضت أنا..  لا ضير لنذهب إذن للنوم قرب الباب الأثري النبطي، في المدخل الغربي من المدينة. ذهبنا.. برودة الليل تلسعنا.. أجسادنا ترتعش.. عواء

بنات أوى ليس ببعيد عنا.. ما العمل…! لنعد إذن. في خجل ووجل طرقنا معاً، يد بيد باب الدار.. ظهر لنا رجل كهل ذو مهابة.. دونما مساءلة رحب بنا..: تفضلا أهلاً وسهلاً بكما..

خبر الرجل أمثال هذه الزيارات الليلية.. وأتقن ما يجب.. المسألة سهلة إذن.. ابتسمتُ في سري من غباء ترددننا. إلى المضافة.. الحجرة واسعة فيها رهط من الرجال.. عشر، خمسة عشر، أكثر.. لا اذكر.. تناولنا طعامنا.

مر مضيفنا الوجيه عبد اللطيف مقداد، وكان رجلاً تقليداً نائباً في البرلمان، درج في أغلب الأحيان أن يكون قريباً من كتلة البعث.. حيى الجميع..: – من أين أنتما.  – من رخم.. –  أهلاً بكما.. أيها الأستاذان.. 

تنفسنا الصعداء. رقدنا ليلنا في المضافة، برفقة هذا الحشد من الرجال.

طلع الصباح، تناولنا طعام الإفطار.. لم يكن بوسعنا مغادرة الدار دونما رؤية مضيفنا.. حشد من الناس وفد من قرى الجوار للترحيب بالنائب، وقد حضر منذ أيام من القاهرة.. كلمات الوفود تتتالى.

دونما مقدمات بادرني قائلاً: – بدنا كلمة من الأستاذ.. أخذني على حين غرة.. لم أكن بعد قد خبرت مثل هذه المواقف.. تلجلجت.. احمر وجهي.. تصبب عرقي مدرارا.. كأني سأسقط أرضاً.

تقدم النائب مني مربتاً على كتفي: – لا عليك.. تلاشى ما بي.. وما كاد الحفل ينتهي حتى أسرعنا نفر بجلودنا وقد غدا الموقف ثقيلاً.. محرجا..

آن أوان الاختيار: إلى أين، الفرع العلمي أم الأدبي.. بطبعي ورغبتي وحلمي، حزمت أمري لاختيار الفرع الأدبي..  هو هواي..

في مجلس العائلة، قال أخي الأكبر: إنه الجنون المطبق، أنت تلميذ متفوق. يمكن لك عبر الفرع العلمي اختيار الطريق الأدبي متى تشاء، والعكس غير صحيح..  أذعنت لقرار العائلة وما من مناص، إلى المدرسة يا صاح..

🛑

أيلول 1957 – على مقاعد الدراسة: .. لصغر حجمي عنّ لي أن أختار المقعد الأول، وفعلت.

تلميذ ضخم الجثة، طويل القامة، عريض المنكبين، يوحي بالقوة والشراسة، لم أره قط من قبل، يدنوا مني، ليقول لي بصوت جلف: دع هذا المقعد ليّ..

– قلتُ: لم؟ –  قال: تخلى عنه، وإلا..

قلت بصوت غاضب والانفعال يغمرني..: أني هنا لا أريم.. – أخذ يتلعثم..

قال: من أين أنت يا عجي –[ كلمة عجي تعني صبي في لهجة البدو، درج ناس قرى حوران على استعمالها في حال التحقير.؟.] قلت على الفور: من درعا. – قال: من أي عشيرة. ؟ قلتُ: من المسالمة..

حالما سمع باسم العشيرة، أُسقط في يده..- ثم قال لي: نحن أصدقاء إذن.. – تركني وشأني.

يعود هذا التلميذ الضخم إلى بلدة نوى في الغرب من حوران، انتمى وآخرون معه إلى الفريق الطلابي للإخوان المسلمين. ولمّا كان نفر من الطلبة المتحدرين من عشيرة المسالمة في تلك الحقبة ينتمون إلى الإخوان، دخل في روعه أني منهم.. حتى لو لم يكن، فلفظة المسالمة العشيرة ذات الشأن.. تلقي في القلب حس الرعب.  – ظهر له بكون شجاعتي وعنادي قد أتتني من هذا السبيل..  حتى ودونما دليل.

في اليوم الثاني، وقد تناهى له حقيقتي.. جاءني غاضباً صائحاً: – أأنت أيها الجاحد المسيحي تسخر مني.. -فات الأوان.. لا مجال للإذعان، لم يكن أمامي سوى التمسك بشجاعتي وبأسي، بالرغم من ضآلة جسدي.. قلت له: اسمع أيها الأحمق..  أنصحك أن تذهب لرعاية البقر، هذا أصلح لك..

أظهرت له استعدادي للعراك.. هدأ روعه، بدا له، أن الأمر على خطر وقد يتطوّر.. وأنني أملك من الشجاعة ما يكفي للدفاع عن نفسي.. والفضيحة ستكون أكبر.. صمت.. وأذعن.. حزت على مكاني، طفق في باقي الأيام يخشاني.. وهكذا كان.

🛑

في معترك السياسة – خريف 1957:

مازالت سورية في قلب المؤامرة الإقليمية والدولية..  دول الطوق (تركيا – مندريس، العراق – نوري، الأردن- حسين، لبنان- شمعون) – تتآمر مع أمريكا (أيزنهاور) على سورية.. رأس الحربة عملاء الداخل.

كشفت الدراسات اللاحقة، أن الولايات المتحدة سلمت الملف السوري إلى خبير دولي مختص، يعمل في المخابرات المركزية الأمريكية، هو هوارد ستون.. للرجل تاريخ حافل، قلب مصدق في إيران (1953) وانقلاب في غواتيمالا.. وغيرها.

عماد المؤامرة في الداخل: مجموعة تنتمي للحزب القومي السوري، أديب الشيشكلي بالتعاون مع العقيد إبراهيم الحسيني، الملحق العسكري السوري في إيطاليا.. اتصل المتآمرون بعدد من ضباط الجيش السوري، قاموا بدورهم بكل مهارة في إفشاء أسرار المؤامرة.. تم القبض على هوارد ستون وضابط المخابرات فرنك جيتون والعقيد الملحق العسكري بوب مولوي بالجرم المشهود، وطردوا من البلاد..[ المادة المعلوماتية مستمد من مذكرات أكرم الحوراني، بدوره استمدها من كتاب حبال من رمل، تأليف ولبر كراين إيفلاند مسؤول في المخابرات المركزية.. من أجل المزيد يمكن الرجوع إلى مذكرات الحوراني، الجزء الثالث، ص 2368-.2380. ] بعد الفشل الذريع لمؤامرة ستون، بدأ التفكير بغزو سورية.

 للموقف السوفييتي دوراً فاعلاً في إحباط مشروع الهجوم العسكري على سورية.. وقبل كل شيء كان للشعب الملتف حول البعث وحلفائه من القوى الوطنية، الدور المركزي في إفشال المخطط.

إسرائيل تدخل على الخط.. لعلها تنجز ما عجزت عنها مؤامرة دول الطوق. أرادت إسرائيل من خلالها التغلغل في المنطقة المجردة على حدود الجولان.. قام الجيش السوري بالتصدي الشجاع في معركة التوافيق.. وانتهى الأمر.

ملامح عدوان إسرائيلي واسع يلوح في الأفق. مصر عبد الناصر تلوح بالدفاع عن سورية. السوفييت يدعمون سورية. التفاف شعبي عربي حول سورية.

المؤتمر الثالث للمحامين العرب ينعقد في دمشق. لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي تتحرك.. جيش من مصر في سورية، الجيش الشعبي منتشر في طول البلاد وعرضها، الطلبة في المرحلة الثانوية نتدرب على السلاح عبر نظام الفتوة.  سورية صامدة..

صحف عالمية تتساءل: كيف تسنى آنذاك لشعب صغير، لا يتجاوز تعداده الثلاثة ملايين ونصف، من الصمود أمام الاستعمار الغربي المترافق بالضغط العدواني الصهيوني، والمحافظة على استقلاله وسيادته وتهديد النفوذ الغربي برمته، في كامل المنطقة العربية قاطبةً، التي هي أهم بقاع العالم إستراتيجية.. أجل، إنها سورية الشجاعة ” – حسب تعبير الصحافة.. سورية الشعب الذي يقرر مصيره بيده، بحرية وديمقراطية، لا يساوم فيه أحداً داخلياً أم إقليمياً أو خارجياً..

في غمرة تلك التطورات، تم انتخاب أكرم الحوراني رئيساً للمجلس النيابي.

في المعترك: نحن الطلبة، نتابع، نتفاعل، نتظاهر ونساهم في تعبئة الشعب، نتدرب على السلاح..

أضحت الوحدة مع مصر مطلباً جماهيرياً.. منذ سنوات أصبح عبد الناصر رمزاً لشعبنا.. الاستماع إلى خطبه لا يفوتها القاصي والداني.. إذاعة صوت العرب بصوت مذيعها الذائع الصيت (أحمد سعيد) محط آذان الجميع.! تحوّل عبد الناصر إلى بطل قومي في أعين الشعب العربي.

لم يتوقف عبد الناصر من دعم سورية المناضلة والصامدة.. سورية المسكونة بعروبتها..

أما كان هاجسها الأساسي منذ نشأتها ككيان سياسي.. البحث المتواصل والجدي عن الوحدة العربية.. ألم تكن عاصمة بني أمية.. والفتوحات التي جابت الآفاق…!  بدأت طلائع الوحدة مع مصر تظهر في الأفق.

أندفع البعث بكل حماسة لها.. أليست أولى شعاراته الثلاثة. كان الهتاف المحبب لدينا مقطع من الشعر، أطلقه شاعر البعث آنئذ، سليمان العيسى: “

من المحيط الهادر..   إلى الخليج الثائر..  لبيك عبد الناصر “..

اتجهت سورية بقضها وقضيضها، شعبها، جيشها، برلمانها، أحزابها، ومنظماتها المهنية، إلى الوحدة مع مصر.

شذ عن هذا الإجماع العام الحزب الشيوعي السوري، تحفظ خالد العظم.. بعدما كانا من دعاتها…!

في شهر شباط من عام 1958: يا لفرحتنا، اندمجت سورية ومصر في الجمهورية العربية المتحدة، سورية تحمل اسم الإقليم الشمالي ومصر اسم الإقليم الجنوبي..

 البلاد في عرس وعيد- في 24/2/1958 حضر عبد الناصر فجأة إلى دمشق.. ما أن علمت الجماهير بوصوله، حتى تدفقت من كل حدب وصوب إلى أمام منزل الرئيس شكري القوتلي، للترحيب به وللاستماع إلى خطابه.

كان يوماً مشهوداً من أيام البلاد.. أصبح عبد الناصر رئيساً لبلدنا. له بين نوابه، نائبان من سورية، هما: صبري العسلي، وأكرم الحوراني [لم أرغب الخوص في تفاصيل مجريات التوحيد بين البلدين، حتى لو كنا آنئذ على نتابعها عن كثب، من حيث كون اهتمامي الأساسي الكشف عن انعكاس تلك التحولات على لوحتنا الذاتية الحساسة..]

كنا نلتقط، شعر الشعراء وهم يحومون بقصائدهم حول العرس الكبير.. لنعبر به عن خلجات نفوسنا.. ونترنم به على طريقتنا. أكثر ما أطربنا، ما أبدعه شاعر البعث سليمان العيسى في قوله:

فرحة الشعب، شعبنا وهو يطوي ظلمات العصور والذل طيا

وعنان التاريخ في قبضته، ياعناني انطلق ودع قبضتيا

أنا في سكرة مع الشارع النشوان أزجي مرنحا قدميا

أنا في سكرة دفنت بها الليل ووضعت الصباح في جانحيا

أطفئوا النور ألف عام بغي، ولموا الأفراح عن شفتيا

لا تلمني فلن أعد حياتي في دروب الضياع والذل شيا

منذ يومين قد وجدت، فعمري يوم أعلنت مولدي العربيا

لعل أحلى ما قيل في لقاء الشعب مع عبد الناصر.. ما صدّح به الشاعر شوقي بغدادي، في رائعته.. حين رأى سيل الجماهير تأتي كالأنهار.

آه .. من الموكب أمس

في بلدي سيلا هدار

ومضت مثل الموجة نفسي

عائمة مثل التيار

لم أهتف.. لم أرفع صوتاً

كنت سعيداً, أين ذهبت

كنت أفكر ان الشعب

قد سبق الشعراء

كنت أنادي ملء القلب

آه يا ربي يا رب

خذني في هذا التيار

قطرة

واقذفني بين الأزهار

زهرة

وارفع لي في كل جدار

صخرة

أنا لا أرفع نهر التاريخ

لكن أعرف ما فيه

أعرف أن الشعب هو الفاتح كل مجاريه

هكذا كنا وكان.. في ذاك الزمان.

🛑

ربيع 1958- في القرية

عطلة الربيع في قريتنا أحلى الأيام لنا، ما زلنا في عرس بعدما توحدت بلدينا..

القرية تخلع عنها رداءها الشتوي، ترتدي بهاءها الربيعي الأخضر.. شقائق النعمان تتهادى في روابيها، رافعة هامتها الحمراء بين الأزهار الزاهية الألوان، بدت كعروس بين الصبايا.

حقول القرية تتماوج فيها سنابل القمح كأمواج البحر، حينما تعانقها نسائم المساء بلا حياء.

لم نعد ثلة من الأتراب كحالنا القديم، سار على نهجنا أفواج وأفواج.. تكاثر عددنا.. حل بيننا زائرات صبايا، جئن ليتبعن خطانا على درب المدرسة.

حالما يأتي الصباح وتباشر الشمس نقل خطاها على عرشها السماوي، وتلقي دفئها على أحبائها البشر، نحمل كتبنا لنسير الهوينا في دروب الربيع، نتنشق نحن وكتبنا، رائحة الأرض والعشب والزهر.

أفواجاً أفواجاً، فتيان وصبيان وصبايا.. هنا وهناك.. نتناثر بين حقول القمح، نتسلق الصخور، نقرأ، نمرح، يسرح خيالنا باللانهائي.

يحلو لي قراءة الشعر.. – بين الشعر والزهر مودة.. مذ كان للإنسان عهده.

بزغت ” الجميلة ” تتحلّى بين أترابها بلقبها.. إجماعنا الكلي السري والعلني هي.. لفيف منا دعاها بالوردة.. وهبتها بدوري في خلدي، شقيقة النعمان.

كتلميذة حلت بين ظهرانينا منذ سنوات.. ليست فذة في دراستها.. قال نفر منا، ما حاجتها، يكفيها روعتها وجمالها.

قال آخر، أجل تجمع المجد في كليته، من عائلة أعيان.. ووهبها الخالق جمالها الفتان.

كانت ” الجميلة ” محط النظر، مما وهبها صلفاً وكبرياء.. رفيقاتها عززن فيها سماتها.. ناس القرية وهبوها رائع الإطراء.. تعالت على تعالي.. تيهاً على تيه.

بطلة مجلسنا.. حين يروق لنا التحدث عن الصبابة والهوى، يطل ظلها شامخاً بيننا.. عندما تحتل النشوة أحدنا، ينبري في عتاباه.. مترنما في شكواه:

الله معك يا طالعة على المدرسي        سطور قلبي في بحر حبك رسي

وإن كان لبس الحرير بيخدش جسمكي    خذي من شغاف قلبي والبسي

ما انفك أترابي في التباري للتقرب منها، وتقديم خدمات لها ولمن دار حولها.

راحت تتعالى وتشمخ بإباء     كملكة في مملكة أترابها وأترابي الحزانى.

كغيري شغوف بها.. درجت كدأبي على إخفاء مشاعري، أكتفي بالتفكه على أترابي، كأنني أتعالى عن صنيعهم.

في سري أبني لها ملكاً وملكوتاً.. عشتاري هي، بثنية جميل.. ليلى قيس، عبلة عنترة.

أقول في سري شعراً لها..  لو أتيح لي أن أكون رساماً لجعلتها الجوكندا.. أو العذراء أم الإله.. أيقونة في كنيسة القرية.. لا.. بل كنيسة الزيتون و المريمية بدمشق.. وكاتدرائيات القدس ونوتردام باريس و فاتيكان روما..!

هي سري الخفي. أسلمت لها أمري.. ما لي ولها.. روعتها تتخطاني وتتخطانا.. إنها العلياء.. من آلهة السماء.  ألا يكفي أن يكون الحب في عمق القلب.. ألا يحب المحب الرب، من دون طلب.. كفاني وكفى..!  كالمحب الصوفي أنا..

يدفعني شغفي بها تحاشيها.. حال ألمحها أبتعد عن طريقها.. حينما تلوح لي شقيقة نعماني، آلهتي.. يتدفق الخفقان في قلبي.. يرعبني انكشاف سري وافتضاح أمري.. أأكون سخرية لأترابي…!

خيّل لي، لعلها تتساءل في سرها، لم هذا الفتى يتجنبني.. ألا يرَ – كيف الجميع يتزلف لي..  ولو شئت لخرّوا ساجدين.. دأبت تنظر إلي من طرف خفي، تخفي ابتسامتها عندما تراني.

لم يتجرأ أحد للبوح لها بما فيه من لوعة ولهفة، هاجسهم التقرب منها، غدت لهم كالقمر، يرونه من بعد، لا يدانيه أحد.

بقيت الجميلة ملكة على أترابها وأترابي مالكةً لقلوبهم وقلبي، ما دامت تسعى في قريتنا.. هكذا كنا وكان في ذلك الزمان.

🛑

بعدما حل حزبنا كيانه التنظيمي، بدا لنا أن نصنع شيئاً ما في قريتنا.. اهتدينا إلى وسيلة بديلة لتجمعنا. اقترحت على أترابي تأسيس فريق رياضي ثقافي.

تم الأمر، تيمناً بطقوسنا الحزبية التي مازالت ماثلة بيننا،

وضعت للفريق شعاراً ونشيداً. كان الشعار ” خلق رياضي واتحاد.. ركن لمن راد الجهاد “.- أما مطلع نشيدنا فقد تجلّى في بدايته” فريقنا فريقنا.. “.

كنا نقلد بذلك شعار ” أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ” ونشيد البعث يا شباب العرب هيا لبلوغ الأرب – وارفعوا الصوت قوياً عاش بعث العربِ.

تفتقت أذهاننا عن طريقة مبتكرة لتمويل فعاليات مشروعنا. أقدمنا على استعارة قطعة صغيرة من الأرض وزرعناها عدساً.. حصدناها.. بعنا المحصول. كان

المبلغ كافياً لشراء مقتنيات كرة الطاولة وكرة الطائرة.

فيما قبل، كنا نمارس كرة القدم، شأنها لا يستلزم أكثر من حجرين للمرمى، وكرة. كان الملعب متيسراً.

منذ سنوات عدة، توفر لقريتنا مدرسة منظمة، فيها عدد من الحجرات وملعب. تقدمت فعالياتنا الرياضية، نظمنا مباريات عدة، مع فتية بلدة الحراك المجاورة لنا.

كانوا على شاكلتنا من أتباع الحزب. كنا نفوز بالأهداف في معظم الأحيان.

تفوقنا الرياضي يعود أساساً إلى حارس المرمى لنا، فتى قريتنا ” موسى “، وقد تمتع بكفاءة بدنية تؤهله لالتقاط الكرة بمهارة.. دوري في المحل الثاني، من خلال قيامي بدور الدفاع.

من الذكريات الهزلية في ممارستنا الرياضية تلك: كان من دأبي، أن أضع قطعة صغيرة من الفخار ” تدعى في الدارجة قِحفة “- في مؤخرة حذائي، كي يصبح الحذاء على درجة من التماسك لتغدو ضربة الكرة قوية. عندما كانت الضربة تفشل، كان يصرخ أحد أترابي بحدة.. ويحك ألم تضع” القِحفة “.

لم يكن تأسيس النادي الرياضي مجرد حدث عادي، ليعبر بصمت في القرية، إنما غدا محط أنظارها وأحاديث سهراتها، ودخل في قاموس غناء أعراسها.  ها هن الصبايا يؤلفن الأغاني، تمجيداً لشبان النادي والنادي.   ” وبعيني شفت الشباب.. غرب البلد بشوية.. يا مناضل.. – يلعبوا بالرياضة… الخ.. ” –

أتاح لنا النادي وضع الأساس لتواصل ثقافي وسياسي ورياضي منظم، درجنا على ممارسته في أيام العطل المدرسية، تواصل منذ تلك اللحظة.. حتى تفرق شملنا.

على نهج هذا السبيل، حافظنا على تكاتف حزمتنا الحزبية في القرية في تلك الحقبة، حتى حلول التلاشي والذوبان في حضن السلطة.. ولعلها هي المفارقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى