
المخاض السياسي 1957
في القرية: أصبحت ساحة القرية في شأن السياسة حكراً لنا بلا منازع.. أنضم إلينا فلاحون وكهول يقومون بأعمال مختلفة. خبا تأثير الشيوعيين، صار شأن القوميين السوريين إلى اندثار..
نحن البعثيون في القرية وحدنا، مَن يمثل القيم الجديدة، القوميون السوريون سابقاً والشيوعيون ورثتهم لاحقاً – في قريتنا – يحومون حول هذه القيم دونما أصالة، بل لا يعدم شأنهم من وجود أزيز ديني في صلب اختياراتهم، كلاهما يخفون الضغينة للإسلام، أو على الأقل يرفضونه سراً كمعلم ثقافي.
في حين يكون الإسلام كحقيقة ثقافية لنا نحن العروبيين.. وكتابات مشيل عفلق عن الإسلام والنبي محمد.. أصدق شاهد.
استطعنا غراسة قيمنا الجديدة في أهلنا، ولم يعد أي صوت يرتفع غير صوتنا في قريتنا.
في ذلك الزمن، كانت القرية تتعرض بين الفينة والفينة لحوادث سرقة، يقوم بها لصوص آتون من القرى المجاورة.
منذ قديم الزمان بين قريتنا وتلك القرى صداقات وطيدة، لم تنقطع قط.
لم يحل ذلك دون وجود ثلة من اللصوص الذين يجوبون القرى المجاورة.. زُين لهم أن قريتنا هدف سهل، اعتقدوا واهمين أن ضعف قريتنا يكمن في مسيحيتها.. ربما كان في يوم مضى.. بيد أن ريح التقدم في الوعي والسلوك قد هبت على المنطقة، وأخذت تقتلع الأشواك والأفكار الضارة.
في سلوكنا ووعينا تخلصنا عن أحاسيس الضعف والدونية.. بيد أن زمرة اللصوص ما زالت تعوّل على استلهام ما أندثر.
شاء للمتقدمين فيما بيننا، أن يقوموا بعملية مبتكرة تجلب للقرية أمنها وتعزز ثقتها بنا.. تم دعوة صلاح الدين البيطار لزيارة القرية.. لبى الرجل الدعوة.
زحفت القرية برجالها ونسائها وأطفالها لرؤية، رجل على درجة كبيرة من الأهمية، يأتيها لأول مرة في تاريخها.. منذ وُجدت كقرية.
وقف العم ” عازر حداد- أبو سرور” وكان فصيحاً صريحاً، تخرج كلماته من فمه دون لجلجة أو حساب.
قال مرحباً وواصل، قل لنا من نحن.. هل نحن عرب أم رومان.؟ نحن ورثة الأنباط وبني غسان، وُجدنا في هذه الأرض كعرب قبل الإسلام، فلم هذا الإنكار والاستكبار! قام آخر بتقديم كوب من الماء من بركة القرية، وقد ملأته الديدان والطحالب الخضراء.
على مشهد من الجميع، ترقرقت الدموع في عيني صلاح الدين البيطار.. جاءت الأيام تتالى.. لم تتوقف دوريات الدرك من زيارة القرية.. عم الأمن في ربوعنا.. وإلى العلياء ارتفعت شامخة هاماتنا.
🛑
في درعا– منذ سنوات خلت، توسع شأن التعليم بها، غدت تمتلك مدرسة الإعدادية الشرقية، الواقعة على التخوم الشرقية من المدينة، وإعدادية وثانوية موحدة تدعى الغربية، ومدرسة للبنات إعدادية وثانوية موحدة.
شاء التنظيم المدرسي، أن يتم نقلي وآخرون معي إلى إعدادية المدرسة الموحدة (الغربية). كان ذلك بمثابة امتياز لنا.
كانت الثانوية تتمتع بإدارة خالد الفاهوم، الذي عكس ذاته وشخصه وهويته السياسية، بطريقة منهجية ومهنية سليمة، على طبائع الأمور في تلك المدرسة.
توزع المدرسون في تلك الفترة، بين تيارات ثلاث، البعث والشيوعيون والإخوان المسلمون، ومستقلون لهم أهواء قومية تقدمية- كخالد الفاهوم ذاته.. مثل الإخوان الأقلية بين المدرسين، في حين انتمت الغالبية إلى التيارات الأخرى. [ الغني عن التعريف، أن الأستاذ خالد الفاهوم من أصل فلسطيني، لعب دوراً مهماً في المجلس الوطني الفلسطيني. وافت المنية الأستاذ خالد الفاهوم /5/20/ 2006]
كان الوضع مختلفاً في الوسط الطلابي، لم يكن للشيوعيين قوة ذات أهمية، بينما تمتع الإخوان المسلمون بقوة وفعالية.. يمكن اعتبار الاتجاه البعثي هو القوة الأساسية، يقف إلى جانبه تيار طلابي مستقل قومي المشاعر، تقدمي الأهواء.
يتسلل الصراع السياسي الحزبي بيسر وسهولة، إلى حرم المدرسة، وحتى داخل الحصص. كان مجاله على الخصوص دروس التاريخ، والأدب، والجغرافية، والرسم.. كنت شغوفاً بتلك الحصص الدراسية، أجد فيها ذاتي السياسية.. ومتألقاً في دروس الأدب العربي. قيض لي كتابة بعض القصص القصيرة وقراءتها في الحصة.
طلب المدرس، ذات مرة أن نكتب على عجل عن عواطفنا ونحن نعيش معركة السويس.. وضعت نفسي على هامة أهرامات مصر أناجيها..
أثنى المدرس على ما كتبته.. وقد أطربته صورة الوقوف على، مناجياً شعب مصر.
كان لمدرستنا حظاً استثنائياً في عدد من المدرسين الممتازين، من بينهم مدرس الرسم (الفنان) نعيم إسماعيل.. لم أكن بارعاً في فن الرسم، بيد أّني كنت على شغف في دروسه، لأنها حوّلها إلى ثقافة حرة.. درج على التجول بنا في عوالم فكرية متنوعة.
في إحدى المرات وعلى هامش عيد الأم، أراد منا إلقاء كلمات.. بدأت كلمتي بقول شاعر النيل، حافظ إبراهيم.
” الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق ” جُلتُ في مسألة المرأة.. حريتها تعلمها، دورها في المجتمع.
ثارت ثائرة مجموعة الطلبة من الإخوان المسلمين.. دار حوار حار.. خصني الفنان نعيم إسماعيل بطيب الثناء.
حصة التاريخ مدار الحوار السياسي: دأب المدرس الشيوعي على إثارة حوار في موضوعات شتى.. ثقافتنا في الفكر الماركسي آنئذ شحيحة.. بيد أننا كنا على دراية بموقف ستالين من القضية الفلسطينية، ومواقف الأحزاب الشيوعية العربية في مرحلة قياداتها الستالينية من قضايا التحرر الوطني والمسألة القومية.
ندرك تمام الإدراك انغماس الشيوعيين العرب في مطب إستراتيجية السوفييت – كما لو أنهم في عداد السلك الدبلوماسي لهم.
دأب المدرس الشيوعي التداول مع هذه المسائل بطريقة مواربة، بهدوء جم.. تصرف أحد رفاقنا بطريقة فجة خارجاً عن حدود اللياقة، اضطررت لزجره.. كدنا نتشاجر.
كان عاماً حاراً مفعماً بالأحداث والصراع السياسي بأشكاله المختلفة.. دخل في روعنا أننا ننتقل من انتصار إلى انتصار.. إلى نهاية المشوار.
اجتزنا الامتحان.. إلى القرية يا ربعنا.. للامتحان في قريتنا له صولة وجولة، يكرم المرء فيه أو يهان.. تكفهر وجوه وتنفرج أسارير، حملت الصحافة والإذاعة الأنباء.. ظهرتُ متفوقاً، وها أنا ذا، في باكورة عمري، يحملونني لقب أستاذ..
🛑
حل الصيف. وأقبل العمل
أتى لا بد من لا بد منه.. سبقني والدي وأمي وأخي الأصغر إلى المبتغى الصيفي، في ظهور الشوير… هي يرتادها المصطافون، ونقصدها نحن للعمل، ولكم هي من ثنائية لنا مقيته.
في رحلتي رافقني هذه المرة ” جريس “، صبي في عمري قريب لي، أراد أن يجرب حظه، لعله يكسب مالاً مثلي..
كان خيارنا للسفر عبر القطار.. لكونه ينطلق من دمشق مساءً ليصل بيروت فجراً، مما يتيح لنا الصعود إلى ظهور الشوير صباحاً.
حل يريحنا من عناء البحث، عن مبيت لدى قريب لنا أو أحد معارفنا في دمشق أو بيروت.
فنحن مازلنا على فطرتناـ لم يكن من دأبنا قط البحث عن فندق.. ليس ببعد من تقاليدنا.. ولم يدخل قط في قاموسنا اللفظي أو الذهني ولا المالي.
دامت رحلة القطار، ما يقارب اثنتي عشرة ساعة، في مسافة لا تعدو عن ثمانين كيلو متراً..
يسير القطار ببطء شديد، في صعوده لظهر البيدر، بمقدور أي كان الهبوط والصعود إليه في آتون حركته…!
وصلنا بيروت فجراً. في الحافلة فوراً، إلى ظهور الشوير. حطت أقدامنا ساحة المدينة الساعة السابعة صباحاً. أخذ الإعياء منا أي مأخذ. جلسنا للراحة على حجارة الرصيف في الساحة الرئيسية.
كدأبهم، يتقاطر العمال إلى الساحة، لينتظروا حظوظهم مع السادة الباحثين عن عمال مياومين.
على حين غرة، ظهر شرطي البلدية مختالاً ملوحاً بسوطه الأسود.. اقترب إلى نفر منا قائلاً: هلموا.. خيل لي أن الأمر لا يعدو أكثر من دعوة لعمل كسخرة.. جاءني ورفيقي.. آمراً لنا.. – بعفوية مطلقة رفضت دونما مجادلة.. فالإعياء قد حل فيّ.
أخذ يزمجر قائلاً: في الكويت يدفع اللبنانيون ضريبة لمجرد تواجدهم فيها..
قلت: هذا ليس من شأني.. طلب مني مرافقته إلى مكتبه. – دونما وجل، لبيتُ دعوة الرجل.
على طرف الساحة الجنوبي يقوم كوخ خشبي ازرق اللون، اتخذه شرطي البلدية مكتباً، يدير فيه ما شاء له من قضايا عالقة في أرض المكان.
دلفنا حجرة المكتب.. فوجئت بالشرطي يرفع سوطه ليضربني.. لا أدري أية قوة انبعثت فيّ على التو، ما كان مني وبحركة انعكاسية سريعة، التقطت رسغ يده، واختطفت السوط منه، ورميته بعيداً عبر كوة المكتب.. بحركة أخرى عنيفة – دفعته من طريقي وأطلقت ساقي للريح باتجاه المخيم.
برفقة رهط من الناس، راح الشرطي يجري ورائي.. في لحظة حرجة خطر ببالي.. سيدركونني لا محالة. عبرت أول منزل لحظته على يميني.
لمحت في الحديقة، عائلة تجلس حول مائدة الإفطار.. أذكر، أنّي صرخت بأشياء ضد العبودية والشرطي. لم يحركوا ساكناً.. أخذتهم المفاجأة – كما لو على رؤوسهم الطير.
بسرعة البرق وخفة الأرنب تسلقت الجدار المقابل للحديقة، وكان على علو، يغمره نبات شائك.. وبسرعة الملهوف، ألقيت بنفسي إلى الجانب الآخر.. وجدت ذاتي في غابة من أشجار الصنوبر.
كل ما جرى محض مصادفة، فرضتها لحظات متوترة وحرجة، وبحالة ارتكاس.
قطعت الغابة باحثاً عن منفذ، يؤدي إلى مخيمنا.. بارتياع استقبلتني أمي، بالماء نظفت سحوج جسدي.. نزعت سروالي الممزق.. استلقيت باحثاً عن الأمن والراحة.
سردت الحادثة إلى أبي، قال لي: لا عليك سوف ينسى الأمر.. إن تمادى سأرى المختار.
كنت قد درجت في الأحوال العادية، على ارتداء ملابسي القروية: سروال وقميص.. حينما أكون في المدرسة ارتدي ملابس مدنية، بنطال وقميص.
وفر لي ارتدائي لملابسي القروية، آنئذ ملاذاً آمناً.. ربما قد موه إلى حد ما شخصيتي؟ جرى ما جرى على مشهد ومرأى جمع من الناس، بما فيهم لفيف من عمال المخيم.
ذات يوم، التقيت مع صبي من عمري، حدثني عن ” فتىً علوي ” صنع ما صنع بالشرطي..- لم يكن هذا ” الفتى العلوي “سواي.. متسربل في سروالي، الواسع الفرج والمشدود الدكة…!
لم يطق مرافقي ” جريس ” صبراً.. لملم حوائجه.. خائباً عاد إلى القرية خاوياً.
التقيت مؤخراً بمرافقي في هذه الرحلة ” جريس “- بعدما عاد من المغترب في فنزويلا، ذكرني بالحادثة، وصححها لي، قائلاً، أن الشرطي رغب أن يزجك في توزيع بيانات للقوميين السوريين. – أحبطتَ صنيعه – كانت تلك البلدة العرين للقوميين السوريين.
ها أنت يا فتى الذي هو أنا – قد أدركت بما لم يخطر ببالك قط، من انجاز عمل ليس لك، هو ضد معتقدك..
هل هو العقل البطن الذي فيك، قد أوحى لك، المضمر في هذا العمل…!! وقد كان ما كان..
🛑
بعد لأي، عثرت على عمل. رسا حظي هذه المرة على فندق، بأجرة شهرية مقدارها أربعين ليرة لبنانية.
كان نزلاً متوسط الحال، يقيم في القطاع الشرقي من المدينة. يحده في الخلف من الغرب تلاً مرتفعاً تغطيه أشجار الصنوبر الباسقة علواً. يترآى في الأمام من الشرق جبل صنين المرتفع إلى العلياء بإباء.
كان عليّ العمل في كل شيء، من الصباح الباكر حتى المساء المتأخر.. هذا ما كان يؤرقني.. لا مناص فالأمر هكذا، مر صعب المذاق، وما في اليد حيلة..
أكثر ما يثير حفيظتي اضطراري للنوم في الفندق.. لمهمة استقبال الزبائن، وقد يحضرون ليلاً.
طلب مني صاحب الفندق، تمهيد بقعة ضيقة من الأرض في الغابة خلف الفندق، بمساحة تكفي شخصاً واحداً، ومن ثم نُصب فيها ما يشبه الخيمة لتكون مقراً لي في نومي… هالني الأمر.
لم أنم ليلتي الأولى، فالبرد والرطوبة وأصوات الحشرات كانت كفيلة، بطرد لغة النوم عن عيني..
حالما لاحت خيوط الفجر الأولى، تسللت لأرى أبي، وصفت له الحال، حضر أبي ليرى صاحب النزل.. تم الاتفاق على وضع فرشة متواضعة خلف مكتب الدخول، على أن أخفيها عن الأعين قبل تباشير الصباح.. وهكذا كان.
لم يكن يواسيني في عملي سوى مخيلتي، وقد دأبت ترحل بي بعيداً عبر الآفاق إلى قريتي وأترابي ومدرستي، ورفاق حزبي.
كان بوسعي أن استرق السمع إلى المذياع لالتقاط قبس من الأنباء.. أزجي يومي صامتاً لا أكلم أحداً، لا أحد يكلمني، سوى ما يفرضه العمل من شأن.
في أمسية ما حل في النزل مصطاف من العراق، يحمل لقب دكتور.. طبيب أم أستاذ جامعي، لا أدري…؟ اعتاد على الحضور إلى هذا النزل كل صيف. حملت حقائبه وأودعتها في حجرته ما، كان منه سوى مد لي ليرة لبنانية. أحمر وجهي خجلاً وتصببت عرقاً، لم أكن أألف مثل هذا الموقف. رفضت وأدرت ظهري ووليت مسرعاً.
في اليوم التالي رآني، قابلني بابتسامة، كأنما قد أدرك ما بي من أحاسيس، قدم لي كتاباً، قبلته شاكراً.
ذات يوم، تم تشغيل امرأة كهلة، مهمتها غسيل الثياب. كان عليها أن تقوم بعملها في فسحة تقع في الركن الخلفي من النزل، حيث أكون أنا في سحابة من النهار، وحدها مَن كان يكلمني بلطف..
استرعى انتباهي، حينما كانت تجلس القرفصاء وراء طشت الغسيل لتباشر عملها، يظهر ما بين فخذيها عارياً. لم يزعجني الأمر اكتفيت بغض الطرف.
لم يمر أسبوع على عملها، حتى تم طردها واستبدالها بأخرى.. قيل عنها، أنها كانت تبحث عن الرجال…؟ كانت البديلة لها، أكثر حرصاً في سلوكها وجلستها.. حرصت على إخفاء فخذيها وساقيها.. لم يكن يعنيها أمري.. بيد أنها سببت لي مشكلة لسبب واهٍ.
كنت قد دأبت على جمع الصحف والمجلات القديمة وبعض الأوراق نصف البيضاء.. وأودعها في ركن قصي من خلال كوة قائمة في الحائط الشمالي للنزل.. لأحملها معي عند عودتي إلى خيمتنا، بعيد ظهيرة يوم الأحد، فسحة راحتي الأسبوعية. عمدت هذه السيدة – الشغالة، لإبلاغ صاحب النزل، بما اشتبهت كسرقة.. تم مباغتتي وأنا في غمرة شروعي في حمل هذا الكم المتراكم من الصحف والمجلات والأوراق.. لم يجد الرجل ضيراً في حمولتي، فأُسقط بيده ويدها.. شعرتُ بطعنة في كرامتي.
عزمت أمراً في سري.. طفح الكيل بي، رجوت أبي، أن يجد لي عملاً آخر. عثر عليه في آخر الأمر.
كان عليّ هذه المرّة، أن أهتم بحديقة كبيرة، لفيلا فخمة مؤلفة من ثلاثة طوابق.. حفر وتشذيب وسقاية.
تقع الفيلا على المحور الشمالي من امتدادات المدينة.
تطل من موقعها على جبال كسروان، وقد كساها الاخضرار، ومن طرفها في أقصى الغرب تطل على البحر الأزرق، في امتداده المتعرج نحو الشمال.. يجاورها من شمالها منحدر يغور عميقا في واد عميق.. ومن جنوبها الطريق الممتد غرباً نحو بيروت.
تعود هذه الفيلا إلى ملكية أسرة سورية من حلب. لم يكن من شأني البحث عن هوية هذه الأسرة والتواصل معها.. جل اهتمامي إنهاء نهاري وذهابي لحالي لأنضم إلى أمي وأبي.
يشرف عليّ في عملي، رجل كهل دوره كمتعهد.. فمثل هذه الأدوار كانت قائمة على قدم وساق في مصايف لبنان.
ومن ذا الذي يصون هذه الممتلكات ويرعاها حينما يرحل الصيف وتصبح المدينة خالية الوفاض.. وملاذاً للبرد والريح والمطر والثلج…!
كان الرجل – متعهد العمل، ينتقل من موقع إلى آخر في أرجاء المدينة.. لم يأنف حين يراني من إلقاء الشتائم على المسلمين والروم الأرثوذكس والسخرية من أبناء حوران..
تجرأت مرة على مشاكسته.. باستغراب حدق في عيني مكتفياً بالصمت.. وأنّا له أن يجد حمار عمل مثلي، يقوم بأود الحديقة الكبيرة بكل ما فيها من نبات وأزهار وأشجار وحفر وسقاية بأربعين ليرة لبنانية…! ألا يجني من على جهدي ربحاً، أجهل مقداره؟
بدا لي هذا العمل أفضل من النزل. ها أنا أبدأ في الثامنة صباحاً وانتهي في السادسة مساءً، مما يوفر وقتاً لي ولشؤوني.. لعلي أقرأ شيئاً أو أترصد نباْ.
درجتُ على متابعة الأنباء، بما توفر لي من صلات في مخيمنا البائس.
شرعت الولايات المتحدة تتصرف بعصبية إزاء سورية التي عززت علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع الاتحاد السوفيتي.
أحكمت الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها سابقاً على الأردن، بعد انقلاب الملك حسين على الوزارة الوطنية فيه، وعلى لبنان من خلال نظام كميل شمعون.
مؤامرة أمريكية جديدة تتكشف على سورية، تعتمد فيها على دول الجوار، تركيا وإسرائيل والعراق، وحفنة من السياسيين التقليديين والعسكريين السابقين.
أُجهضت المؤامرة في مهدها، وللموقف السوفيتي أثره في لجم التحرك العسكري التركي. تم طرد ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين من البلاد بسبب انكشاف تورطهم في المؤامرة الفاشلة.
يهيمن حولنا في لبنان زعم خاطئ، بكون سورية قد صارت بلداً شيوعياً لا محالة، يرددها القاصي والداني.
ذات يوم من أيام الأحد، نظم المعسكر الكشفي المجاور لمخيمنا، احتفالاً حضره جمع غفير.. قالت لي أمي: هيا اذهب وانظر وروّح عن نفسك، يكفيك انغلاقاً هنا.. رحت متثاقلاً لأرى.
طرق مسامعي حوار محتد بين شابين. اقتربت- ظهر لي، أن الأول ينتمي إلى الحزب القومي السوري، بينما الثاني كتائبي.. تركز الحوار على سورية.. اتفق الشابان بكون سورية، وقعت في قبضة الشيوعية السوفيتية وغدا الوضع خطيراً.
شرعت في القول، بأن الأمر مجرد وهم.. لم يعر الاثنان انتباهاً لي ولكلماتي المتعثرة الأولى، كأنني حشرة لا قيمة لها.. حبست كلماتي في فمي.
أجل، لا طائل.. أنه من الجنون المطبق، التدخل في هذا الجدل.. ومن يدري…؟ ربما يلحقني وذوي أذىً نحن بغنى عنه.. لجأت إلى صمتي، سحبت ذاتي من ساحة الاحتفال، أجرُّ في خطاي مرارة الخيبة، عائداً إلى الخيمة.
انتهى صيفنا، عدنا إلى عريننا، في قريتنا..






