علّمتني الثورة السورية

مؤيد اسكيف

كثيفة، عميقة، وكثيرة هي المعاني والدروس التي يمكن أن يتعلمها المرء من الثورة السورية ومساراتها المعقدة. لم تكن تفاعلاتها حدثًا سياسيًّا فحسب، بل كانت انفجارًا وجوديًّا اقتلع البنى العميقة في الدولة والسلطة والمجتمع، وهزّ المنطقة برمتها، بل هزّ العالم في مفاصل عديدة. وتصارعت في يومياتها الأسئلة والمفاهيم والعقائد والسرديات، وتداخل فيها المتخيَّل مع الواقع، الماضي مع الحاضر، الممكن والسينمائي مع المستحيل.

ربما هي من اللحظات النادرة – مع مشاهد الحرب – التي يتجسد فيها الشرّ بلا أقنعة. كانت الخطايا السبع، والمحرمات جميعها، تتراقص على أسنّة السيوف وفوّهات البنادق ومنصات إطلاق الصواريخ، كما كانت حاضرة على موائد التفاوض، والصفقات والمصالح والتآمر. لم يكن العنف أداة وحسب، ولم يكن التوحش وسيلة للنصر، بل كان لغةً كاملة، ونظام معنى، ومنظومة تفسير للعالم ومرآة لغرائز بدائية يصعب تهذيبها.

لكن، في قلب هذا الجحيم، تعلّمت.

تفكيك اليقين

علّمتني الثورة السورية أن الحرية ليست شعارًا أخلاقيًّا أرفعه في وجه خصمي، بل اختبارًا أمارسه حين يختلف معي الآخر.

علّمتني أن أحترم حرية الآخر، لا لأنه يشبهني، بل لأنه لا يشبهني.

أن أقبل حقه في اتخاذ الرأي الذي يحب، واعتناق الفكر والدين الذي يريد، وأن يأكل ويلبس ويغني ويمارس مختلف أوجه النشاط الإنساني كما يحلو له.

لم أعد أرى في الاختلاف تهديدًا لهويتي، بل اختبارًا لها من جهة وتأكيدًا عليها من جهة أخرى، فالهويات التي تخاف الاختلاف هويات هشّة، مضطربة، والهويات الواثقة لا تحتاج إلى إقصاء الآخر كي تثبت وجودها.

علّمتني الثورة أن أمارس نقدًا مزدوجًا:

نقد السلطة حين تستبد وتتسلط، ونقد الذات حينما تتشابه مع هذه السلطة. واكتشفت أن ما نجزم بأنه الحقيقة الآن، قد نراه وهمًا لاحقًا. وأن كثيرًا من “اليقين” الذي تربينا عليه لم يكن إلا نتيجة وهمية لبيئة مغلقة، وخوف مزمن، ونظام مستبد لا يسمح بالأسئلة والتفكير النقدي، بل يخاف منها.

لقد كانت الثورة -في أحد وجوهها- تمرينًا قاسيًا على الشكّ الصحي، الشكّ الذي لا يهدم القيم، بل يهدم ادعاء امتلاكها المطلق، الشكّ الذي يجعلني أقل صراخًا وأكثر إنصاتًا، أقل يقينًا وأكثر بحثًا وتساؤلًا. لقد تعلمت أن الحقيقة ليست صخرة صماء بل أفقًا فسيحًا رحبًا، وأن القناعة إن لم تمر عبر نار الشك والسؤال فسوف تتحول إلى صنم.

تعلمت أن الاستبداد لا يسكن في القصر الجمهوري وحسب، بل قد يسكن في داخلي، وفي طريقتي في التفكير، وفي نزوعي لفرض قيمي على غيري لأني أرى أنها الحقيقة.

تحرير الداخل من عقلية الوصاية

علّمتني الثورة ألا أكون شرطيًّا على سلوك الآخرين ومعتقداتهم، مهما كان ذلك مخالفًا لقناعاتي ومبادئي وقيمي الأخلاقية. فالحرية لا تتجزأ. وإذا كنت أطالب بحقي في الكلام، فلا يحق لي أن أضيق بكلام غيري لأنه لا يعجبني أو لا يوافق أفكاري.

تعلمت أن الاستبداد لا يسكن في القصر الجمهوري وحسب، بل قد يسكن في داخلي، وفي طريقتي في التفكير، وفي نزوعي لفرض قيمي على غيري لأني أرى أنها الحقيقة.

تعلمت أنني إن لم أحرر نفسي من عقلية “أعرف أكثر – أمتلك الحقيقة واليقين”، فقد أكون نسخة مصغّرة عمّا أرفضه.

وأتعهد – لا كشعار بل كمسار حياة – ألا أفرض وصايتي على أحد، بما فيهم أبنائي بعد استقلالهم، وألا أكون وصائيًّا أو تسلطيًّا على أحد، ذكراً كان أم أنثى. وأن أدافع عن حق الآخر في ممارسة حريته ما دام لا يمارس عنفًا ضدّ غيره.

إن الحرية التي لا تشمل خصمي ليست حرية. والعدالة التي أطالب بها لنفسي يجب أن أقبلها لغيري. فلنكن عادلين أليس كذلك؟!

الثورة على النفس

علّمتني الثورة أن أراجع نفسي بقدر ما أراجع الآخرين. أن أثور على قناعاتي إن لزم الأمر. أن أفتّش في جذور أفكاري وأرى إن كانت نتيجة لاختيار حر، أم نتيجة لخوف قديم؟ هل هي اختيار، أم ميراث لا يقبل الشك؟

لقد أدركت أن كثيرًا مما ورثناه لم يكن خاطئًا بالضرورة، لكنه لم يكن مقدسًا أيضًا. وأن الأفكار التي لا تُختبر ولا تكون رحبة بما يكفي تتحول إلى سجن.

لقد أعادت هذه الثورة صياغة مفاهيم الوطن، والهوية، والكرامة، والحرية، والعدالة. فالوطن لم يعد أرضًا مجردة وحسب، بل علاقة أخلاقية بين أفراده، أشجاره وحيواناته، سهوله ووديانه وبناه التحتية.

والهوية لم تعد سلاحًا في وجه الآخر، بل مساحة للتنوع والتفاعل.

والكرامة لم تعد شعارًا نرفعه في ساحات الرفض والتظاهر، بل ممارسة يومية في احترام الذات الإنسانية.

والحرية اختبار دائم للقدرة على التفكير من دون أسلاك شائكة.

والعدالة ليست ترفًا يتم توزيعه بقدر ما هي حقٌ أصيل تصان به الكرامات، ويقام عليه العقد بين البشر قبل أن يكون عقدًا بين المواطنين.

اعتراف شخصي

على المستوى الشخصي، لم تكن هذه التحولات سهلة، لكني أدعي قابليتي لها، وفي حين كنت أظن نفسي واضحًا وصلبًا ومتماسكًا، جاءت الثورة فكشفت هشاشة كثير من التصورات المسبقة. هشاشة بتأثير البنية الاجتماعية، وهشاشة بتأثير المجال العام الذي انقلبت فيه معايير القيم، وهشاشة من تدنّي جودة التعليم العام الذي ضاعف من حدة الأعراض المزمنة للمجتمع.

في لحظات كثيرة شعرت بالغضب حتى سيطر على لغتي، وأحيانًا بالتعميم، وكذلك بالانتقام الرمزي، وحتى النية في إلغاء الآخر. في قلب الجحيم كنت ساخطًا. لكنّي ما ألبث أن أعود لأسأل نفسي: هل هذا ما خرجنا لأجله؟ لايمكن أن نكون من دعاة العدم والعدمية.

علّمتني الثورة أن الشجاعة ليست فقط في مواجهة الرصاص، بل في مواجهة النفس حين تميل إلى التطرف.

أن أقول: كنت مخطئًا. أن أراجع خطابًا أو مقالًا كتبته. أن أعدل فكرة ظننتها نهائية. وأن أكون موضوعيًّا وعادلًا في حكمي على الآخرين وعلى الأفكار والقضايا والأحداث.

هذا الاعتراف ليس ضعفًا كما يتصور بعضهم، بل هو ما حررني ومدّني بالمزيد من القوة والصلابة.

لا يمكن أن تقاس الثورات فقط بمن يصل إلى الحكم رغم أهمية هذا المقياس، بل بمن يخرج من داخله إنسان جديد ويلتزم بأهداف الثورة ومثلها العليا التي نمني النفس بها. فهي ربما خلاصنا الوحيد بعد كل ما جرى.

الخروج من الكهف الجماعي

لقد خرج السوريون – فجأة – من عتمة الكهوف، ودخلوا مباشرة إلى ساحة التفكير العام، بعد عقود من مصادرة السياسة. صاروا تحت ضوء الشمس والجميع يناقش:

ما معنى الدولة؟

ما معنى الديموقراطية والانتخابات؟

ما حدود الدين في المجال العام؟

ما معنى المواطنة؟

كيف نبني المستقبل؟

صحيح أن الإجابات لم تكن ناضجة دائمًا، لكن السؤال نفسه كان حدثًا تاريخيًّا. إنه الخروج   –  ولو جزئيًّا – من الكهف الذي عشنا فيه كسوريين طويلًا. الكهف الذي كانت فيه عملية التفكير تجري نيابة عنا واللغة فيه تُفرض علينا، والقرار يصدر باسمنا، ومحاكم التفتيش في انتظارنا إذا فكرنا في الاعتراض.

نحن الآن تحت وطأة قلق الأسئلة، لكن هذا القلق الصادق أفضل من الطمأنينة الزائفة. القلق هو ما يبني الحضارات الإنسانية لأنه يبحث عن معنى، في حين أن الطمأنينة عبارة عن استرخاء ذهني، وكسل في التفكير.

خاتمة وجودية

نعم، سوريا في هذه الأيام ليست بخير أبدًا، والعنف لم ينتهِ بعد، والانكسارات كثيرة. لكن شيئًا ما تغيّر فينا إلى الأبد. لقد تغيّر وعينا بذواتنا وتغيّرت أسئلتنا ولم نعد كما كنا.

في اعتقادي، لا يمكن أن تقاس الثورات فقط بمن يصل إلى الحكم رغم أهمية هذا المقياس، بل بمن يخرج من داخله إنسان جديد ويلتزم بأهداف الثورة ومثلها العليا التي نمني النفس بها. فهي ربما خلاصنا الوحيد بعد كل ما جرى.

وما أكثر ما يتعلمه المرء إذا ما تمعّن في الثورة السورية.

هامش أخير

ربما.. لن تُكتب الثورة في كتب التاريخ كما عاشها جيلنا. لن تُنقل رائحة الخوف والموت والدم في الأزقة وتحت الركام، ولا رجفة اليد قبل أن تكتب خبرا أو مقالا أو ترفع المايك وتوجه الكاميرا، ربما لن تصل بحة الحناجر حينما يهتف القلب قبل الصوت. لكنها ستبقى في مكانٍ آخر، في طبقات الوعي التي تحررت مرةً ولن تعود كما كانت.

لقد علّمتني الثورة أن الإنسان يمكن أن يُهزم سياسيًّا، ويُحاصر اقتصاديًّا، ويُشرد جغرافيًّا، لكن أصعب ما يمكن إخضاعه هو المخيلة التي تتوق للحرية حينما تستيقظ.

علّمتني ثورة السوريين أن الحرية لا تموت، بل تتوارى أحيانا لتختبر صدقنا، وأن الكرامة ليست شعارًا نعلقه على الجدران أو راية نرفعها في الساحات، بل جرحًا مفتوحًا يرفض أن يلتئم فوق الإهانة.

وربما، بعد كل هذا الخراب، لم يبقَ لنا إلا هذا الدرس:

أن نكون متواضعون وأقل يقينًا، وأكثر إنسانية.

أقل صراخًا، وأكثر استماعا ووعيًا.

أقل ادعاءً، وأكثر بحثًا عن الحقيقة.

فالحرية، في نهاية الأمر، ليست أن نخرج من الكهف، بل أن نخرج من الكهف الذي في داخلنا.

وما أكثر ما يتعلمه المرء إذا ما تمعن في الثورة السورية، وما أكثر ما بقي عليّ أن أتعلمه.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى