
كان الجو عاصفا، يأتي من الشمال.
وكل من يسكن وادي الفرات يعرف معنى أن تكون الريح شمالية. ليست ريحا عابرة تأتي لتبرد الوجوه، بل بردا يعض العظام. بردا قادرا، كما كانت أمي تقول، على أن يقطع رأس المسمار.
كان بيتنا طينيا، واطئا، كأنه جاث على الأرض خوفا من الريح. وفي الجهة الشمالية منه شباك خشبي قديم، في خشبه شقوق طولية صغيرة، لكنها كانت كافية لكي يجد البرد طريقه إلينا.
كانت أمي قد غطته من الخارج بقطعة من النايلون. شدتها على الجدار وثبتتها بمسامير، وفي أطرافها وضعت قطع كرتون كي تمنع الريح من اقتلاعها.
في تلك الليلة خلع الهواء أحد المسامير. ومنذ ذلك الوقت، صار النايلون يرفرف. طب… طب… طططب… كان صوته في البداية أشبه بطرق خفيف على باب بعيد. ثم أخذ يعلو كلما اشتدت الريح، حتى بدا لنا كأن أحدا يقف خارج البيت ويضرب النايلون بيديه.
ثم بدأ المطر. لم ينزل المطر تلك الليلة، بل هجم.
كانت السماء تفرغ ماءها كله دفعة واحدة، والريح تدفعه على الجدار والشباك والنايلون. صار البيت يهتز تحت الضربات، وصار الماء يتسلل من الشقوق.
نظرت أمي إلى النايلون. ثم إلى المطر. ثم خرجت. لا أعرف لماذا خرجت.
كنت طفلا، لكنني كنت أعرف أن أمي لا تستطيع أن تفعل شيئا أمام تلك الريح. ومع ذلك خرجت، كأنها لا تحاول تثبيت قطعة من النايلون، بل تحاول تثبيت بيتنا كله.
كانت تمسك بالمسمار بيد، وتحاول شد النايلون باليد الأخرى.
كانت الريح تنتزعه منها. تعيد المحاولة. تنتزعه الريح. تحاول مرة ثالثة.
كان المطر يضرب وجهها بقوة حتى لم تعد تستطيع فتح عينيها.
رأيتها تنحني فوق الشباك، وشعرها ملتصق بوجهها، وثوبها يلتصق بجسدها. لم تعد قطعة النايلون ترى من خلف الماء. كل شيء صار ماء.
صرخت لها: أمي… ادخلي!
لم تسمعني. أو ربما سمعتني ولم تستطع الدخول. كانت تحاول مرة أخرى. ثم مرة أخرى. حتى أدركت أن المسمار لن يبقى في مكانه، وأن النايلون لن يطيعها، وأن الريح أقوى منها. وقفت لحظة. كانت تبكي.
كنت أرى الدموع تنزل على وجهها، لكن المطر كان غزيرا إلى درجة أنني لم أعد أعرف أين تنتهي دموعها وأين يبدأ المطر.
بدا لي يومها أن السماء نفسها كانت تبكي معها.
ثم فهمت بعد سنوات أنها لم تكن السماء تبكي. كانت السماء تجلدها.
كانت حبال المطر تنزل عليها من فوق، حبالا غليظة لا تنتهي، كأنها قضبان سجن شفافة تمنعها من الوصول إلينا.
توسلت إليها: أمي، ادخلي.
عادت أخيرا. دخلت وهي تعصر ماء من ثيابها. جلست قرب الجدار، ولم تقل شيئا. كانت ترتجف.
وضعت المخدات أمام الشباك، واحدة فوق الأخرى، كي تسد الطريق على الريح. ثم أشعلت الصاج، ووضعت فيه أعواد القطن.
اشتعلت النار. تصاعد الدخان. امتلأت الغرفة برائحة القطن المحترق. كان الدخان يدخل عينيها، فتدمع. وربما لم يكن الدخان وحده هو الذي جعلها تبكي.
جلسنا متقاربين حول الصاج الصغير. كان الدفء قليلا جدا، والبرد كثيرا جدا.
وفي الخارج ظل النايلون يضرب الجدار: طب… طب… طططب… ثم بدأ سقف البيت يصدر أصواتا.
طقطقة أعواد الحور في السقف كانت مختلفة عن كل الأصوات. طَق. ثم صمت.
طَق طَق. ثم صوت أطول، كأن الخشب يتأوه.
رفعت أمي رأسها إلى السقف.
كانت تنظر إلى أعواد الحور كما ينظر الإنسان إلى وجه شخص يحتضر.
ثم بدأت تدعو. لم تكن تدعو لنفسها. كانت تدعو للبيت. أن يبقى. أن لا يسقط. أن يصمد حتى الصباح.
كانت تعرف أن البيت طين، وأن المطر عدو الطين، وأن الفقر لا يترك للإنسان بيتا آخر إذا انهار بيته الأول.
لذلك كانت تتضرع: يا رب… لا تخليه يوقع.
لم تقل: يا رب احفظنا.
قالت: لا تخليه يوقع.
كأنها كانت تعرف أن سقوط البيت هو بداية كل شيء.
كنت أسمع صوتها، وأراقب الدخان يصعد نحو السقف.
كان أبي غائبا، مسافرا وعاملا في بيروت. أما أمي فكانت مستيقظة. كانت تحرس السقف. وتحرس النار. وتحرس الشباك. وتحرسنا.
كانت امرأة واحدة تحاول أن تقوم بكل وظائف العالم.
وفي الخارج كانت الريح الشمالية تواصل عملها.
وفي الداخل كان الصاج الصغير يحاول أن يمنحنا بعض الدفء. وبينهما كانت أمي.
امرأة مبتلة، ترتجف، وتبكي في صمت، وتضع المخدات أمام الشباك كي لا يدخل البرد إلى أجساد أطفالها.
في تلك الليلة لم أفهم شيئا.
لم أفهم لماذا خرجت أمي إلى المطر.
لم أفهم لماذا كانت تبكي.
لم أفهم لماذا كانت تخاف على أعواد الحور أكثر من خوفها على نفسها. كبرت. وعرفت أن الفقراء لا يخافون من سقوط السقف وحده. يخافون من اليوم الذي لا يستطيعون فيه بناء سقف آخر.
وعرفت أن أمي لم تكن تثبت قطعة نايلون. كانت تحاول أن تثبت شيئا أكبر بكثير. كانت تحاول أن تثبت بيتا فقيرا أمام عاصفة العالم. وكلما هبت في حياتي ريح شمالية، أتذكرها. أتذكر ثوبها المبلل. يديها المرتجفتين. المسمار الذي لم يثبت. النايلون وهو يصفق: طب… طب… طططب…
…






