مضائق التاريخ الحرجة… من طروادة إلى هرمز

ماسه بشار الموصلي

                 

خرجت من فيلم “الأوديسة”، الملحمة الشعرية الهوميرية، وأسئلة تلعب في ذهني تحاول إسقاط أحداث حروب جرت في العصر البرونزي، ذلك الزمن السحيق، على حروب اليوم. وإن كانت الأوديسة تصف لنا رحلة عودة الملك أوديسيوس ملك إيثاكا إلى وطنه من حرب طروادة، وما واجهه من مغامرات ومخاطر أشبه بالخرافة ولا يمكن لعقلنا أن يصدّقها، فهي تتمة لملحمة الإلياذة التي سلّط فيها هوميروس الضوء على أسباب حرب طروادة وحصارها ووقائع الأسابيع الأخيرة منها، وصولاً إلى انتصار الإغريق، وتوحي بأنّ حرب طروادة قد وقعت بالفعل. غير أنّ الباحثين في علم الآثار وفي التاريخ لم يستطيعوا الجزم بذلك، رغم تأكيدهم أنّ مدينة طروادة هي في الموقع الأثري هيسارليك في ولاية تشاناق قلعة على الساحل الشمالي الغربي من تركيا، عند مضيق الدردنيل الذي يربط بين بحر إيجه وبحر مرمرة. أمّا مملكة إيثاكا فتقع، بحسب دلالاتهم، في غرب اليونان، والأرجح أنّها كانت إحدى الجزر الإغريقية في تلك المنطقة.

لا تتغير أسباب الصراعات السياسية في محيط جغرافي معيّن وعلى مرّ العصور ما دامت هذه الجغرافيا محافظة على أهميتها الجيوسياسية

الهدف هنا من تسليط الضوء في المقدّمة على الموقع الجغرافي لمدينة طروادة ومملكة إيثاكا هو قلب معادلة تفسير سبب الحرب المرتكز على ستار ميثولوجي رومانسي “قصص الآلهة والحب” في الرواية الملحمية “الإلياذة”، إذ قد يبدو أنّه سبب معقول لاندلاع حرب من أجل الثأر، واستعادة الشرف، وتحرير الأميرة الإغريقية هيلين المخطوفة من الأمير باريس الطروادي، مقابل سبب يرتكز على المنطقين الجيوسياسي والاقتصادي. إذا افترضنا حدوث تلك الحرب فعلاً، ووقائع تاريخية لحروب اقتصادية وسياسية جرت في المنطقة نفسها، فقد كانت طروادة في ذلك الزمن بمثابة الحارس على بوابة مضيق الدردنيل، وتفرض رسوماً على السفن التجارية الإغريقية المتجهة عبره من بحر إيجه وصولاً إلى البحر الأسود، ولعلّ هذا السبب كان أقرب إلى أن يصدّقه عقلي من أساطير الآلهة وسرديات الشعر، ليقيني بأنّ الصراعات السياسية في محيط جغرافي معيّن وعلى مرّ العصور لا تتغيّر أسبابها ما دامت هذه الجغرافيا محافظة على أهميتها الجيوسياسية، وهذا ما يجعلني أرى أنّ هنالك تلازماً عجيباً بين دوافع الصراع القديم على مضيق الدردنيل الذي أدّى إلى حرب طروادة عام 1200 قبل الميلاد، والنزاع والحرب الدائرة حول مضيق هرمز، أي بعد مرور ما يقارب 3300 عام على الأولى، وربّما كانت حرب طروادة من أوائل الحروب في التاريخ المدوّن، حتّى إن كانت قائمة على مجرّد ملحمة أسطورية.
لا يختلف المشهد الجيوسياسي كثيراً عند مضيق هرمز عن المشهد في الدردنيل، فها هي الأساطيل البحرية الحربية للدول الأطراف في الحرب ترفع شعاراً يندرج تحت أدبيات القانون الدولي “حماية حرية الملاحة الدولية وتأمين التجارة العالمية”. ومن منظور الواقع السياسي نجد أنّ النفط والغاز هما “هيلين العصر الحديث”، لأنّ الدافع المصرّح به وراء هذا التحشيد هو تأمين عصب الطاقة العالمي، وضمان عدم تفرّد أي قوة إقليمية بالتحكّم في هذا المضيق.
كما تتشابه الجغرافيا السياسية للمضيقَين بصورة كبيرة، فطروادة كانت تستغلّ موقعها الفريد لتعطيل السفن الإغريقية واحتجازها، وفرض الإتاوات عليها، واستطاعت بذلك شلّ اقتصاد الممالك اليونانية. وفي المقابل، مضيق هرمز هو الممرّ الوحيد الذي يربط بين الدول المنتجة للنفط والغاز في الخليج العربي بالمحيط الهندي، ومنه إلى دول في سائر أصقاع الكرة الأرضية تقوم اقتصاداتها على استيراد النفط والغاز من هذه المنطقة. وعليه، فإنّ السيطرة على هذا الممرّ، أو مجرّد التهديد بإغلاقه، يعني انهياراً اقتصادياً عالمياً، وليس فقط انهياراً لاقتصاد دول المنطقة، تماماً كما كانت عرقلة طروادة مرور السفن في الدردنيل تعني تهديداً وجودياً لممالك اليونان قديماً.
تمتدّ المقارنة بين الحربَين أيضاً إلى طبيعة الأطراف المتصارعة وتوزيع القوى، فالطرف الغازي في حرب طروادة، الذي يمثّله حلف الممالك الإغريقية بقيادة “أجاممنون” وبمشاركة “أوديسيوس” ملك إيثاكا قديماً، يحاكي النسخة التاريخية المبكّرة من التحالفات الدولية المعاصرة (الولايات المتحدة والقوى الغربية) التي تحشد أساطيلها البحرية لحماية مصالحها الاقتصادية العابرة للحدود في كلّ المناطق الاستراتيجية حول العالم. وفي المقابل، فإنّ إيران هي القوّة الإقليمية التي تماثل طروادة قديماً وتمارس بحكم موقعها الجغرافي المشرف على مضيق هرمز نفوذاً على السفن العابرة له، فتوظّف هذه الميزة الجغرافية أداة ردع وضغط سياسي ضدّ القوى العظمى ودول المنطقة.

درسا “الإلياذة” و”الأوديسة” يعلّماننا أنّ النصر في حروب المضائق والممرّات البحرية له ثمن مدمّر حتّى للمنتصرين أنفسهم

لعلّ الدرس الأكثر قسوة الذي تقدّمه لنا ملحمتا “الإلياذة” و”الأوديسة” أنّ النصر في حروب المضائق والممرّات البحرية لا يأتي من دون ثمن مدمّر حتّى للمنتصرين أنفسهم. نعم، لقد سقطت طروادة واحترقت، غير أنّ الإغريق في ذلك الزمن لم يجدوا السلام. فأوديسيوس الملك تاه في البحار عشر سنوات وفقد جميع رجاله، وأجاممنون قُتل غدراً فور عودته إلى مملكته، ودخلت ممالك اليونان بعد تلك الحرب في حقبة مظلمة من الفوضى والانهيار الاقتصادي والسياسي. وهذا ما يشبه إلى حد كبير ما قد يؤول إليه الوضع اليوم من تدمير للنظام الدولي ودخول العالم في ركود اقتصادي، وقد نصل إلى شلل اقتصادي عالمي فيما لو توقّفت سلاسل الإمداد من دول الخليج مع استمرار الحرب وإغلاق المضيق.
يضعنا هذا الإسقاط التاريخي أمام السؤال الأكثر أهمّية: إذا كانت القوّة العسكرية قد عجزت عن حسم صراع المضيق قديماً طيلة عشر سنوات، واستدعى الحسم دهاء “أوديسيوس” وابتكار “حصان طروادة الخشبي” لاقتحام تلك الأسوار المنيعة، فما هو “الحصان الخشبي” المعاصر الذي قد تفاجئنا به إحدى القوى اليوم لحسم صراع مضيق هرمز من دون الدخول في حرب تدميرية شاملة؟ هل سيكون هجوماً سيبرانياً يشلّ شبكات العالم في ثوانٍ، أم سلاحاً اقتصادياً خفياً، أم تحالفاً سرّياً يقلب موازين القوى خلف الكواليس؟
سؤال متروك للأيام المقبلة، ولك أيّها القارئ الكريم.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى