اتفاقية مكّة والمظلّة الأمنية الحقيقية

   مالك ونوس

في إطار بيئة عدم الاستقرار في المنطقة العربية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، سُجّلت على مدى العقد الماضي وقائع كشفت الحاجة إلى مظلّة أمنية حقيقية، ثبت أنّه لا يمكن لأحدٍ أن يوفّرها سوى أبناء المنطقة أنفسهم، بالتعاون مع حلفائهم أو أصدقائهم القريبين. وقد جاءت الحربان الأميركية – الإسرائيلية، الأولى والثانية، على إيران، ومعها الكلام الإسرائيلي عن شرق أوسط جديد تُوضَع ملامحه في تل أبيب، لكي تبرهنا هذه الفرضية، وتؤكّدا أنّ الوقت قد حان لتغيير طريقة التعاطي مع التحدّيات التي باتت وجوديةً بالنسبة إلى دول المنطقة. وإذ أثبتت الحربان المذكورتان أنّ الردع بات لا يتوقّف على امتلاك هذه الدولة أو تلك منظومة دفاعية متقدّمة، بل توافر حلفاء موثوقين، لم يكن مفاجئاً أن تظهر اتفاقية مكّة التي وُقِّعت قبل أيّام بين السعودية وتركيا وباكستان، لتكتمل عناصر الردع في بيئة الحرب الحديثة – الهجينة.
حصلت واقعتان لافتتان في دول الخليج العربي، ربّما تكونان بمثابة الدلالة والبرهان على أنّ انكشاف هذه الدول قد يحصل بين ليلة وضحاها، إذا ما تغيّرت السياسات أو المصالح، أو إذا ما قرّر رئيس أميركي، على شاكلة دونالد ترامب، التخلّي عن التزاماته الواردة في الاتفاقات الدفاعية التي تربطه ببعض دول المنطقة. ونتيجة الفارق الزمني بين الواقعتَين، قلّما يربط المحلّلون بينهما من أجل فهم مبرّرات دول الخليج إن أرادت البحث عن بدائل، أو ربّما تنويع خيارات التحالف، للوصول إلى الردع الذي تحتاج إليه، مع تزايد التحدّيات وتعاظم المخاطر التي تحدق بها، علاوة على ازدياد عدد المتربّصين بها وتنوّع أشكال التهديد التي يمثّلونها.

صحيح أنّ لدى كلّ دولة من دول اتفاقية مكّة تهديداً وجودياً مختلفاً عن الدولة الأخرى، لكنّها تجتمع على التهديد الإسرائيلي لها

أوّلُ تلك الوقائع، كان الهجومين اللذين تعرّضت لهما منشأتا شركة أرامكو، في سبتمبر/ أيلول 2019، في بقيق وخريص، وأدّيا إلى أضرار كبيرة، وكانا ذوي دلالة لافتة بسبب اللغط الذي دار حول الجهة التي تقف خلفهما، وكلام الولايات المتحدة عن درجة من عدم اليقين لديها بشأن المُنفِّذ. وبينما كان هذا اللغط يتعاظم، طرأ السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لم تتصدَّ الدفاعات الأميركية في المنطقة للهجومَين، خصوصاً أنّهما كانا مركّبين (صواريخ باليستية ومسيّرات انقضاضية)، وأصابا أكبر عصب للطاقة في المنطقة، وربّما في العالم. ثمّ السؤال عما إذا كانت ستفشل في التصدّي لهما، فيما لو استهدفا قواعدها ومواقعها العسكرية وقطعها البحرية في المنطقة.
ثاني تلك الوقائع العدوان الإسرائيلي على دولة قطر، في 9 سبتمبر/ أيلول 2025، واستهداف الوفد الفلسطيني الذي كان سيفاوض الإسرائيليين من أجل التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزّة. وكان هذا الهجوم بمثابة إعلان إسرائيل أنّ مجالها الجوي يتعدّى حدود كيانها، وإظهار عدوانيتها حتّى في وجه الدول التي وقّعت اتفاقية سلام معها، وكلام رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه، أنّ أيّ دولة تُعدّ هدفاً للجيش الإسرائيلي، إن آوت تلك الدولة من يجد فيه الجيش تهديداً لأمن إسرائيل. وقد اخترقت الطائرات الإسرائيلية التي نفّذت الهجوم أجواء عدّة دول عربية لتنفيذه، ما جعل تلك الدول، خصوصاً السعودية، تدرك حجم التهديدات التي يشكّلها ذلك الكيان الذي قد لا تنفع اتفاقات السلام معه لتقليل عدوانيته.
طرحت هاتان الواقعتان أسئلةً كثيرةً، ربّما كان السؤال الأهم، يتعلّق بالمظلّة الأمنية التي تقول واشنطن إنّها توفّرها لدول الخليج، عبر ذلك العدد الكبير، من القواعد العسكرية والمواقع التي تنتشر على أراضي هذه الدول. فالدافع المُعلَن لإقامة تلك القواعد هو حماية هذه الدول، إضافة إلى حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. لذلك حمل فشل التصدّي لتلك الهجمات أسئلةً كبيرةً، ربّما أبقى بعض السياسيين في المنطقة أجوبتها حبيسة صدورهم، إلى أن جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ورسَّخت القناعة بعدم قدرة القواعد العسكرية على حماية هذه الدول. وجعلت مسألة إيجاد تحالف أو اتفاقية دفاع مشترك، خارج الدائرة الأميركية، أمراً لا مفرّ منه.

ما جعل اتفاقية مكّة ضرورةً ملحّةً الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وبروز التوجّه الإيراني نحو الخيار الشمشوني

مؤكّد أنّ هذه الاتفاقية إجراء دفاعي، لكنّه لا يرقى إلى حلف، كما علّق الإسرائيليون، وبدؤوا يعطونه التسميات التي تتوافق مع هواجسهم تجاه أيّ تقارب بين الدول العربية والإسلامية. كما أنّه لا يُعدّ بديلاً من اتفاقيات الدفاع الموقَّعة مع الولايات المتحدة، أو بديلاً من المظلّة الأمنية الأميركية، لكنّه استجابة للحاجة إلى تنويع أشكال الردع، عبر إضافة مظلّة أمنية أخرى، ربّما تكون فاتحةً لصناعات عسكرية وتكامل في القدرات بين الدول الثلاث، من ناحية القدرات المادّية والقدرات النووية والقدرات العلمية. فالحروب الحديثة باتت هجينةً، وتعتمد على استخدام أحدث الأسلحة وأحدث التقنيات، ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي الذي بات ركناً أساساً في الحرب الحديثة، ولأيّ قوّة ردع أيضاً، ويتطلّب إمكانات لا تتوافر لدى دولة عربية أو إسلامية وحدها. غير أنّ أهم ما جعل الاتفاقية ضرورةً ملحّةً الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وبروز التوجّه الإيراني نحو الخيار الشمشوني، وعدم احترام علاقاتها مع دول الخليج، ومن ثمّ، استهداف هذه الدول والتهديد باستهداف محطّات تحلية المياه لضرب الحياة فيها، في إطار ما تصنّفه ردها على العدوان الأميركي. كذلك في ما تمخّض من هذه الحرب على الصعيد الإسرائيلي، وظهور إسرائيل قوّةً جاهزةً لاستباحة جميع دول المنطقة واستهدافها، ليس في إطار منع التهديدات عنها، بل في إطار إخضاعها، وفرض السلام عليها مقدّمةً للهيمنة عليها، بكلّ ما للكلمة من معنى عسكري وجغرافي وسياسي واقتصادي وربّما اجتماعي.
صحيح أنّ لدى كلّ دولة من دول الاتفاقية الثلاث تهديداً وجودياً مختلفاً عن الدولة الأخرى، لكنّها تجتمع على التهديد الإسرائيلي لها. وإن كان بعضهم يرى في هذا الأمر عامل ضعف للاتفاقية، إلّا أنّ الكيان الإسرائيلي قدّم لهذه الدول كلّ الدوافع للاتفاقية على مواجهة تهديده، لأنّ له سيناريو لاستهداف كلّ دولة يختلف عن السيناريو المخصّص للدولة الأخرى. وبينما زاد الإسرائيليون من تهديداتهم لتركيا، ومن خططهم السرّية لدول الخليج وباكستان، ربّما ينبغي لدول الاتفاقية أن تسعى إلى ضمّ دول عربية أخرى إلى الاتفاقية، وعلى الدول العربية أن تسعى إلى الانضمام إليها، خصوصاً تلك التي لم تنفعها اتفاقياتها مع دولة الكيان لمنعه من تهديدها، فبات البحث عن ردعٍ لوقف عدوانيته وعدوانية الآخرين، أهمّ ما يمكن أن تحتاج إليه لضمان استقرارها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى