اتفاق مكة الإسلامي بين السعودية وتركيا وباكستان وتبعاته

عبد المجيد عرفة

مدخل:

لا نستطيع إلا أن نعيد رصد التغيرات الجذرية والكثيفة والمتتابعة في الشرق الأوسط على أنها حدثت كتداعيات لطوفان الأقصى في حرب حماس ضد إسرائيل في غزة ٧ اكتوبر عام ٢٠٢٣م و التغيرات التالية في المشرق العربي. حيث انكسر التوافق الأمريكي الإيراني الذي حصل منذ ولاية الرئيس أوباما في عام ٢٠١٥م ونصّ على تجميد المشروع النووي الايراني وإطلق يد إيران في دول الخليج والعراق وسورية ولبنان حسب نظرية توسع الهيمنة الإيرانية بالشرعية الدينية الشيعية لولاية الفقيه وذلك بالتناغم مع مصالح أمريكا ورضى إسرائيلي ، وتقاسم النفوذ على دول المنطقة التي كانت تحت تأثير الربيع العربي.

كسرت حماس هذا التوافق في طوفان الاقصى ووجدت اسرائيل ومعها امريكا ان المشروع الايراني نقيض للمشروع الاسرائيلي وكان لهم دور ضمني في اضعاف قوة حزب الله في لبنان وسورية عبر الحرب عليه والتي لم تنتهي الى الان و هدفها انهاء الجناح المسلح لحزب الله واعادته لحجمه الطبيعي ضمن المعادلة السياسية في لبنان.  وكانت فرصة للثورة السورية لتسقط نظام الأسد المستبد السوري وقيام دولة الثورة السورية منذ أواخر عام ٢٠٢٤م.

امريكا واسرائيل وتحجيم ايران.

لم تقبل إسرائيل ومعها أمريكا باستمرار قوة إيران العسكرية و طموحاتها النووية وتوسعها الإقليمي. لذلك سعت مع امريكا بدعم من الرئيس الأمريكي ترامب لخوض حرب إخضاع وتحجيم لإيران ، لم يكن بداية للحرب خط أحمر تتوقف عنده ، بحيث وصلت الى رأس النظام خامنئي الأب الذي اغتيل مع اهم قيادات الصف الأول الايرانية العسكرية والسياسية. وظهر أن أهداف الحرب لم تكن اسقاط نظام الملالي في ايران بل اخضاعه وتحجيمه وتقييده بـ اتفاقات ملزمة لإلغاء دوره الإقليمي التوسعي و تقييد برنامجها النووي واستمرت الحرب للآن للوصول الى هذه الغاية.

إيران تطلق يد حلفائها ضد الدول في الإقليم.

لم تستسلم إيران لما يراد لها من امريكا واسرائيل، بل أعلنتها حربا على دول الإقليم تحت ادعاء أنها تضرب المصالح الأمريكية، من نفط وقواعد امريكية وغيرها، وأنها أرادت أن تحرج هذه الأنظمة أمام شعوبها وانها مجرد أدوات بيد امريكا واسرائيل، ولكن ذلك انقلب الى الضد حيث التفت الشعوب حول حكوماتها لحماية أمنها الوطني:

السعودية.

تم استهداف السعودية في مرافق النفط أرامكو وغيرها وحتى وصلت بعض المقذوفات الايرانية الى بعض المصالح الوطنية، وبعض المواطنين، وكذلك قام الحوثيين من اليمن باستهداف مصالح سعودية تضامنا مع إيران التي تدعمهم. ومع ذلك لم تتورط السعودية في الصراع الدائر بين إيران من جهة وامريكا واسرائيل من جهة أخرى. وبقيت تتصرف على انها تعمل لخلق علاقة حسن جوار مع دول المنطقة كلهم بما فيهم إيران.

العراق.

للعراق ميزة مختلفة بالنسبة لأمريكا وإيران، لقد أصبح معلوما أن تحالفا حصل بين أمريكا وايران للمساعدة في إسقاط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣م في العراق وان مجموعات شيعية عراقية مدعومة من إيران مثل الحشد الشعبي تحالفت مع أمريكا وساهمت بإسقاط نظام صدام. وحصلت على مكتسبات في الحكم ايام الاحتلال الامريكي للعراق وكذلك بعد انسحاب الامريكان من العراق بعد عام ٢٠٠٦م. واستمرت التوافقات والتحالفات الامريكية العراقية حتى ما بعد طوفان الأقصى وحصل اختلال في العلاقة وأصبح الحكم العراقي امام خيار استراتيجي: إلى أي حليف ينحاز الى امريكا ام ايران ؟. ويبدو ان الشارع العراقي  وسياسييّه من كل الفئات تصرفوا وفق رؤية تعتمد على واقع انحسار النفوذ الإيراني وضرورة انحياز الدولة العراقية لأمريكا كحليف استراتيجي موثوق. بالطبع لم يخل الأمر من بعض العمليات العسكرية المحدودة من امريكا  ضد بعض حلفاء إيران في  العراق.

نرى ان العراق يسير داخليا واقليميا نحو اعادة التصرف وفق مصلحته الوطنية .

كذلك الحال استهداف إيران لكل من الإمارات وقطر والكويت وعُمان في عمليات مقصود بها أن ترفض هذه الدول وشعوبها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتعلن ذلك ، ولكنها بقيت على الحياد ونددت باستهداف مصالحها من قبل ايران وطالبت بعلاقات حسن جوار بين إيران ودول المنطقة.

السعودية وتركيا وباكستان. حلف امني اقليمي جديد.

ليس سرّا ان اندفاعة أمريكا ترامب في منطقتنا داعمة إسرائيل بعد طوفان الأقصى في ٧ أكتوبر بحربها على غزة وحزب الله اللبناني وبعد ذلك حربهما على إيران، وأن أمريكا جاءت تحمل في جعبتها تأبيد العصر الاسرائيلي عبر إبرام اتفاقيات بين إسرائيل ودول الإقليم تحت مسمى الاتفاقات الإبراهيمية التي كانت قد وقعتها مع الإمارات المتحدة.

لم يكفي التنمر الاسرائيلي الأمريكي على دول المنطقة وهي تملي على الدول ما يجب أن تفعل، ولكن دول المنطقة وخاصة العربية وتركيا كانت لها رؤاها المختلفة واجنداتها ايضا.

السعودية

استمرت السعودية بموقفها الثابت القديم منذ مبادرة الأمير فهد التي تنص على سلام عربي مع إسرائيل مقابل إعطاء الفلسطينيين دولة على الأرض المحتلة في عام  ١٩٦٧م  . واعادة الجولان السوري المحتل الى سورية. هذا ما أعاد تأكيده الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وأن ذلك شرط لا تراجع عنه. رغم الموقف الأمريكي من قبل ترامب الذي اعترف بضم اسرائيل للجولان السوري المحتل والصمت عن التنمر والتعديات الإسرائيلية في لبنان وسورية.

هذا هو موقف كل من دول الخليج المعلنة الكويت وقطر والإمارات وعمان . ولم يشذ العراق عن هذا الموقف العربي منذ عقود. 

تركيا:

لا يمكن إغفال الدور التركي منذ سنوات الثورة السورية الأولى في دعم مطالب الشعب السوري وثورته وتطور العلاقة مع قوى الثورة السياسية والعسكرية والتنسيق معها حتى حصول التحرير واسقاط نظام الاستبداد السوري البائد. ولذلك تعتبر تركيا حليف استراتيجي مع دولة الثورة السورية كذلك قطر والسعودية. ولان اسرائيل تضررت من سقوط نظام الأسد وتوحشت في دورها القاتل والتدميري في غزة وموقف تركيا المناهض لأفعالها. اعتبرت إسرائيل أن سورية اصبحت جزء من حلف تركيا ضدها. وان تركيا عدو.

ولأن تركيا عضو مهم في حلف الناتو وأمريكا تدعم تركيا وترى أن سورية دولة صاعدة في الفلك العربي المعتدل وعلى توافق مع امريكا وتركيا. وهذا كبّل ايدي اسرائيل وجعل حركتها محدودة بما تفعله بدعم الهجري الانفصالي في السويداء والتحرشات على حدود الجولان السوري المحتل. وان تركيا داعمة استراتيجيا لحقوق سورية كاملة في الجولان وضد التوغلات والتمدد الإسرائيلي.

سينعكس الحلف الاسلامي الوليد بدعم تركي سعودي باكستاني لحقوق سورية العادلة في مواجهة اسرائيل و اعمالها العدوانية.

سورية.

لم تكن اسرائيل راضية عن اسقاط نظام الاسد في سورية، كان على توافق ضمني مع إسرائيل بشكل سري وعلني . لذلك عندما سقط النظام المستبد البائد تصرفت اسرائيل بعدائية علنية واعتبرت نظام الثورة اسلاميا ارهابيا ويجب إسقاطه. ولكن الموقف الأمريكي ألجم اندفاعة إسرائيل ضد دولة الثورة السورية وذلك بتدخل كل من تركيا والسعودية وقطر، وتم تعويم العلاقة بين سورية وأمريكا. وتصرف ترامب وفق رؤية: اعتبار سورية جزء من التحالف الأمريكي في المنطقة العربية.

لكن إسرائيل لم تتقبل ذلك وقلّصت عداءها للدولة الجديدة السورية إلى إجراءات على الحدود. فقد بدأت بالتمدد داخل الأراضي السورية عبر حفر السواتر  و بناء الدشم ومراكز التمركز في المرتفعات داخل الأراضي السورية بعمق مئات الأمتار واحيانا اكثر من ذلك. واستمرت تفرض أمرا واقعا بالتغلغل عبر قطعاتها العسكرية واعتقال بعض أهل القرى المجاورة للحدود مع الجولان والإساءة لهم. واحيانا اعتمدت على ادعاء مساعدة أهل هذه البلدات في تأمين حاجاتهم المعيشية الاساسية البسيطة. ضمن سياسة العصا والجزرة.

لكن اسوأ ما فعلته اسرائيل في سورية هو شراء ذمّة حكمت الهجري المرجع الديني الدرزي في السويداء واستخدامه في خططها ضد المصلحة السورية عموما واهلنا الدروز خصوصا في السويداء وحتى مناطق تواجدهم، حيث طرح مشاريع خيالية لدولة في جبل العرب الذي اسماه الباشان ورفع هو ومؤيدوه العلم الاسرائيلي واعتمد مع مناصريه على العنف العاري والقتل لكل مخالف له من اهلنا الدروز في جبل العرب.

موضوع الهجري مرتبط بالاتفاقيات الإقليمية القادمة وهو مجرد بيدق سيسقط في غبار التاريخ.

اشترطت الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس احمد الشرع أن شرط أي محادثات سلام مستقبلية مع اسرائيل هي عودة إسرائيل الى حدود عام ١٩٧٤م اتفاقيات فض الاشتباك. وان ّالجولان ارض سورية محتلة ولن نتخلى عن هذه الحقوق ابدا وهي مقدمة لأي محادثات قادمة لأي اتفاق مع إسرائيل.

الفراغ الامني بعد انسحاب إيران من المنطقة وتوسع النفوذ الإسرائيلي دفع الدول الثلاثة الفاعلة في الإقليم تركيا السعودية باكستان أن تبني حلفها الاستراتيجي .

لم يكن واقع الصراع الامريكي الاسرائيلي ضد ايران وبوادر نهايته باتفاق امريكي ايراني قيد الصياغة واحساس دول المنطقة الاسلامية ان امريكا واسرائيل قد يكونا نواة حلف عدواني ضد أي دولة في المنطقة كما حصل مع ايران ولبنان الذي تم تدمير أكثر من نصفه وتهجير الملايين وموت عشرات الآلاف من الضحايا في حربهم العدوانية الاخيرة. وكذلك تعديات إسرائيل على سورية وتهديد الإسرائيليين لتركيا وانهم بذراعها الطويلة قادرون للوصول إليها.

لكل ذلك التقت قيادات السعودية محمد بن سلمان وتركيا الطيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان في مكة المكرمة وقاموا ببناء تحالف استراتيجي بين هذه الدول الثلاثة ضمن مبدأ أن دول المنطقة هم يملأون فراغها الأمني والاستراتيجي. فليست امريكا ولا اسرائيل رعاة لأمن المنطقة بل ان اسرائيل دولة عدوان في المنطقة منذ عقود.

ان هذا التحالف جاء في وقته وكونه عقد في مكّة فله رمزيته ان العالم الاسلامي : مارد ينهض من رماده.

وان هذا التحالف مفتوح للدول الإسلامية والعربية. فهناك مصر التي قد التحق به بعد ان تعالج بعض ارتباطاتها خاصة مع اسرائيل. وكذلك قطر وسورية وكثير من دول المنطقة.

الدور السوري في لبنان.

اختم هذا النص بالحديث عن الدور السوري في لبنان. فقد اكتشف ترامب ان القصف والتدمير والقتل والتهجير من قبل اسرائيل ضد لبنان تحت دعوى محاربة حزب الله وأن ذلك ليس حلا سياسيا وليس عسكريا لمشكلة حزب الله في لبنان. ولذلك استعان الرئيس ترامب بالرئيس احمد الشرع للمساعدة في حل مشكلة حزب الله في لبنان. استجاب الرئيس الشرع بأن تدخلا سوريا في لبنان ممكن لكنه ليس عسكري بل سياسي قائم على مشروعية وجود حزب الله كقوة سياسية وإعادة تأهيله ليكون من القوى السياسية المنضوية في الدولة اللبنانية وأن احتكار السلاح واستعماله محصورا بيد الدولة اللبنانية.

التداعيات مستمرة والتحالف الإسلامي قيد التحقق حديثا ورسائل الانذار وصلت الإسرائيلي وقالوا إن التحالف موجه ضد إيران وليس ضدّهم.

اما ايران فقد تحدث مسؤول فيها قائلا إن التحالف الإسلامي ايجابي وهو تحالف دول الإقليم لإبعاد الحضور الأمريكي في المنطقة. ويقصدون ان التحالف الجديد ليس ضد الدولة الإيرانية.

النتائج الايجابية لتحالف مكة الاسلامي بدأت تظهر على الأرض والقادم افضل بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى