
لم يحتج سكان البناء المؤلف من خمسة طوابق في حي الأشرفية بمدينة حلب إلى وقت طويل لفهم ما حدث صباح الجمعة السادس من آذار، خلال لحظات، تحول المبنى الذي كان يؤوي عددا من العائلات إلى كتلة من الأنقاض، في حين سارعت فرق الدفاع المدني إلى الموقع بعد ورود معلومات أولية عن وجود عالقين، وبدأت عمليات البحث والإنقاذ بالتزامن مع إخلاء الأبنية المجاورة خشية تكرار الانهيار.
لكن سقوط البناء لم ينه الحادثة عند حدود ركامه، فـبالنسبة إلى سكان الأشرفية، أعاد الانهيار سؤالا ظل مدفوناً تحت الحي سنوات طويلة؛ ماذا يوجد أسفل المنازل؟ وهل أصبحت الأنفاق المحفورة تحت المنطقة عاملاً إضافياً يهدد أبنية أنهكتها سنوات الحرب، وتأثرت بزلزال شباط 2023، وتعيش منذ عقود فوق بنية تحتية متقادمة وتوسع عمراني لم يخضع دائما للمعايير الهندسية؟
لا توجد حتى الآن نتائج فنية معلنة تحسم السبب المباشر لانهيار البناء أو تثبت ارتباطه بأحد الأنفاق، وقد تتداخل في مثل هذه الحوادث أسباب عديدة، تبدأ من قدم البناء وضعف الأساسات، ولا تنتهي عند تسرب المياه والصرف الصحي أو طبيعة التربة أو الأضرار القديمة التي لم تعالج.
المهندس الإنشائي المتخصص في هندسة التربة والأساسات عبد الخالق قزموز يقول لـ موقع تلفزيون سوريا؛ إن الخطر لا يرتبط فقط بوجود النفق، وإنما بتأثير الحفر في توازن التربة والأحمال التي تحملها أسفل الأبنية.
فراغات تهدد الأساسات
ويؤكد قزموز أن الهبوط التفاضلي يظل أخطر النتائج المحتملة، إذ قد يؤدي مع استمرار حركة التربة إلى اتساع التشققات وفقدان المبنى توازنه تدريجياً.
“لم نعد نخاف من الجدران التي نراها، بل من الأرض التي لا نعرف ماذا يوجد تحتها، عندما نسمع صوتا في الليل لا نعرف إن كان من تمدد البناء أم من شيء يتحرك أسفلنا، وأصبح كل شق جديد في الحائط سببا يجعلنا نفكر في مغادرة المنزل”، يقول عبدالله الحاج علي لـ موقع تلفزيون سوريا.
لا تبدأ مخاوف السكان من انهيار بناء واحد، ولا تنتهي عند احتمال وجود نفق تحته، بل تتشكل من تراكم عوامل مختلفة داخل حي كثيف السكان، يضم أبنية قديمة وأخرى شيدت على مراحل متفرقة، وبعضها خضع لإضافات وتعديلات غير مدروسة، وقد ترك زلزال السادس من شباط 2023 آثارا متفاوتة على عدد من المباني في مدينة حلب، بينما لم تخضع جميع الأبنية المتضررة لعمليات تدعيم وإصلاح كاملة، ما يجعل أي تغير إضافي في التربة أو الأساسات أكثر خطورة.
بيوت قديمة فوق خوف جديد
وتعيش عائلات كثيرة في الأشرفية داخل أبنية مضى على إنشاء بعضها عشرات السنين ومع مرور الوقت، تعرضت هذه الأبنية لعوامل متداخلة، بينها الرطوبة وتسربات المياه وغياب الصيانة والحرب والاهتزازات الناجمة عن القصف والزلزال، إضافة إلى تعديلات داخلية أو إضافة طوابق وغرف من دون دراسة قدرة الأساسات على تحمل أوزان جديدة.
في الظروف الطبيعية، يمكن رصد جزء من تدهور البناء من خلال الشقوق أو الرطوبة أو تآكل الخرسانة وظهور حديد التسليح، أما الخطر المرتبط بالتربة أو الفراغات الواقعة تحت الأساسات، فلا يكون ظاهرا دائما، وقد يتطور ببطء قبل أن تظهر علاماته على السطح، ولهذا يشعر سكان الحي بأنهم يواجهون خطرا لا يستطيعون رؤيته أو قياسه.
تقول أم علاء وهي تقيم مع أطفالها في أحد الأبنية القديمة في الأشرفية لـ موقع تلفزيون سوريا: “بعد الزلزال ظهرت شقوق في المنزل، وجاء مهندس للكشف عليها وقال إنها لا تشكل خطرا مباشراً، حاولنا إصلاح ما نستطيع، لكن الحديث عن الأنفاق أعاد الخوف من جديد، أنا لا أعرف إن كان النفق يمر تحت منزلنا، ولا أعرف إلى أي جهة يجب أن أتوجه حتى أحصل على إجابة؛ عندما ينام أطفالي أبقى أراقب الشقوق وأقارنها بما كانت عليه في اليوم السابق”.
ولا يحتاج الخوف في هذه الحالة إلى دليل قاطع حتى يؤثر في حياة السكان، فمجرد غياب خريطة معلنة لمسارات الأنفاق يجعل كل عائلة تتساءل عما إذا كان منزلها واقعا فوق أحدها، خصوصا بعد ظهور صور ومقاطع لأنفاق تضم ممرات وغرفا ومستودعات ونقاط تحصين تحت الأرض.
وبحسب المهندس عبد الخالق قزموز، تضم الشبكة التي حفرتها قوات قسد في مدينة حلب نحو 13 نفقا رئيسياً مترابطاً، تمتد تحت حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومحيطهما، ويقدر طولها الإجمالي بأكثر من 30 كيلومترا.
ويقول قزموز إن هذه الشبكة تتكون من منظومة متصلة من الأنفاق بأحجام مختلفة، خصص بعضها لحركة الأفراد، بينما أنشئت أخرى بمقاطع أكبر لخدمة الأغراض العسكرية واللوجستية، بما في ذلك نقل الأسلحة والذخائر وتخزينها، إضافة إلى غرف ومهاجع ونقاط تحصين تحت الأرض.
ويضيف؛ “لا يعني وجود نفق تحت منطقة سكنية أن الأبنية فوقه ستنهار حتماً، فدرجة الخطر تتوقف على عمق النفق وعرضه وطبيعة التربة وطريقة الحفر ونوعية التدعيم والمسافة التي تفصله عن الأساسات وحالة المبنى نفسه، لكن اجتماع نفق غير مدروس مع بناء قديم أو متضرر أو مشيد فوق تربة ضعيفة يمكن أن يرفع مستوى الخطورة بصورة كبيرة”.
ويشير قزموز إلى أن تأثير الأنفاق لا يقتصر على الأبنية المشيدة فوقها مباشرة، بل يمكن أن يمتد إلى الأبنية المجاورة نتيجة انتقال الإجهادات عبر طبقات التربة، خصوصا في الأحياء المكتظة عمرانيا، حيث تتقارب الأساسات وتتداخل مناطق تأثيرها، وقد يؤدي انهيار جزء من نفق أو تسرب المياه إليه إلى سحب التربة المحيطة وتشكيل فجوات جديدة، ثم انتقال الهبوط تدريجيا باتجاه أساسات المباني.
ويقول فوزي العرنوس أحد سكان الحي لـ موقع تلفزيون سوريا: “المشكلة أننا لا نعرف حدود الخطر، قد يكون البناء الذي نسكن فيه سليماً، لكن ماذا عن البناء الملاصق له؟ إذا انهار جزء من الأرض تحته، هل يبقى الخطر محصورا فيه؟ منازلنا متلاصقة، والشوارع ضيقة، وأي انهيار لن يصيب عائلة واحدة فقط”.
وتزداد هذه المخاوف بسبب غياب معلومات عامة واضحة تجيب عن الأسئلة الأساسية: أين تبدأ الأنفاق وأين تنتهي؟ ما عمقها؟ ما الأبنية الواقعة فوقها؟ هل تحتوي على أجزاء منهارة أو ممتلئة بالمياه؟ وهل أجرت الجهات المختصة مسحا شاملا لها بعد انتقال السيطرة على الحيين؟
ويؤكد قزموز في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا، أن من دون إجابات موثقة، يبقى السكان بين روايات متضاربة، بعضهم يربط أي تشقق بالأنفاق، بينما يرى آخرون أن قدم الأبنية وتسرب مياه الصرف والزلزال عوامل أكثر تأثيرا، أما التقييم الهندسي، فلا يمكن أن يقوم على الانطباعات أو المقاطع المصورة وحدها، وإنما يحتاج إلى خرائط ومسح تحت سطحي وفحوص للتربة والأساسات ومراقبة مستمرة لحركة المباني.
ويرى قزموز أن الأولوية، قبل الانتقال إلى أي أعمال معالجة، يجب أن تكون لتقييم الأثر الحقيقي الذي خلفته شبكة الأنفاق على استقرار الأبنية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
ويوضح أن حفر الأنفاق أسفل المناطق السكنية يؤدي إلى تغيير الخواص الطبيعية للتربة وتقليل قدرتها على تحمل الأحمال المنقولة إليها من الأساسات، ولا سيما إذا جرى الحفر دون تصميم هندسي أو تدعيم إنشائي مناسب.
ويضيف أن أي معالجة تبدأ من معرفة دقيقة بما يوجد تحت الأرض، فإغلاق مدخل ظاهر لا يعني إنهاء خطر النفق، كما أن صب الإسمنت عشوائيا داخله قد ينقل الأحمال إلى مناطق أخرى أو يحبس المياه أو يؤدي إلى انهيار جزء غير مدعم منه، لهذا لا يمكن فصل سلامة الأبنية عن بناء خريطة هندسية كاملة للشبكة وتحديد علاقتها بالكتل السكنية القائمة فوقها.
وبالنسبة لسكان الأشرفية، لا يتعلق الأمر بمشروع هندسي مؤجل، بل ببيوت ينامون داخلها كل ليلة، وفي كل مرة يسقط فيها بناء أو تظهر حفرة في شارع أو يتسع شق في جدار، يعود السؤال نفسه؛ هل ما يحدث نتيجة عمر الأبنية، أم بسبب التربة والصرف الصحي، أم أن الأنفاق أضافت تحت الحي طبقة جديدة من الخطر لم تجر معالجتها حتى الآن؟
13 نفقا وأكثر من 30 كيلومترا.. ماذا يوجد تحت الحيين؟
لا تتعامل التقديرات المرتبطة بشبكة الأنفاق في حيي الأشرفية والشيخ مقصود مع ممرات محدودة حفرت لأغراض مؤقتة، بل مع بنية تحت أرضية واسعة، تضم نحو 13 نفقا رئيسيا مترابطا، ويقدر امتدادها الإجمالي بأكثر من 30 كيلومترا. ويشير هذا الحجم إلى أن عمليات الحفر لم تقتصر على نقاط عسكرية منفصلة، وإنما أنشأت شبكة تتوزع تحت مساحات مأهولة وتربط بين مواقع متعددة داخل الحيين ومحيطهما.
ويقول قزموز إن التنوع في أحجام الأنفاق يعني اختلاف تأثير كل جزء منها على التربة، فالنفق الضيق المخصص لحركة الأفراد لا يحدث الفراغ نفسه الذي يخلفه ممر واسع أو مستودع كبير تحت الأرض، كما أن الغرف الجانبية ونقاط الالتقاء والتفرعات تشكل مساحات إضافية من التربة المزالة، وقد تكون أكثر خطورة من الممرات المستقيمة بسبب اتساعها وتركيز الأحمال فوقها.
ويضيف أن الأنفاق المترابطة قد تتصرف إنشائيا بوصفها منظومة واحدة، خصوصاً عندما تكون المسافات الفاصلة بينها محدودة، إذ لا يعود تأثير كل نفق منفصلا عن الآخر، بل تتداخل مناطق الضعف داخل التربة، ما قد يؤدي إلى تشكيل نطاقات واسعة تتغير فيها قدرة الأرض على توزيع أحمال الأبنية الواقعة فوقها.
ويشرح قزموز أن الهبوط التفاضلي يعد أحد أخطر النتائج المحتملة، لأنه لا يؤدي إلى هبوط البناء كله بالمقدار نفسه، بل تتحرك أجزاء من الأساسات بينما تبقى أجزاء أخرى في مكانها، وعندها تبدأ التشققات بالظهور عند نقاط اتصال الجدران والأسقف، ثم قد تمتد إلى الأعمدة والجسور، ويصبح المبنى أكثر عرضة لفقدان توازنه.
ويقول فوزي عرنوس عن سبب عدم مغادرته الحي: “ليس سهلا أن نغادر المنزل، فالإيجارات مرتفعة ولا نملك مكانا آخر، لذلك نبقى هنا ونحاول أن نطمئن أنفسنا، لكن خبر انهيار أي بناء يعيد الخوف كله من البداية”.
ولا يمكن فصل هذه المخاوف عن آثار زلزال السادس من شباط 2023، الذي وضع عددا كبيرا من أبنية حلب أمام اختبارات قاسية، فحتى المباني التي لم تنهار قد تكون تعرضت لتشققات أو أضرار داخلية متفاوتة، وبعضها رمم بصورة جزئية أو بوسائل بسيطة لم تشمل الأساسات والعناصر الإنشائية الأساسية.
ويؤكد قزموز أن المسح المطلوب يجب أن يبدأ بتحديد مسارات الأنفاق الرئيسية والتفرعات والغرف الملحقة بها، ثم إسقاطها على خريطة الأبنية والشوارع والمنشآت الحيوية، بحيث تعرف كل جهة مسؤولة الأبنية الواقعة مباشرة فوق الشبكة وتلك الموجودة ضمن نطاق التأثير المحتمل.
بعد ذلك، يجب تصنيف الأبنية وفق درجات الخطورة، بدءا من المباني التي تظهر عليها شقوق واسعة أو ميلان أو هبوط واضح، مرورا بالأبنية الواقعة فوق غرف ومستودعات كبيرة، وصولا إلى المنشآت التي لا تظهر عليها أضرار لكنها تقع ضمن مسارات الأنفاق.
ولا تكمن المشكلة في غياب الخريطة وحدها، بل في أن بعض مداخل الأنفاق قد تكون أغلقت أو أخفيت، بينما تبقى التفرعات الداخلية مفتوحة، وقد تحتوي أجزاء منها على مياه متسربة أو مخلفات أو مواد خطرة.
ويقول عرنوس لـ موقع تلفزيون سوريا: “كان الناس يعرفون أن هناك حركة تحت الأرض، لكن لم يكن أحد يعرف المسار الكامل او يسأل خوفاً من الاعتقال، اليوم خرج المقاتلون وبقيت الأنفاق، ونحن لا نعرف هل هي مستقرة أم مهجورة أم تعرضت أجزاء منها للانهيار”.
ولا يملك السكان القدرة على إجراء هذا النوع من الفحوص بأنفسهم، كما أن معاينة شقوق المنزل من الخارج لا تكشف حقيقة ما يجري تحت الأساسات، لذلك يطالب بعضهم بإعلان نتائج أي مسح رسمي وإبلاغ كل منطقة بمستوى الخطر، بدلا من ترك الناس أمام الشائعات والتقديرات المتناقضة.
ويرى قزموز أن الشفافية في هذا الملف جزء من المعالجة، لأن نشر خريطة أولية للمناطق التي تحتاج إلى فحص لا يعني إثارة الذعر، بل يسمح للسكان بالتعامل مع الخطر على أساس معلومات واضحة، مضيفاً أنه يمكن أن يساعد في منع إجراء تعديلات أو إضافة طوابق جديدة فوق المواقع الحساسة إلى حين استكمال الدراسات.
ويشدد على أن العدد المقدر للأنفاق وطولها الكبير لا ينبغي أن يدفع إلى استنتاج أن جميع أبنية الحيين مهددة بالمستوى نفسه، لكنه يكشف أن القضية تتجاوز معالجة حفرة أو مدخل منفرد، فالشبكة المترابطة تحتاج إلى مشروع متكامل يجمع المسح الجيوفيزيائي والفحص الإنشائي ومراقبة الهبوط وتقييم شبكات المياه والصرف الصحي.
وفي غياب هذا المشروع، سيبقى كل انهيار أو تشقق جديد قابلا لتفسيرات متعددة، وسيظل السكان عاجزين عن معرفة ما إذا كانوا أمام مشكلة محصورة في بناء واحد، أم إشارة إلى خلل أوسع يمتد تحت جزء من الحي.
كيف تعالج شبكة بهذا الحجم؟
لا تبدأ معالجة شبكة الأنفاق في الأشرفية والشيخ مقصود بإحضار الآليات وردم المداخل الظاهرة، لأن المدخل لا يمثل سوى نقطة الوصول إلى منظومة أوسع تمتد تحت الأبنية والشوارع.
وقد يؤدي إغلاقه بصورة عشوائية إلى حبس المياه داخل النفق أو نقل الضغط إلى أجزاء أخرى أو التسبب بانهيار داخلي مفاجئ، ما يحول المعالجة نفسها إلى عامل خطر جديد على السكان.
ويقول المهندس الإنشائي المتخصص في هندسة التربة والأساسات عبد الخالق قزموز لـ موقع تلفزيون سوريا؛ إن التعامل مع الشبكة يجب أن يسبق بأي خطوة تنفيذية مسح هندسي شامل، باستخدام الرادار المخترق للأرض وأجهزة المسح الجيوفيزيائي والتصوير ثلاثي الأبعاد، بهدف تحديد الفراغات الموجودة تحت سطح الأرض ورسم خريطة دقيقة لمسارات الأنفاق وأعماقها وتفرعاتها.
ولا يقتصر المسح المطلوب على تحديد الممرات الرئيسية، بل يجب أن يشمل الغرف الجانبية والمستودعات والمهاجع ونقاط الالتقاء والأجزاء المنهارة أو المغمورة بالمياه، لأن الخطر الأكبر قد لا يكون في النفق المستقيم، وإنما في الفراغات الواسعة التي أزيلت منها كميات أكبر من التربة.
ويشرح قزموز أن ملء الأنفاق يمكن أن يتم في بعض المواقع عبر حقن خلطات إسمنتية سائلة أو مواد مخصصة لملء الفراغات الجوفية، بحيث تدخل المادة في التجاويف والتشققات وتعيد تكوين كتلة متماسكة داخل الأرض، غير أن اختيار نوع المادة وكميتها وضغط الحقن يجب أن يخضع لدراسة دقيقة، لأن الضخ الزائد قد يرفع التربة أو يدفعها باتجاه الأساسات، بينما قد يترك الضخ غير الكافي فراغات داخلية تستمر في تشكيل خطر.
وفي بعض المواقع، يمكن اللجوء إلى مواد رغوية هندسية خفيفة الوزن، خصوصا عندما يكون ملء الفراغ بالإسمنت التقليدي سبباً في إضافة أحمال كبيرة إلى التربة أو إلى سقف نفق ضعيف، وتستخدم هذه المواد لملء الفراغ مع تخفيف الوزن، لكنها لا تصلح لجميع الحالات، ويجب تحديد ملاءمتها بحسب طبيعة التربة وحجم النفق وحالة الأبنية الواقعة فوقه.
ويضيف قزموز أن بعض أجزاء الشبكة قد تحتاج إلى تدعيم داخلي قبل الردم، لمنع انهيارها في أثناء العمل، وقد يشمل ذلك إنشاء دعامات مؤقتة أو تنفيذ قشور خرسانية أو حقن التربة المحيطة بالنفق، ثم البدء بعملية الملء تدريجياً من النقاط الأعمق باتجاه المداخل، مع ترك منافذ لمراقبة الضغط وتصريف المياه.
يقول عبدلله الحاج علي من سكان الأشرفية لـ موقع تلفزيون سوريا: “نحن نريد إغلاق الأنفاق، لكننا نخاف أيضا من أن يجري ردمها بسرعة ومن دون دراسة، إذا كان المنزل قائماً فوق فراغ كبير، فهل يتحمل ضخ كميات من الإسمنت تحته؟ لا نريد حلا شكليا يجعل الخطر أكبر بعد أشهر”.
ويعكس هذا التخوف مشكلة أساسية في الملف، إذ ينظر بعض السكان إلى ردم الأنفاق على أنه حل مباشر، بينما يرى المختصون أن الشبكة المترابطة تحتاج إلى معالجة على مراحل، تبدأ بالمناطق التي تظهر فيها مؤشرات خطر مباشر، مثل الهبوط الأرضي أو التشققات المتسعة أو الأبنية المائلة، ثم تنتقل إلى المواقع الأقل خطورة.
ويؤكد قزموز أن تقييم الحالة الإنشائية للأبنية يجب أن يجري بالتزامن مع فحص الأنفاق، لا بعد الانتهاء منها، فبعض المباني قد تحتاج إلى تدعيم عاجل قبل تنفيذ أي أعمال تحتها، من خلال تقوية الأعمدة والجسور أو تدعيم الأساسات أو إنشاء ركائز عميقة تنقل الأحمال إلى طبقات أكثر استقرارا.
وقد تتطلب بعض الحالات إخلاء الأبنية مؤقتا، خصوصاً إذا أظهرت الفحوص وجود فراغات واسعة قريبة من الأساسات أو هبوط مستمر في التربة، ولا يمكن في هذه الحالة الاكتفاء بوضع إشارات تحذير أو مطالبة السكان بمراقبة الشقوق بأنفسهم، لأن الانهيار قد يحدث بصورة أسرع من قدرة الأهالي على إخلاء البناء.
“نحن لا نرفض الإخلاء إذا كان البيت خطرا، لكن إلى أين نذهب؟ بعض العائلات لا تستطيع دفع إيجار شهر واحد، فكيف تترك منزلها مدة طويلة؟ نحتاج إلى جهة تقول لنا الحقيقة وتؤمن لنا مكانا آمنا، لا أن تطلب منا المغادرة ثم تتركنا في الشارع”، تقول أم علاء في حديثها لـ موقع تلفزيون سوريا.
وهنا لا يصبح الملف هندسيا فقط، بل اجتماعياً وخدمياً أيضاً فإخلاء عشرات الأبنية أو حتى عدد محدود منها يحتاج إلى خطة إسكان مؤقت وتعويضات واضحة وجدول زمني للأعمال، حتى لا يتحول إنقاذ السكان من خطر الانهيار إلى أزمة نزوح جديدة داخل المدينة.
ويقول قزموز إن منع تكرار الحوادث مستقبلا يتطلب أيضا وقف أي أعمال حفر أو بناء إضافية داخل المناطق الواقعة فوق الشبكة إلى حين استكمال المسح، لأن إضافة طابق أو خزان مياه أو كتلة خرسانية جديدة قد ترفع الحمل على تربة تعاني أصلا من فراغات أو ضعف.
ويضيف؛ يجب فحص شبكات المياه والصرف الصحي داخل الحيين، لأن أي تسرب مستمر قد يصل إلى الأنفاق أو التربة المحيطة بها، ويؤدي إلى الحت والتعرية ونقل الحبيبات الناعمة وخلق تجاويف جديدة، وفي هذه الحالة، قد لا يكون النفق وحده سبب المشكلة، بل تفاعله مع المياه المتسربة وضعف التربة والأساسات.
لماذا لم تغلق الأنفاق حتى الآن؟
يطرح سكان الحيين سؤالا مباشراً منذ انتقال السيطرة من قوات قسد الى الحكومة السورية الجديدة؛ لماذا بقيت شبكة الأنفاق مفتوحة أو من دون معالجة شاملة حتى الآن، رغم ما تثيره من مخاوف على الأبنية؟
ويرى قزموز أن عدم إغلاق الشبكة لا يعني بالضرورة غياب أي إجراءات، لكنه يكشف حجم التعقيد الفني والأمني والمالي الذي يفرضه مشروع من هذا النوع داخل منطقة مأهولة؛ فإغلاق شبكة يقدر طولها بأكثر من 30 كيلومتراً لا يشبه ردم خندق أو إزالة متراس، وإنما يحتاج إلى فرق متعددة الاختصاصات تعمل وفق خريطة موحدة.
وتبدأ الصعوبة من غياب البيانات الكاملة، فإذا لم تكن هناك خرائط أصلية تبين مسارات الأنفاق وأعماقها وتفرعاتها، يجب إعادة اكتشاف الشبكة من البداية، وقد تكون بعض المداخل أغلقت أو دمرت، بينما تستمر الممرات خلفها باتجاهات غير معروفة، ما يجعل الوصول إلى جميع أجزائها أكثر تعقيدا.
بعد ذلك تأتي الكلفة المالية، إذ تتطلب أعمال المسح أجهزة متقدمة وفرق تشغيل متخصصة، ثم تحتاج عمليات الحقن والردم والتدعيم إلى كميات كبيرة من المواد وآليات ومراقبة مستمرة، وفي شبكة تمتد تحت حي سكني، قد تتطلب الأعمال فتح أجزاء من الشوارع أو إخلاء مبان أو نقل خطوط مياه وكهرباء وصرف صحي.
وتزداد الصعوبة بسبب احتمال امتداد أجزاء من الأنفاق تحت منشآت خدمية أو مدارس أو أسواق أو طرق رئيسية، ما يعني أن إغلاقها يحتاج إلى تنسيق بين المحافظة والبلدية والدفاع المدني والجهات الأمنية ونقابتي المهندسين والمقاولين ومؤسسات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
ويشير قزموز إلى أن البدء بردم الشبكة من دون ترتيب الأولويات قد يهدر الموارد في مواقع مستقرة، بينما تبقى مناطق أكثر خطورة من دون معالجة، لذلك يجب وضع خريطة للمخاطر تحدد الأبنية والمواقع التي تحتاج إلى تدخل عاجل، ثم تقسيم الشبكة إلى قطاعات يجري العمل عليها تدريجيا.
ويقول فوزي عرنوس أحد سكان حي الأشرفية بحلب: “نعرف أن الأمر ليس سهلا، لكننا لا نرى معلومات واضحة، لا نعرف هل بدأت الدولة مسح الأنفاق؟ أو ما المناطق الأخطر؟ ولا إن كان البناء الذي نعيش أو نعمل فيه قد فحص؟ الصمت يجعل الشائعات أقوى من أي تصريح”.
ويطالب السكان بأن تعلن الجهات المعنية ما أنجزته، حتى إذا كانت الأعمال في مراحلها الأولى، فالإعلان عن تشكيل لجنة أو بدء مسح أو تحديد عدد من الأبنية المهددة يمكن أن يمنح الأهالي صورة أوضح، بينما يؤدي غياب المعلومات إلى انتشار أرقام وتفسيرات لا يمكن التحقق منها.
ويرى قزموز أن إنشاء مكتب هندسي ميداني داخل الحيين يمكن أن يكون خطوة أولى، يتلقى بلاغات السكان عن التشققات والهبوط والأصوات غير الطبيعية، ويرسل فرقا للكشف الأولي، ثم يحيل الحالات الخطرة إلى لجان أوسع لإجراء الفحوص التفصيلية.
ويمكن اعتماد علامات مراقبة بسيطة على الشقوق في المرحلة الأولى، إلى جانب أجهزة أكثر دقة في الأبنية عالية الخطورة، لمعرفة ما إذا كان الشرخ مستقرا أم يتسع مع الوقت، ويجب أن تسجل هذه البيانات في قاعدة موحدة تربط حالة كل بناء بموقعه بالنسبة إلى شبكة الأنفاق.
ويضيف؛ “لا يكفي أن تعمل الجهات المختصة بعد وقوع الانهيار، فعمليات البحث والإنقاذ، مهما كانت سرعتها، تبدأ بعد تحول الخطر إلى كارثة، أما المسح الاستباقي فيمكن أن يحدد الأبنية المهددة قبل سقوطها، ويمنح السكان وقتا للإخلاء والتدعيم”.
ويؤكد قزموز أن مشروع المعالجة يجب أن يشمل ثلاثة مسارات متوازية: تأمين الأنفاق وإغلاقها هندسيا، فحص الأبنية وتدعيمها، ومعالجة شبكات المياه والصرف الصحي، وأي عمل يركز على مسار واحد ويهمل المسارين الآخرين سيبقي جزءا من الخطر قائما.
فردم النفق من دون إصلاح تسربات الصرف قد يؤدي إلى انتقال المياه إلى مسار جديد، وتدعيم البناء من دون معالجة الفراغ تحته قد يمنحه استقرارا مؤقتا فقط، بينما إصلاح شبكة المياه من دون فحص الأنفاق لا يجيب عن أثر الفراغات القديمة.
ويقول فوزي عرنوس لـ موقع تلفزيون سوريا؛ “إذا كانت الأنفاق قد أدت منذ سنوات وظيفة عسكرية لصالح قوات قسد ورغماً عنا وبأموالنا، فإنها بعد انتهاء تلك الحقبة أصبحت عبئاً هندسياً ومدنياً يحتاج إلى قرار عاجل، فتركها من دون معالجة لا يبقيها خارج الاستخدام فقط، بل يترك فراغات مجهولة تحت آلاف السكان، فيما قد تكون الأبنية القديمة والمتضررة من الزلزال أقل قدرة على تحمل أي تغير جديد في التربة”.
المصدر: تلفزيون سوريا






