قراءة في كتاب: تحولات النظام العالمي

  عبد المجيد عرفة

النشأة -التحولات – المآلات من معاهدة وستفاليا إلى بداية أفول نظام القطب الواحد 

معقل زهور عدي كاتب سوري متميز كتابه تحولات النظام العالمي النشأة التحولات المآلات من معاهدة وستفاليا الى بداية أفول نظام القطب الواحد. هو أول عمل فكري أقرأه له واكتب عنه.

يقسم الكتاب إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة واحد الفصول مقسم الى أبواب عدّة. وهو كتاب مركز ومكثف يوثق نشوء النظام العالمي وظروف تغيره وتطوره عبر عدة قرون.

سلام وستفاليا ١٦٤٨م. 

كانت أوروبا ما قبل معاهدة وستفاليا مقسمة إلى إمبراطوريات يحكمها أمراء وملوك إقطاعيين يتبعون الى البابا كرئيس روحي وله هيمنته السياسية. حصلت تغيرات مجتمعية في عموم أوربا كانت نتاج التطور العلمي والتكنولوجي والصناعي الذي دفع لولادة الطبقة البرجوازية وطبقة العمال ودفع باتجاه التفكير وفق المصلحة الوطنية والقومية لكل امة وكذلك وفي نفس الوقت ولد المذهب الديني البروتستانتي على يد مارتن لوثر، كاسرا احتكار المذهب الكاثوليكي للتمثيل الديني عند المسيحيين في أوروبا. طبعا هذا غير المذهب الارثوذكسي الشرقي المتواجد سابقا.

كل ذلك كان سببا لحصول اتفاق وستفاليا بين حكّام أوروبا الجدد في ذلك التاريخ وانهيار امبراطوريات وولادة دول وطنية وقوميات، وتأسس عصر جديد بتوازنات جديدة قائم على مصلحة كل أمة داخل أوروبا بعلاقتها مع بعضها البعض.

الثورة الفرنسية والحروب النابليونية.

لقد كان من تبعات الثورة الصناعية وبزوغ عصر القوميات مما أدى لحصول الثورة الفرنسية ١٧٨٩م التي طرحت مبادئ الحرية والإخاء والمساواة ولكنها لم تستطع أن تحكم لفترة طويلة وظهر نابليون الذي حاول العودة الى عصر الامبراطوريات وخاض حربا على امتداد أوروبا يريد فرض الهيمنة الفرنسية وحاول التمدد باتجاه روسيا القيصرية، حيث توحدت الدول الأوروبية ضدّه و قضت على حلم نابليون باحتلال اوروبا وأعادت فرنسا إلى حجمها الطبيعي ضمن دول أوروبا المتنافسة على مصالحها.

الحرب العالمية الأولى وبزوغ النظام العالمي.

استمرت الدول الأوروبية التي توالدت من عصر القوميات والتطور البرجوازي وبزوغ نزعات توسعية استعمارية فشلت فيما بينها كما حصل مع نابليون. ومع ذلك عادت الى الصراع مجددا حيث كانت إنجلترا قد أصبحت سيدة البحار وفرنسا لها قوتها وكذلك ألمانيا وإيطاليا وكل له طموحاته التي جعلتهم يخوضون الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م. حيث كانت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ضد النمسا والمانيا والعثمانيين. وكانت نتيجتها هزيمة ألمانيا و العثمانيين والنمسا. حيث تدخلت أمريكا مع الانكليز والفرنسيين وايطاليا وادت لهزيمة الآخرين، حيث تم تقسيم البلاد التابعة للعثمانيين بين الدول المنتصرة.

شكلت الدول المنتصرة عصبة الأمم كمرجع دولي مؤسس للنظام العالمي واستمر بالفترة بين الحرب العالمية الأولى والثانية التي بدأت عام ١٩٣٩م واستمرت حتى ١٩٤٥م.

إطلالة على نظام الانتداب الذي كان غطاء لاستعمار الانكليز والفرنسيين للمشرق العربي. 

طرح الانكليز والفرنسيين مفهوم الانتداب في عصبة الأمم واخذوا شرعية في الهيمنة على المشرق العربي، و ليغطوا به حقيقة استعمارهم للمشرق العربي حيث كان العراق وفلسطين والاردن حصة الانكليز وكانت سورية ولبنان حصة الفرنسيين وهو ما تم الاتفاق عليه بين سايكس وبيكو ممثلي الدولتين. كان الانتداب بمعنى مساعدة الدول الخارجة من الحكم العثماني حتى تستطيع ان تحكم نفسها بشكل صحيح ، هو الغطاء الشرعي الذي أعطته عصبة الأمم الى الدولتين اللتين تصرفوا وفق مصالحهم وكأن هذه البلاد من أملاكهم وليست ملك لشعوبها.

عملت فرنسا على تقسيم سورية لعدد من الدول وفصلت لبنان عن سورية ولكنها لم تنجح بتقسيم سورية. وأعطت لواء اسكندرون وكيليكية لتركيا وفق مصالحهم المشتركة. اما انكلترا فقد أعطت وفق وعد بلفور ١٩١٧م فلسطين للصهاينة ونفذت في مرحلة انتدابها ذلك حيث أعلنت دولة إسرائيل مع انسحاب انجلترا و بمساعدتها على جزء من فلسطين وتوسع الصهاينة بعد ذلك بحروبهم المتتابعة ضد العرب.

وهكذا نرى أن النظام العالمي الناتج عن عصبة الأمم أدى لاستعمار المشرق العربي وتقسيمه وزرع الكيان الصهيوني فيه. وذلك بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

لم تقبل ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى هزيمتها وجهزت نفسها لخوض حرب عالمية أخرى بدأت عام ١٩٣٩م وامتدت إلى ١٩٤٥م. وكانت ألمانيا متحالفة مع إيطاليا واليابان وبالمقابل كانت فرنسا وبريطانيا و دعمتهما أمريكا وكذلك الروس بعد الثورة الروسية حيث كان النصر لهم على ألمانيا وحلفائها.

نشأت هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن كنتيجة لتوازن القوى الجديد بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت الدول الدائمة العضوية مالكة حق الفيتو النقض لأي قرار لا ترضى به هذه الدول وهم فرنسا وبريطانيا وأمريكا وروسيا ومن ثم ادخلت الصين مع هذه الدول. واصبحو هم حكّام العالم الفعليين. أهم قطبين هما امريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى.

حيث يحكم التوازن الدولي قاعدة الخوف من القوة النووية التي تملكها هذه الأطراف، وهذا منع أي صراع مباشر بينها وجعل العالم تحت رحمة توافقها أو صراعاتها عبر اطراف اخرى تابعة للحلف الغربي او الشرقي.

الانتقال من ثنائية القطبية الى احادية القطبية في النظام الدولي.

لم يستطع حلف الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية التابعة له أن يستمر في صراع القوة المباشرة وغير المباشرة مع المعسكر الرأسمالي الغربي. حتى أعلن سقوط الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م. وعاد العالم ليكون تحت هيمنة القطب الغربي الواحد.

لم تتقبل روسيا الدولة الجديدة أن تكون محصورة من حلف الناتو الغربي حيث خاضت معاركها العبثية مع أوكرانيا لأنها فكرت أن تلتحق بركب أوروبا وحلف الناتو. لذلك تصرفت روسيا بأكبر من حجمها وارادت ان تكون طرفا دوليا فاعلا مقابل المعسكر الغربي مستندة على ترسانتها النووية.

وهكذا أصبحت أمريكا عمليا رأس العالم كقطب واحد يتصرف دون حساب لأي مساءلة أو مراجعة. وخاصة في عهد الرئيس ترامب الحالي. الذي قدم الدعم مع الأوروبيين لأوكرانيا. وغطى معارك القتل والمجازر التي قام بها الصهاينة بحق أهلنا في غزة. وقام مع إسرائيل بحرب مفتوحة ضد إيران وحزب الله اللبناني لا يعلم متى وكيف ستنتهي.

ورغم مشاعرنا المعادية لإيران وحزب كسوريين كان الطرفان يقتلون الشعب السوري داعمي النظام البائد. لكننا لا نرى أفق لهذه الحرب. ورغم غبطتنا من تحجيم إيران ضمن دولتها وموت عقيدة تصدير الثورة. وان نرى حزب الله في لبنان جزء من الدولة اللبنانية و منزوع السلاح وجزء من الخارطة السياسية اللبنانية ضمن معادلتها الدستورية والتوافقية.

المآلات.

نرى كما يرى الكاتب معقل زهور عدي أن الأحادية القطبية الامريكية تتوجه للانحسار من باب الاقتصاد هذه المرة وليس من باب القوة العسكرية أو الصراعات والحروب .

الصين دولة صناعية نووية من دول مجلس الأمن. تشكل التهديد الحقيقي لهيمنة أمريكا الاقتصادية وبالتالي العسكرية على العالم. وهناك أفق مفتوح أمام أمريكا والصين أن يتباحثون ثنائي القطب بكيفية إدارة شؤون العالم.

ولا ننسى أن أوروبا ورافعتها الاقتصادية ألمانيا تعمل لتصنع لنفسها خصوصيتها السياسية وتطورها العسكري وخططها الاقتصادية .

العالم يسير باتجاه صناعة تعدد قطبي دولي يعيد خلق نظام عالمي جديد يتبلور اولا بأول.

ختاما:

لقد حاولت في هذه القراءة للكتاب أن أدمج بين رؤياي حول طروحات الكتاب مع رؤى الكاتب الصديق معقل زهور عدي، لاني وجدتها شبه متطابقة .

 وأن الملاحظة الوحيدة التي كنت اود ان يعطيها صديقي معقل حقها من التوسع عندما تحدث عن المشرق العربي بين الحربين العالميتين . هو الدور الغربي خاصة الانجليزي في ولادة الكيان الصهيوني ودعم وجوده وإعطائه أسباب القوة والوجود حتى سيطر على اغلب فلسطين وشرد الفلسطينيين وسلب أرضهم وخلق اسوأ استعمار استيطاني في القرن العشرين . الذي مازالت مآسيه و مظالمه مستمرة للآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى