
في الثامن من آب، لا يستذكر العراقيون نهاية حرب فحسب، بل يستذكرون اليوم الذي انكسر فيه مشروع كان يطمح إلى ابتلاع المنطقة العربية تحت شعار “تصدير الثورة”. ففي ذلك اليوم، وبعد ثماني سنوات من القتال الضاري، اضطر الخميني إلى قبول وقف إطلاق النار، معترفاً بأنه تجرع “كأس السم”. لقد كان ذلك اعترافاً مدوياً بأن القوة العسكرية الإيرانية عجزت عن إخضاع العراق، وأن مشروعها التوسعي اصطدم بصخرة الإرادة العراقية.
ثماني سنوات وقف فيها العراق وحيداً تقريباً في مواجهة آلة الحرب الإيرانية. دفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، وقدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين، لكنه منع سقوط البوابة الشرقية للأمة العربية، وأفشل محاولة تحويل العواصم العربية إلى ساحات نفوذ تديرها طهران.
لم تكن الحرب، في نظر كثير من العرب، مجرد نزاع حدودي بين دولتين، بل كانت مواجهة بين دولة تدافع عن سيادتها وهويتها العربية، ومشروع سياسي أعلن صراحة أن حدوده لا تتوقف عند حدود إيران. ولهذا لم يكن انتصار العراق انتصاراً عسكرياً فحسب، بل كان انتصاراً استراتيجياً أوقف تمدد ذلك المشروع لأكثر من عقد من الزمن.
لقد بقي النظام الإيراني بعد الحرب محاصراً داخل حدوده، عاجزاً عن تحقيق ما عجز عن انتزاعه بالقوة. ولم يكن ذلك نتيجة ضعف في الطموح، بل لأن العراق كان السد الذي تحطمت عليه موجات التوسع.
لكن المأساة الحقيقية بدأت عام 2003. فحين احتُل العراق، لم تسقط دولة عربية مركزية فحسب، بل سقط معها الحاجز الذي كان يمنع تمدد النفوذ الإيراني غرباً. لقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية إلى فتح أبواب المنطقة أمام تدخلات غير مسبوقة، حتى وصل الأمر بمسؤولين إيرانيين إلى التفاخر علناً بأن نفوذهم يمتد إلى أربع عواصم عربية.
والمفارقة المؤلمة أن ما عجزت إيران عن تحقيقه خلال ثماني سنوات من الحرب، تحقق لها في سنوات قليلة بعد احتلال العراق. فالدبابات التي لم تتمكن من عبور الحدود، عبرت مكانها الميليشيات، وشبكات النفوذ، والمشاريع الطائفية، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة العراقية.
إن ذكرى الثامن من آب ليست مناسبة لاستحضار الماضي من أجل البكاء عليه، بل لتذكير العرب بحقيقة لا تقبل الجدل: أن العراق لم يكن يدافع عن نفسه وحده، بل كان يدافع عن النظام الإقليمي العربي بأسره. وأن الثمن الذي دفعه العراقيون لم يكن دفاعاً عن حدودهم فقط، بل عن استقرار المنطقة كلها.
المجد لشهداء العراق الذين سقطوا وهم يذودون عن وطنهم، والرحمة لكل الضحايا الذين أحرقتهم تلك الحرب من الجانبين. أما التاريخ، فسيسجل أن العراق، وهو ينزف، أوقف مشروعاً توسعياً لسنوات طويلة، وأن انهياره لاحقاً غيّر وجه المنطقة، وفتح الباب أمام مرحلة ما تزال الأمة العربية تدفع ثمنها حتى اليوم.
المصدر: كل العرب






