
لم يخب ظنّ فئة واسعة من اللبنانيين بسقوط الرهان على المسار التفاوضي المباشر مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، منذ إطلاق صفّارة بدايته في 14 إبريل/ نيسان الماضي، فبعد سبع جولات تفاوضية، استقرّت الحصيلة على قبضة هواء، ولا يلوح في الأفق ملمح يمكن أن يرفد المراهنين بشحنة رجاء.
قيل للمفاوضين اللبنانيين قبل تحريك عجلة قطارهم نحو المفاوضات المباشرة: لكم في الجارة والشقيقة دمشق وسلطتها الجديدة مثال على السلوك التفاوضي المباشر، فجولات ثلاث امتدّت من أذربيجان إلى أوروبا، كان محصولها فراغاً، وفي مقابل ذلك لم تتوقّف الاعتداءات ولا التوغّلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، فتعيش بلداته وقراه حرباً غير مُعلَنة، فيما لا ينفكّ بنيامين نتنياهو وفريقه الوزاري عن الإشهار والإجهار بأنّ جيش الاحتلال لن ينسحب من جنوبي سورية. وقيل أيضاً للمفاوضين اللبنانيين: لكم مثال آخر في قطاع غزّة، المفترض أنّه يشهد وقفاً لإطلاق النار منذ الموافقة على مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خريف السنة الفائتة، لكنّ أشهراً مضت، ولم يعرف أهل القطاع ولا أرضه تهدئةً ولا هدوءاً، على الرغم من أنّ ترامب تعهّد حينذاك، فأوحى بأنّ السلام في غزّة مُلقى على عاتقه. ومع ذلك، لم ينزل البرد والسلام على الغزّيين، وما فتئ نتنياهو يلحن ويصخب صبحاً وأصيلاً بقوله الثابت: باقون في غزّة.
كسبت إسرائيل من لبنان المفاوض إنجازات استراتيجية، من ضمنها إنهاء حالة العداء والتزام لبنان بعدم تقديم شكوى أو رفع دعوى ضدّ إسرائيل في المحافل السياسية أو القضائية الدولية
لا تحيد رؤية المستويَين السياسي والعسكري في تل أبيب حيال جنوبي سورية وقطاع غزّة عن الرؤية ذاتها تجاه جنوبي لبنان، فما يُعرف بالتحوّل في مفاهيم الأمن الإسرائيلي ينسحب على المناطق الثلاث، والإشكالية في بيروت المفاوضة أنّها مأخوذة بخيلاء الفصل بين المسارات، في حين أنّ الاحتلال الإسرائيلي لا يفصل بينها. وحتّى لا يقال إنّ المعطيات الخارجية غير مطابقة لمواصفات الواقع اللبناني، فإنّ استدعاء ما أدلى به المسؤولون الإسرائيليون خلال انعقاد جولة المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية السابعة، في 4 أغسطس/ آب الجاري، في روما، قد يفتح الأعين بعض الشيء على طريقة التفكير التي يعتمدها العقل الإسرائيلي، ويتّخذها مساراً للتعامل مع جنوبي لبنان. ففي اليوم الثاني من هذه المفاوضات، أوردت صحيفة هآرتس ما مفاده بأنّ الجيش الإسرائيلي أنشأ ما لا يقلّ عن سبع قواعد عسكرية في الأراضي اللبنانية المحتلّة، وفي مجال البنية التحتية يشقّ طرق إمداد على النسق ذاته المعتمد في قطاع غزّة، ولإنجاز هذه الأشغال تعاقد مع شركات مقاولات مدنية. وحيال ذلك، يقول المُعلِّق المعروف تسفي برئيل في الصحيفة نفسها: “عندما يصدر وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، توجيهات ببناء قواعد عسكرية في جنوبي لبنان، فهذا يوحي بأنّنا باقون هناك 50 عاماً”.
ولا يخرج عن جادة الاستدعاء نفسها ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي، في 5 أغسطس/ آب، عن رئيس الأركان إيال زامير، مطالبته بوضع صناديق اقتراع للجنود الإسرائيليين في الأراضي اللبنانية المحتلّة، للإدلاء بأصواتهم في العملية الانتخابية في 27 أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل. ولا ينطوي ذلك سوى على مؤشّرات معناها أنّ جولة المفاوضات الأخيرة في روما، وما سبقها، لم تخرج عن أن تكون لعبة دمى لا طائل منها، وهكذا ستستمرّ إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية العامّة، وأيضاً إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة ونيلها الثقة النيابية، إذ يكون كسب الوقت قد أفلح في اجتياز السنة الحالية وطرق أبواب الأشهر الأولى من 2027.
وبالتوازي مع لعبة الوقت والدمى التي يمعن العقل الإسرائيلي فيها، تتزاحم الأسئلة الناتجة عن عناوين التفاوض المثيرة والمثارة في جولة روما وما بعدها، وبعض هذه العناوين يرتبط بما يُسمّى بـ”أملاك اليهود” في لبنان. فإثارة هذا الموضوع في جولة المفاوضات أخيراً، رغم طيّه على عجل، توسّع مساحة القناعة القائلة إنّ الإسرائيليين يسعون إلى إدخال لبنان المفاوض في متاهة مجهولة المدى وطلسمية الأفق، والأمر عينه يختصّ بالعنوان المتعلّق بالحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلّة.
في هذه المسألة بالذات، أي الحدود اللبنانية وما يثار حولها، من موجبات القول إنّ هذه الحدود مرسّمة ومثبّتة منذ 7 مارس/ آذار 1923، عبر ما يُعرف باتفاقية بوليه–نيوكامب، وهي الحدود نفسها التي اعتُمدت في اتفاقية الهدنة الموقَّعة في 23 مارس 1949. وفي الفقرة الأولى من المادّة الخامسة من اتفاقية الهدنة: “يتبع خطّ الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين”، والاتفاقية الأولى أُودعت لدى عصبة الأمم، والثانية كانت برعاية الأمم المتحدة التي خلفت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية.
لا تحيد رؤية المستويَين السياسي والعسكري في تل أبيب حيال جنوبي سورية وقطاع غزّة عن الرؤية ذاتها تجاه جنوبي لبنان
وبصرف النظر عن تقديم الوفد التفاوضي اللبناني خرائط حدودية خلال جولة روما، فإنّ الطرح الإسرائيلي حول الحدود هدف إلى اصطناع إشكالية حول الترسيم والتثبيت، وهذا ما يستعيد القول بإدخال لبنان في متاهة التفاوض. ويقع في صلب الأخيرة ما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى ترويجه، فبعد اصطناع مصطلح “المناطق التجريبية”، والمرادّ منها “امتحان” الجيش اللبناني و”تقييم” أدائه، نظراً إلى انعدام الثقة الإسرائيلية بالمؤسّسة العسكرية اللبنانية، بات الإسرائيليون يروّجون مصطلح “المناطق الأمنية”، وتعني، في مفهومهم، منع الأهالي من العودة إلى بلداتهم، على الرغم من أنّها غير محتلّة، والغرض من هذا المفهوم تحويل التهجير إلى حالة مديدة. وعلى ما يقوله باحثون في معهد ألما العبري، المعني بالجبهة الشمالية، فإنّ المستوى الأمني الإسرائيلي يرى وجوب إبقاء ما لا يقلّ عن 400 ألف من سكّان جنوبي لبنان خارج مدنهم وبلداتهم.
وفي جولة روما التفاوضية، رفض الإسرائيليون تحديد منطقة تجريبية ثانية، والمنطقة التجريبية الأولى ليست محتلّةً، وامتنعوا عن الالتزام بوقف النار، وأعرضوا عن التعهّد بعدم جرف المنازل وهدمها، وأحجموا عن التقيّد بمفردة الانسحاب، ورفضوا إيقاف التفجيرات الزلزالية، ومحيط قلعة الشقيف التاريخية مثالاً. وفي الخلاصة، كسبوا من لبنان المفاوض إنجازات استراتيجية، من ضمنها اثنان: إنهاء حالة العداء، كما ورد في البند الأوّل من الاتفاق–الإطار، والتزام لبنان بعدم تقديم شكوى أو رفع دعوى ضدّ إسرائيل في المحافل السياسية أو القضائية الدولية، كما في البند 13 من الاتفاق.
يقول لبنان المفاوض إنّ آماله معلّقة على الراعي الأميركي، وهذه “الآمال” تستدعي بيتاً من شعر الإمام الشافعي: “فما كلُّ من تهواه يهواك قلبُه/ ولا كلُّ من صافيته لك قد صفا”.
المصدر: العربي الجديد






