الأزمة الاقتصادية ومٱلاتها في سورية 

محمد علي صايغ

تتفاقمُ الأزماتُ الاقتصاديةُ في سوريةَ يومًا بعدَ يوم، بعدَ عقودٍ من التحديات وسنواتٍ من الحربِ الداخلية، والعقوباتِ الدولية، وفشلِ السياساتِ الاقتصاديةِ التي قامت على تغوُّلِ السلطةِ القمعيةِ البائدة عبر طبقتها السياسية المتحكِّمة. وقد جرى تحويلُ اقتصادِ الدولةِ والمالِ العام إلى فرصةٍ للسطوِ والنهب من قِبَلِ طبقةٍ عليا في السلطة ومتنفِّذيها، الذين أدّاروا أموالَهم ووظّفوها عبر أرصدةٍ خارجية، أو في مشاريعَ استثماريةٍ سريعةِ العائد، كالعقارات والمقاولات، أو في مشاريعَ وهميةٍ لتبييضِ الأموال. وقد أدّى ذلك إلى فوضى اقتصاديةٍ ناتجةٍ عن سيطرةِ اقتصادِ الظل، وتحكُّمِ السوقِ السوداء، وفقدانِ القيمةِ الشرائيةِ للعملةِ السورية تدريجيًا، الأمرُ الذي انعكسَ على هجرةِ اليدِ العاملة إلى خارج البلاد.

وزادَ من تفاقمِ الأزمةِ الحربُ الداخليةُ وتوظيفاتُها الخارجية، التي دمّرت البنيةَ التحتيةَ الصناعيةَ والزراعيةَ والخدمية، وأوقفت حركةَ الإنتاج، وأخرجت مناطقَ واسعةً عن السيطرة لفتراتٍ طويلة، ما أدّى إلى انهيارٍ دراماتيكي في الإنتاج وسلاسلِ التوريد، وانعكس ذلك على عدم القدرة على تلبية الاحتياجات، في ظلِّ تراجعٍ مخيفٍ للدخل وارتفاعٍ كبيرٍ في الأسعار.

ولم تأتِ السياساتُ الاقتصاديةُ لاحتواءِ الأزمة، بل أسهمت في تعميقها من خلال قراراتٍ آنيةٍ مفاجئة، تمخّضت عن رفعِ الأسعار وفرضِ قيودٍ تعسفيةٍ على الاستيراد والتصدير. كما أدّى غيابُ الشفافية إلى فقدانِ الثقةِ بالأسواق وبالليرة السورية، ما قاد إلى تضخُّمٍ اقتصاديٍّ واسع، انعكس على ارتفاعِ أسعارِ السلع الأساسية، وغلاءِ المعيشة، وانهيارِ قيمةِ العملة، وانخفاضِ الدخل، وضعفِ فرصِ العمل، وزيادةِ البطالة، وهجرةِ الكفاءات، وتدهورِ الخدمات (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم)، واتساعِ السوق غير الرسمي القائم على تجارة السوق السوداء، والاعتمادِ على التحويلاتِ الخارجية وتهريب المخدرات والديون الخارجية ( ايران ، وروسيا ) لسدِّ الفجوة بين تدهورِ الإنتاج ومتطلباتِ الاستهلاك.

بعدَ سقوطِ النظام في 8/12/2024، اصطدمت الإدارةُ السياسيةُ بالواقعِ السوري المثقَل بالانهياراتِ الاقتصاديةِ والخدميةِ والاجتماعية، نتيجةَ سياساتِ النظام السابق وهروبِ رأسِ السلطة بعد تركِ خزينةِ الدولة فارغة. وجدت الإدارةُ الجديدةُ نفسَها، بعد موجاتِ الفرحِ الشعبي العارم، أمام تحدياتٍ جسيمة وواقعٍ بالغِ التعقيد، لا تُحسد عليه أيُّ سلطةٍ جديدةٍ تحلُّ محلَّ سلطةٍ قامت على النهبِ المنظَّم.

كانت الآمالُ لدى الشعبِ السوري كبيرةً مع استلامِ الإدارةِ الجديدةِ دفةَ الحكم، غيرَ أنَّ الفارقَ بين التفاؤلِ المفرطِ والأملِ الواقعي يظلُّ قائمًا، في ظلِّ تطلعاتٍ إلى بناءِ دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية، واقتصادٍ قويٍّ يُلبّي احتياجاتِ المواطنين بعد سنواتٍ طويلةٍ من المعاناة، وتحقيقِ الحريةِ والأمنِ والعدالة.

إنَّ التحدياتِ التي تعترضُ النهوضَ الاقتصادي وكيفيةَ تجاوزِها ترتبطُ برؤيةِ الإدارة وقدرتها على رسمِ سياساتٍ اقتصاديةٍ ناجعة، وتوفيرِ الشروطِ اللازمةِ لبدءِ مسارِ التعافي. ويمكن تحديدُ أبرزِ هذه التحديات بما يأتي:

أولًا: الاستقرار

يُعدُّ الاستقرارُ السياسيُّ والأمنيُّ على رأسِ الأولويات، ويتطلّبُ ذلك إطلاقَ عمليةٍ سياسيةٍ واضحةٍ لإنهاءِ حالاتِ التوتر، تأخذ بالاعتبار صياغة رؤية سياسية للتغيير الوطني الديمقراطي يتم بنائها من خلال الدعوة لمؤتمر وطني عام وشامل يؤسس لمرحلة جديدة وينبثق عنه هيئات ومؤسسات تدير المرحلة الانتقالية وتعمل على التحضير للانتقال الهادئ والٱمن وصولاً الى نهاية مرحلة الانتقال المؤقتة ، وللمساهمة في تعزيز الاستقرار وتثبيته ووضعِ حدٍّ للنزاعاتِ القائمة في مختلفِ المناطق. كما يقتضي تعزيزُ الاستقرارِ الأمني إنهاءَ ظاهرةِ الفصائلية، وبناءَ جيشٍ وطنيٍّ وقوى أمنٍ ( شرطة ) تمثّلُ الشعبَ السوري، والسيرَ في مسارِ العدالةِ الانتقالية وإنصافِ المظلومين لمنعِ دوّاماتِ الثأرِ والانتقام.

كما يتطلّبُ الاستقرارُ الاقتصاديُّ تبنّي سياسةٍ واضحةٍ ومدروسة، لا تقوم على التجريب أو استنساخِ نماذجَ لا تتناسبُ مع الواقعِ المحلي، مع ضرورةِ تحقيقِ التوازنِ بين الدخلِ والأسعار، والحدِّ من التضخم، وضبطِ السوقِ السوداء، وتوحيدِ أسعارِ الصرف، وتشجيعِ الإنتاجِ المحلي، ودعمِ الصناعاتِ الصغيرةِ والمتوسطة، وتعزيزِ القطاعِ الزراعي ، وإعادة هيكلة القطاع العام .

ثانيًا: البنية التحتية والخدمات

إنَّ إعادةَ الإعمار لا تقتصرُ على ترميمِ الأبنية، بل تشملُ بناءَ بنيةٍ تحتيةٍ صناعيةٍ وزراعيةٍ متكاملة، وتوفيرَ مصادرِ الطاقة، وتسهيلَ الإجراءاتِ الاستثمارية، والتحوّلَ التدريجي نحو الصناعاتِ الإنتاجية، وإدخالَ التكنولوجيا الحديثة، بما يحققُ الاكتفاءَ الذاتي ويرفعُ الدخلَ القومي ومستوى دخل الفرد.

ثالثًا: الإصلاحُ التشريعي والقانوني

لا بدَّ من إصلاحِ البنيةِ التشريعيةِ القائمة، عبر دستورٍ عصري وقوانينَ حديثةٍ تواكبُ التحوُّلَ السياسيَّ والاقتصادي، وتوفّرُ بيئةً قانونيةً جاذبةً للاستثمار، قائمةً على الشفافية وتبسيط الإجراءات. كما يُعدُّ تحقيقُ العدالةِ الانتقالية والمصالحةِ الوطنية خطوةً أساسيةً لكشفِ الحقيقة وجبرِ الضرر منْ أجلِ الاستقرارِ الداخلي .

رابعًا: إدارةُ التعافي وإعادةُ تأهيلِ المؤسسات

يتطلّبُ ذلك إعادةَ تفعيلِ مؤسساتِ الدولة، والاستفادةَ من الكفاءات، واعتمادَ معاييرِ الكفاءة بدلًا من المحسوبيات، وربطَ التعليمِ بسوقِ العمل، وتحسينَ الأجور بما يتناسبُ مع التضخم، وخلقَ بيئةٍ آمنةٍ للاستثمار.

خامسًا: استكمالُ الشرعيةِ وبناءُ الثقة

يقتضي ذلك توحيدَ القرارِ السيادي، وتعزيزَ الوحدةِ الوطنية، وإطلاقَ الحريات، وتفعيلَ الإعلام، ودعمَ المجتمعِ المدني وترخيص للأحزاب الوطنية لتمارس دورها في عملية التنمية والنهوض بالبلاد ، وإشراكَ المواطنين في صنعِ القرار، بما يعزّزُ الثقةَ بين الدولة والمجتمع.

إنَّ إشراكَ المجتمعِ في صياغةِ السياساتِ وتنفيذِها يُعدُّ ضرورةً وطنية، إذ لا يمكن تحقيقُ التعافي دونَ تعبئةٍ مجتمعيةٍ شاملة. وفي المقابل، فإنَّ استمرارَ الضبابيةِ والتردّدِ في اتخاذِ القرارات وأحياناً تناقضها مع بعضها بغياب وجود مؤسسات تشريعية معتبرة ( مجلس الشعب ) سيؤدي إلى تفاقمِ الأزمات، وتراجعِ التأييدِ الشعبي، وزيادةِ الإحباط ، مع شعور بعدم الرضى الشعبي وازياد قناعته تدريجياً بان الاوضاع والممارسات لم يتغير فيها شيء الكثير عن ما كانت عليه الأوضاع السابقة

وفي ضوءِ ذلك، تقفُ الحكومةُ الانتقاليةُ اليوم أمامَ اختبارٍ حقيقي، يتطلّبُ رؤيةً واضحة، وإدارةً فعّالة، وإرادةً سياسيةً قادرةً على تحويلِ التحدياتِ إلى فرص، ووضعِ البلادِ على مسارِ التعافي والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى