
في ذلك الزمن الذي كانت فيه الأرض أكبر من أصحابها، كانت هناك بقعة خضراء تمتد حتى يتعب النظر من ملاحقتها. أكثر من مئتي هكتار من القمح والشعير والقطن، يملكها رجل اسمه مأمون الرفاعي، يعيش في حلب بعيداً عن التراب الذي يدرّ عليه الذهب.
أما الأرض نفسها فلم تكن تُعرف باسم الرفاعي، بل باسم “أرض الخوانم”، لأن للرجل ابنتين مدللتين هما سكينة وعدوية. وكان الجميع يناديهما بالخوانم حتى بدا كأن الأرض نفسها ورثت اللقب منهما.
وكانت سليمة وعدوية حديث القرى كلما حضرتا إلى الفرات. طويلتين فارعتي القامة، بشعر أشقر ينسدل على الأكتاف، تمشيان بخيلاء وهدوء كأنهما أميرات خرجن للتو من أحد قصور إسطنبول. وحين تظهر إحداهما في باحة القصر كان بعض الفلاحين ينسون سبب مجيئهم أصلاً، وينشغلون بمراقبة المشهد وكأنهم يشاهدون فيلماً لا يُعرض إلا مرة واحدة في السنة.
وكان مأمون رجلاً عملياً. حفر بئراً، ونصب عليها عاملا يشرف على الماء، وعيّن وكيلاً شركسياً يتولى إدارة الأملاك. ثم بنى في تل أسود قناقاً كبيراً يشبه قصور الحكايات أكثر مما يشبه بيوت الفلاحين. وكلمة “قناق” أو “قوناق” (Konak) في التركية تعني القصر أو المنزل الكبير أو المقر الرسمي. وكان البناء بطابقين يطلان على سهول لا يملك أصحابها منها سوى حق النظر إليها.
وفي الصيف كانت الخوانم تصلان من حلب بسيارة فولكسفاغن صغيرة تشبه الخنفساء، محركها في الخلف وصوتها يشبه نحلة ضخمة ضلت طريقها بين الحقول. وكان أهل القرى يتركون أعمالهم أحياناً ليراقبوا السيارة وهي تقف أمام القصر، كما لو أن قطعة من أوروبا قررت زيارة الفرات لساعات ثم العودة إلى رشدها.
أما الوكيل الشركسي فكان رجلاً يدعى عزوز أفندي. وكان عزوز يؤمن بأن البشر ينقسمون إلى نوعين: عزوز أفندي بكفة، وبقية الناس بكفة أخرى.
ينظر إلى الفلاحين بازدراء ظاهر، ويتحدث إليهم كما لو أنهم تلاميذ ارتكبوا خطأً جماعياً بمجرد ولادتهم. ولم يكن يحترم أحداً إلا النفوذ الذي يقف خلفه. وكان ذلك النفوذ هو مأمون الرفاعي، أحد الوجوه المتنفذة في الكتلة الوطنية يومذاك.
وكان عزوز يحب أن يشعر الناس بهذه الحقيقة كل يوم. لذلك كان يتصرف وكأنه يحمل سلطة الدولة كلها في جيبه، وسيف مأمون الرفاعي في يده.
وفي أحد الأيام اكتشف المكنسيان أن بعض الدواب رعت شيئاً من الزرع القريب من الطريق. لم يكن الضرر كبيراً، لكن الوشاية في الريف مثل المطر؛ تبدأ بقطرة وتنتهي بسيول.
ذهب المكنسيان إلى عزوز أفندي. قال: الدواب أكلت الزرع يا أفندي.
فهم عزوز الجملة على أنها إعلان حرب.
فأرسل رجالاً مع فقاس، الذي كان يعمل شحنة عند مأمون بيك، فأمسكوا بالدواب وحبسوها، وكأنهم اعتقلوا عصابة دولية متخصصة بتخريب الاقتصاد الزراعي.
عندها بدأت القلوب تغلي.
وفي قرية الحمر كان شابان يتابعان أخبار عزت كما يتابع الناس اليوم أسعار الدولار. كانا أحمد الجاسر وعبد الله الخلوف.
ولم تكن الصداقة بينهما وليدة الأمس. فمنذ الطفولة كانا يسيران معاً كأنهما أخوان. رعيا الغنم في المراعي نفسها، وسبحا في مياه السعن نفسها، وتقاسما الخبز والملح وأحلام الشباب الفقير الذي لا يملك من الدنيا سوى كرامته وأمله.
وكانا يومها يستعدان لرحلة طال انتظارها إلى بيروت.
فقد كانت بيروت بالنسبة لشباب الفرات مدينة بعيدة تلمع في المخيلة مثل وعد بالخلاص. مدينة يستطيع العامل المجتهد أن يعود منها بعد سنوات قليلة وقد جمع ما يكفي لبناء بيت والزواج وشراء قطعة أرض صغيرة.
وكان أحمد أكثرهما حماساً للسفر، بينما ظل عبد الله متردداً حتى الأيام الأخيرة.
وكان أحمد يسأله دائماً: ـ ما الذي يمنعك؟
فيجيبه عبد الله مبتسماً: ـ تعرف ما الذي يمنعني.
فيضحك أحمد: ـ الزوجة والأولاد؟
فيخفض عبد الله رأسه دون جواب.
كان عبد الله يبدو هادئاً في أعين الناس، لكن ذلك الهدوء لم يكن سوى ستار يخفي وراءه قلقاً مزمناً. فمنذ سنوات وهو يحمل شعوراً ثقيلاً بأن الدنيا تطالبه دائماً بما يفوق قدرته. كان ينظر إلى أطفاله وهم يكبرون في بيت متواضع، ويشعر أحياناً أن الزمن يسبقه بخطوات.
لم يكن يخشى الغربة بقدر ما كان يخشى أن يعود منها ليجد أبناءه قد كبروا من دونه. وكان كلما جلس مساءً عند باب بيته، يسمع ضحكاتهم في الداخل، فيتساءل إن كانت النقود التي سيجمعها في بيروت تستحق تلك السنوات التي سيقضيها بعيداً عنهم.
لذلك ظل متردداً حتى الأيام الأخيرة، معلقاً بين خوف الفقير من البقاء وخوف الأب من الرحيل. وكان يشعر أحياناً أن حياته كلها تقف عند مفترق طريق؛ طريق يقوده إلى الغربة أملاً في مستقبل أفضل، وطريق يبقيه بين أهله لكنه لا يعده إلا بمزيد من التعب.
وربما لهذا السبب كان غضبه من عزوز أفندي أعمق مما بدا للناس. فقد كان يرى في رجال السلطة المتجبرين سبباً لكثير من الأبواب المغلقة في وجه أمثاله، وكان يشعر أن رجالاً مثل عزوز يقفون دائماً بين الفلاح وحلمه، وبين الأب وأطفاله، وبين الإنسان والحياة التي يحاول أن يبنيها بيديه.
كان حائرا منذ سنوات، يخشى أن يطول غيابه فيرهق عياله.
وكان أحمد يحاول إقناعه: ـ إذا بقيت أنا هنا فلن أستطيع أن أتزوج وأبني بيتاً ويصبح لي عيال مثلك.
وفي مساء اليوم السابق للحادثة كانت أم أحمد العجوز قد أخرجت فرشة السفر التي سيأخذها معه إلى بيروت. نشرتها في باحة البيت ثم أعادت طيها بعناية، كما تطوي الأمهات قلوبهن داخل أمتعة أبنائهن.
وقالت له: ـ الغربة صعبة يا ولدي، لكن الله مع الصابرين.
فابتسم أحمد وربت على يدها. لم تكن الأم تعلم أن ابنها لن يسافر إلى بيروت أبداً.
وفي صباح اليوم التالي وصل خبر الدواب المحتجزة وما فعله عزوز أفندي.
ثم بدأت الأخبار تتلاحق كالنار في الهشيم.
قال أحمد: ـ إلى متى نتحمل هذا الوغد؟
فأجابه عبد الله: ـ يبدو أن الكيل قد طفح، بل بدأ يفيض فوق حوافه.
واتفقا على الذهاب إلى القناق.
وقبل أن يغادر عبد الله بيته، دخل الغرفة التي كان أطفاله نائمين فيها. وقف لحظة يتأمل وجوههم في ضوء الصباح الباهت. كان أكبرهم قد بدأ يساعده أحياناً في أعمال الحقل، بينما ما يزال أصغرهم ينام متشبثاً بطرف الغطاء كأنه يخشى أن يضيع في الحلم.
ظل واقفاً برهة دون أن يشعر. ثم انحنى وشد الغطاء على الصغير. لم يوقظ أحداً، ولم يقل كلمة وداع. كان يظن أنه ذاهب إلى القناق ليشارك في حل مشكلة عابرة ثم يعود قبل الظهيرة، ولم يخطر بباله أن تلك النظرة ستكون الأخيرة.
خرج من البيت بهدوء، ومضى نحو الموعد الذي كان ينتظره من غير أن يعرفه.
وقبل أن يخرج أحمد من البيت التفت إلى أمه العجوز.
كانت واقفة عند الباب، وإلى جوارها فرشة السفر المطوية التي أعدتها من أجل بيروت. نظر إليها طويلاً. وشعر للمرة الأولى بشيء ثقيل يمر في صدره. شعور غامض لا اسم له. كأن الطريق إلى القناق قد لا يكون طريق عودة. لكنه لم يقل شيئاً. اكتفى بابتسامة صغيرة، ثم مضى.
ومضى عبد الله إلى جواره كما فعل طوال عمره.
ولم يكن أحد منهما يعلم أن رحلة ذلك اليوم ستكون أقصر كثيراً من رحلة بيروت، لكنها ستكون الرحلة الأخيرة.
كان القرار سهلاً. أما تنفيذه فلم يكن كذلك.
وصلا إلى القصر ودخلا إليه وسط جو متوتر كخيط بارود. لكن عزوز كان متحصناً في الداخل. كان يعرف أن كثرة المظالم تجعل صاحبها ينام وسلاحه قرب وسادته. ودارت مواجهة قصيرة وعنيفة. تحولت الممرات الواسعة للقناق إلى ساحة قتال ضيقة. واستخدم عزوز سلاحه كما يستخدم رجل يائس آخر ما يملك. كان يتحرك بين الغرف مثل قط محصور في زاوية، يخربش ويقاوم كل من يقترب منه. وفي خضم الفوضى أصيب أحمد الجاسر وعبد الله الخلوف إصابات قاتلة. وسقط الشابان. الشابان اللذان كانا قبل ساعات يتحدثان عن بيروت. الشابان اللذان كان أحدهما يحلم ببناء بيت، والآخر يحلم بالعودة ليتزوج الفتاة التي أحبها. سقطا قبل أن يحققا أياً من ذلك.
وكما يحدث دائماً في الريف، انتقل الخبر أسرع من الريح. وخلال وقت قصير تجمع رجال من تل أسود والحمر. وأصبح القناق محاصراً. وصار كل واحد يقترح طريقة للانتقام.
قال أحدهم: ـ نحرقه.
وقال آخر: ـ نهدم السقف فوق رأسه.
وقال ثالث: ـ نحرقه ثم نهدم السقف للاحتياط.
وكان الجميع متفقين على شيء واحد: أن القصر الذي بُني ليُظهر الهيبة صار فجأة يشبه سجناً كبيراً لمن احتمى بداخله.
لكن أبا الهدى وقف في وجه الغضب. تنقل بين الرجال، يهدئ هذا ويقنع ذاك، حتى صار حارساً للقناق أكثر من أصحابه. كان يعرف أن النار إذا اشتعلت فلن تميز بين مذنب وبريء، وأن القرية التي فقدت شابين لا تحتمل مأساة أخرى.
وأرسل رعفات على عجل إلى المخفر ليأتي بالشرطة قبل أن تنفلت الأمور نهائياً.
وفي الطريق صادف رعفات سيارة ضلت طريقها عند المدوّرة المؤدية إلى تل أسود. اقترب منها فعرف ركابها. كانت زوجة عزوز أفندي وبناته قادمات من حلب. تردد لحظة، ثم آثر الصمت. لم يخبرهن بما جرى.
واستدعى رجلاً كان برفقته وأوصاه أن يرافقهن إلى بيته سراً، وأن يكرم ضيافتهن حتى تتضح الأمور. أما هو فأكمل طريقه إلى المخفر.
وفي تلك الساعات الطويلة بقي أبو الهدى واقفاً أمام القناق. مرة يمنع شاباً من إشعال النار، ومرة يهدئ ثائراً فقد أعصابه، ومرة يذكر الناس أن الموتى أولى بالاهتمام من الجدران.
وكان عزوز محاصراً في الداخل ينتظر مصيره. وقبيل الفجر وصلت الشرطة.
تقدمت السيارة وسط صمت ثقيل. ودخل رجال الدرك إلى القناق.
ولم يخرج عزوز إلا تحت ذراع أبي الهدى نفسه.
كان أبو الهدى يسير إلى جواره كمن ينتشل رجلاً من بين أمواج هائجة.
وحين وصلا إلى سيارة الشرطة ركب عزوز بسرعة، وانطلقت السيارة مبتعدة عن التل وعن الرجال المحتشدين الذين تابعوها بأعين مشتعلة حتى غابت عن الأنظار.
عندها فقط عاد الناس إلى قتلاهم. فغُسّل أحمد الجاسر وعبد الله الخلوف.
واشتُريت الأكفان. وحُملا على الأكتاف إلى مثواهما الأخير.
وكانت فرشة السفر ما تزال مطوية في بيت أحمد، تنتظر رحلة لن تبدأ أبداً.
أما زوجة عزوز وبناته فلم يعرفن حقيقة ما جرى إلا بعد أن هدأت العاصفة، ثم أُخرجن لاحقاً إلى حلب.
وبعد أيام وصل مأمون الرفاعي بنفسه، وجاءت معه العلاقات والنفوذ والمحامون والوجهاء، وبدأت القضية رحلتها بين الأوراق والدوائر.
وفي النهاية سُجلت الحادثة دفاعاً عن النفس، بينما ظل الحق معلقاً بين السطور.
ثم انفض الناس.
ومضت السنوات.
أُغلق القناق، ورحل عزوز أفندي، وغابت الخوانم عن التل، وتبدلت الوجوه والسنون. تشققت الجدران التي كانت يوماً ترمز إلى السلطة والهيبة، وتساقط شيء من سقفها، حتى صار البناء المهجور مأوى للريح والرعاة والعابرين.
أما الأرض فبقيت كما هي، تستقبل القمح في الشتاء والقطن في الصيف، غير عابئة بمن ملكها أو مات من أجلها.
ومع مرور الزمن أخذت الأسماء تخفت في الذاكرة، ولم يبق من القصة إلا روايات متفرقة يرويها الشيوخ في أمسيات الشتاء.
لكن في بيت أحمد الجاسر بقي شيء واحد يقاوم النسيان.
فرشة السفر التي أعدتها أمه لرحلته إلى بيروت.
ظلت مطوية زمناً طويلاً في زاوية البيت، كأنها تنتظر صاحبها أن يعود فيأخذها معه. غير أن أحمد لم يعد.
فالقصر الذي بُني ليبقى صار أطلالاً، والأرض التي تنازع عليها الناس انتقلت من يد إلى يد، أما تلك الفرشة البسيطة فبقيت شاهدة على الحقيقة الوحيدة التي لم تتبدل:
أن أحمد الجاسر لم يصل إلى بيروت.
ولم يعد من الطريق إلى القناق
…






