
قد يكون من البديهي أن إعلانَ خصومة مع رجلٍ بقوة دونالد ترمب، من قبل سوريٍ عاديٍ مثلي، مشروعٌ خاسر لا محالة، بل إن خسارته واضحة مثل عين الشمس، ولكن على أي حال، هذه من عادات السوريين العاديين هذه الأيام، عادة الإقدام على مغامراتٍ غير محسوبةٍ مع اللامعقول؛ فقد جربناها يومًا، وأدمنّا تجريبها.
وأنا اليوم أفعلها؛ فأعلن أن دونالد ترمب، رئيسَ الولايات المتحدة الأميركية، خصمٌ لي، وبيني وبينه منذ البارحة خصومة شخصية، والقصة كالآتي: عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة البارحة اجتماعًا رفيع المستوى لتحسن السلامة على الطرق، وأقرَّت إعلانَ التقدم بشأن السلامة على الطرق على الصعيد العالمي. (Progress declaration of the high-level meeting on improving global road safety)، وتمَّ إقرار الإعلان بعد موافقة 162 دولة، وعدم امتناع أي دولة عن التصويت، واعتراض دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية ممثلةً بإدارة ترامب.
بطبيعة الحال، تبدو الأرقام الإحصائية في هذا الموضوع صادمة؛ فهي تظهر أنَّ حوادثَ الطرق هي السبب الأول للوفاة في الفئة العمرية بين 5 و29 عامًا؛ إذ تتسبب بوفاة 1.2 مليون إنسان سنويًا، بمعدل وفاة واحدة كل 24 ثانية، كما تتسبب بإصابة 50 مليون إنسان آخرين كل عام، وبخسارة في الاقتصاد العالمي تقدر قيمتها بـ1.6 ترليون دولار،
هل يمكن أن نكون متأكدين من أنّه لن يغدر بنا من أجل صفقة للقطاع الخاص الأميركي، الذي تحدَّث عنه السفير في الجمعية العامة البارحة، أو من أجل حفنة دولارات في مكانٍ ما من العالم؟
وتحدث غالبية الوفيات في الدول غير المتقدمة، مع أنّها تمتلك أعدادًا قليلة من المركبات مقارنةً بالدول المتقدمة. وفي أثناء الاجتماع، طلب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية من الحضور الذين فقدوا عزيزًا في حادث مروري أن يقفوا، فوقف أغلب الحاضرين.
أنا شخصيًا، مهتمٌ بهذا الموضوع لأنني فقدت أخي الصغير في حادث مروري في القاهرة، وتعرض والدي إلى إصابةٍ دائمة بسبب حادثٍ مروري في سوريا. لذلك أثَّر هذا الموضوع في حياتي مباشرةً، وفي حياة أسرتي.
وتضمَّن إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة البارحة، في تقديري الشخصي، خطواتٍ مهمَّة، وتوجُّهاتٍ رائعة، تجعل شخصًا مثلي سعيدًا؛ لأنني لا أريد أن يتكرر ما حصل لأسرتي مع أيّ أسرة أخرى في العالم. ومن أبرز ما جاء في الإعلان، الذي رفضته الولايات المتحدة وحيدةً، الآتي:
- العمل على تحقيق نظام نقل آمن (Safe system approach)، وأن سلامة الطرق ليست قضية مرورية فحسب، بل ترتبط بالصحة العامة، والتنمية الاقتصادية، والحد من الفقر، والتخطيط الحضري، والمناخ، والبيئة، والالتزام بخفض الوفيات والإصابات بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة ولا سيما الغاية السادسة في الهدف الثالث التي تنص على خفض عدد الوفيات والإصابات الناجمة عن حوادث المرور إلى النصف بحلول عام 2030.
- الاستثمار في البنى التحتية وتصميم الطرق وصيانتها وفق معايير السلامة.
- ابتكار مركبات أكثر أمنًا، واعتماد معايير دولية لسلامة المركبات، واستخدام التقنيات الحديثة.
- تطبيق قوانين مرورية صارمة.
- تسخير الابتكار، والتكنولوجيا، والتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة النقل الذكية، وتبادل التقنيات المتعلقة بالسلامة دوليًا، إضافةً إلى دعم الدول النامية في الوصول إليها.
- زيادة التمويل الدولي وتقديم الدعم الفني للدول منخفضة ومتوسطة الدخل لتحسين أنظمة السلامة على الطريق.
- تحسين نظام جمع البيانات والإحصاءات، والتعاون مع منظمة الصحة العالمية، وقياس التقدم بتقارير دورية.، وتعزيز التعاون بين الحكومات، ومنظومة الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.
واعترضت إدارة ترمب على هذه القرارات لأسبابٍ شرحها سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وكان أبرزُها رفضَ تقاسم التكنولوجيا الجديدة المتعلقة بالسلامة مع البلدان النامية؛ وذلك لأن “الولايات المتحدة ستظل تحمي حقوق الملكية الفكرية، وحرية اقتصاد السوق” كما قال،
وأضاف: “الابتكار تقوده الشركات الأميركية التي تتنافس في القطاع الخاص، لا مخططات نقل التكنولوجيا التي تديرها الأمم المتحدة، ولا الهيئات التنظيمية الدولية التي تحاول إملاء تصميم المركبات”.
وقد بدأ السفير كلمته بالجملة الآتية: في عهد الرئيس ترامب، تطلب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة أن تعود إلى مقاصدها الأساسية.. وأضاف: “بدلًا من التركيز على تدابير عملية يمليها المنطق السليم، يحاول هذا الإعلان عولمة شؤون الحكم المحلي، وربط ميزانيات النقل الوطنية بالأجندة الأيديولوجية المترامية الأطراف للأمم المتحدة”.
أنا شخصيًا، بوصفي من الذين أثَّرت حوادث الطرق في حياتهم بصورة مباشرة، أُعدُّ ترمب خصمًا شخصيًا لي، وعائقًا شريرًا أمام أمنيتي في الحفاظ على حياة مليون ومئتي ألف إنسان سنويًا، وإنقاذ أكثر من خمسين مليونًا من الإصابات والصدمات الدائمة، وتجنيب الاقتصاد العالمي خسائر تقدَّر بترليون وستمئة مليار دولار سنويًا، كان يمكن أن تصرفها البشرية على التنمية والصحة والتعليم ومكافحة الجوع وعلاج الأطفال في الدول الفقيرة.
هذا إضافةً إلى السؤال الذي يتبادر إلى ذهني، وأدعو الجميع إلى التفكير فيه، هل من المُمكن، أن يكون هذا العقل الذي وقف ضد هذا الإعلان، الذي لخصّتُ أبرزَ نقاطه أعلاه، أن يكون حليفًا لأحد إلا لمن هم على شاكلته، بل هل هو قابلٌ لاحترام فكرة التحالف من الأساس؟
وهل من المُمكن أن يكون شيئًا يمكن أن نراهن عليه لإنقاذ بلد مثل سوريا مثلًا، أو المساعدة في إعادة إعمارها، وتعليم أبنائها؟ وهل يمكن أن نكون متأكدين من أنّه لن يغدر بنا من أجل صفقة للقطاع الخاص الأميركي، الذي تحدَّث عنه السفير في الجمعية العامة البارحة، أو من أجل حفنة دولارات في مكانٍ ما من العالم؟
لذلك تُعربد إيران في المنطقة؛ فتقصف الآمنين في الخليج، وتغلق مضيقًا عالميًا وتفتحه على هواها، ولذلك تزداد إسرائيل إجرامًا، وقد فاق إجرامها الوصف وما يزال يتمدد..
أخيرًا قد نقول: انتصر ترمب على الديمقراطية ديمقراطيًا، وانتصر بالديمقراطية العمليّة على نظريَّة الديمقراطية، ثم مسح بها الأرض.. كانت أهمُّ معالم هذا الانتصار انتصارًا على الإنسان، أو على فكرة الإنسان إذا سلَّمنا بأن الإنسان -كما وصفه نيتشه- هو الحيوان الذي تحمَرُّ وجنتاه، أي الكائن الذي يخجل، والذي تميِّزه قابليته للخجل من سائر الحيوانات، حتى ليغدو الخجل عنده شبيهًا بالنطق والتفكير.
ومع ترمب وأمثاله تكوَّنت فرصةٌ عالميةٌ غيرُ مسبوقةٍ لتسيُّد الذين لا يخجلون على الذين يخجلون، والذين لا يعرفون على الذين يعرفون، والذين لا يفكِّرون على الذين يفكِّرون، لذلك تُعربد إيران في المنطقة؛ فتقصف الآمنين في الخليج، وتغلق مضيقًا عالميًا وتفتحه على هواها، ولذلك تزداد إسرائيل إجرامًا، وقد فاق إجرامها الوصف وما يزال يتمدد؛ فهؤلاء عينة من الفئة نفسها؛ فئة الذين لا يخجلون، وهذا وقتهم المثالي، وموسم ازدهار أعمالهم.
المصدر: تلفزيون سوريا






