حميدتي… غسل سمعة في العيد

حمّور زيادة

في ظهوره أخيراً، ألقى قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) خطاباً بمناسبة عيد الأضحى. وبعد فترة تكاثرت فيها شائعات موته، واقتناع قطاع عريض من خصومه بأنّ من يظهر في اللقاءات “روبوت اصطناعي” في صورة الرجل، وأنّ الرؤساء الذين ادّعوا مقابلته جزء من مؤامرة، جزم سفير السودان في ليبيا، الذي لا يعرف أغلب السودانيين اسمه، على شاشة قناة الجزيرة، بمقتل حميدتي. وتحوّلت صورة الرجل إلى “ميم” (Meme) يتداوله الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي. وظلّ ظهور حميدتي وغيابه مثار تكهّنات.

في خطابات حميدتي المتناثرة تجد الغضب والتخبّط ومحاولة رفع معنويات أتباعه، خصوصاً بعد خسارتهم العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة. لكنّه في العيد يتلو ما يبدو خطاباً سياسياً متماسكاً. ولعلَّك لو أطلعتَ على الخطاب أجنبياً لا يعرف السودان وما يدور فيه، لفاجأك بالاتفاق مع ما يسمع. ولم تكتفِ “الدعم السريع” بسرقة منازل المواطنين وأموالهم، حتى الملاعق والشوك والسكاكين من المطابخ، وأسلاك الكهرباء من جوف الحيطان، حتى سقوف وأبواب بيوت حملوها معهم وهم يفرّون من العاصمة التي أحرقوها. وها هو قائد قوات الدعم السريع، التي كان يقال لها اختصاراً: “ق د س”، وأشار ضابط جيش كبير إلى أن هذا ليس مصادفةً، وأنّهم الأبطال الذين سيحرّرون فلسطين. كان هذا وقت شهر العسل الطويل بين الجيش السوداني و”الدعم السريع”. اليوم يراهم ذلك الضابط غزواً أجنبياً. يسرق خطاب السودان الجديد، ومظالم الشعوب السودانية، وشكواها من امتيازات يحظى بها المركز في الخرطوم على حساب الهامش الفقير.

قدّم قائد “الدعم السريع”، في نحو 11 دقيقة، خطاباً يليق بالقائد عبد العزيز الحلو، قائد مليشيا أخرى أنفق سنوات عمره محارباً للوصول إلى سودان جديد “تُهدم فيه بنية التمكين والاستبداد، وتقام فيه دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، ويُسهم فيه التنوّع بوصفه مصدر قوّة وثراء، لا ذريعة للإقصاء والصراع”. هكذا وصف حميدتي الدولة التي يسعى إلى تكوينها. بكلمات يبدو أنّه أخذها من قائد الحركة الذي قرّر، بعد عقود من الحرب ضدّ “سيطرة المركز العربي الإسلامي في وسط البلاد”، أن يطلق لقب “الرفيق” على حميدتي، ويقاتل معه من أجل العدالة.

أنفق “الرفيق” الجديد، الباحث عن العدالة والمواطنة، ربع القرن الماضي في القتال لمصلحة النظام أغلب الوقت، ما عدا تمرّداً قصيراً انتهى بتفاهمات سريعة، باطشاً بالقبائل غير العربية التي يصفها بالإجرام واللصوصية. وفي عملية تغيير ديموغرافي أمام العالم، شارك الرفيق في إحراق إقليم دارفور، وطرد بعض القبائل من أراضيها التاريخية. وهناك ملايين النازحين يعيشون في معسكرات منذ كان حميدتي يد الجيش الباطشة بهم.

لكنّها الحرب، والعيد المبارك، وغسل السمعة. فكما يستغلّ الجيش المُمسِك بالسلطة في الخرطوم الحرب ليلقي بكلّ مساوئ البلاد ومشكلاتها على التمرّد والأحزاب المدنية، ويطمر جرائمه تحت ركام الحرب الجديدة، يحاول حميدتي في خطاب العيد أن يفعل الأمر نفسه. يقفز الرجل في خطابه، أو يقفز من كتب له، فوق حقيقة الرجل نفسه وأفكاره الحقيقية، وأفعاله لا أقواله. الرجل الذي ظنّ أنّه سيحكم السودان بعد ساعة، ووقف أمام مبنى قيادة الجيش ينتظر دخوله ليعلن نفسه أميراً للبلاد، انزوى إلى نيالا ليتّخذها عاصمةً بديلةً، يطلق منها أحلامه بالعودة إلى مهاجمة الخرطوم، بينما يحلم جنوده بحرق نخيل الشمال.

تروي لنا أفعال “الدعم السريع” القصّة كاملةً، فلا نحتاج إلى خطابات حميدتي المستلفة من خصوم الأمس وحلفاء اليوم. تقول بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق (فبراير/ شباط 2026) إنّ “الدعم السريع” تصرّفت بنيّة تدمير المجتمعات غير العربية. واعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ما تعرّض له المدنيون في الفاشر تطهيراً عرقياً. واللافت أنّ الجيش السوداني رفض هذه التقارير الدولية مثلما فعلت “الدعم السريع”، بل اتهمها بالتواطؤ مع المليشيا المتمرّدة، لأنّها ذكرت انتهاكات الجيش في تقاريرها ذاتها. فالجيش يفضّل العدالة العوراء لا العمياء.

حاول خطاب قائد الدعم السريع، أخيراً، أن يظهره في صورة رجل الدولة وصاحب الرؤية، متقمّصاً أفكاراً جديدةً احتفالاً بالعيد، وقاطعاً وعوداً عن العدالة والمساواة والحرية والجيش المهني الواحد. لكنّ خطابات حركات التحرّر الوطني لا تجعل من المجرم مناضلاً مهما اشترى من أتباع. وبينما يتباهى حميدتي بأفكار العيد الجديد، يفتقد ملايين السودانيين أبناءهم الذين قتلتهم هذه الحرب الجنونية، ويعدهم الطرفان بمزيد في مقبل الأيام.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى