
موسوعة عمل، بعنوان الفضاء العربي في مسار التشكل
الكتاب الأول: مقاربات ورؤى في عرين البوتقة
تأليف الباحث “عيسى بن ضيف الله حداد”
الحلقة 4-7
الحلقة الرابعة
وقفة مع الأقليات (بين الموهوم والمفهوم؟)
ككل الفضاءات الكبرى لدى هذا الفضاء العربي الكبير أقليات، وأنه لأمر يثير الاستغراب، أن يكون فضاء بهذا الحجم من دون أقليات.. بيد أن الأقليات في هذا الفضاء لها خصوصية، من حيث كون أغلبها تعود في أصولها إلى أهل البلاد القدماء (في مرحلة الأقوام)، تلك التي لم يتح لها الاندماج بكليتها في سيرورة التشكّل، مما قد أدى إلى استثناء جزء من هذا الكل، وبقائه بقدر نسبي، في ذاته القديمة– (ربما لعوامل جغرافية قبل كل شيء). مهما يكن من أمر، يبدو لي أن هذا الجزء المتبقي خارج قوس الاندماج الكلي، له من الوشائج والصلات التاريخية والثقافية والمجتمعية والبشرية، التي تربطه بعمق مع المكون الأساسي لهذا الفضاء، مما يجعله يتمتع بالانتماء الفعلي (الشعوري واللا شعوري)
مع هذا الفضاء..
لا يخفى عن البال، كون جميع الأقوام التي تعايشت معاً في ظل الفضاء العربي، قد أسهمت بكليتها، نخباً وجمهوراً، في المسيرة الحضارية والتاريخية للفضاء العربي، وما هذا الفضاء إلا من صنع الجميع من دون استثناء.. وقد شاركوا العرب في السراء والضراء على مر العصور. لقد كان من حيث النتيجة، لجلّ الأقليات (وبالأصح لما زال يعتبر ذاته أقلية)، دوراً هاماً في التشكّل الثقافي للعرب، الذي يمثل بحقيقته هوية العرب، باعتبار الهوية العربية، هي ثقافية قبل كل شيء، ولجل الأقليات دور أساسي في سيرة وسيرورة هذا التشكّل الثقافي.
على هذا الأساس، يكون لبعض الأقليات إن لم يكن لجلّهم، هويتان: هوية عربية، وما هو فيهم من هوية فرعية.. وما يدل على كون هؤلاء يتمتعون بوشائج متينة مع المتن الثقافي المشترك: أن جلّهم يتكلم العربية، ويحمل معظمهم أسماءً عربية، ويندرج نمطهم الحياتي وتقاليدهم في عداد الجامع المشترك..
ولا ننسى وجود المشترك الديني المتمثل بالإسلام للكرد والأمازيع فضلاً عن جود المشترك الديني المسيحي الشرقي مع المسيحيين العرب، للسريان والآشوريين والكلدان.
من الدلالات المؤكدة، لتبني تلك الأقليات للهوية الجامعة المشتركة (العربية)، أنهم جميعاً أو بالكاد، يشاركوا أشقائهم العرب بمتعة الطرب بأم كلثوم وفيروز، ويهتز وجدانهم بشعر محمود درويش والقباني، وفي بلدان المهاجر يجدون أنفسهم في ترافق شبه كلي مع أشقائهم من أصل عربي.. ينطبق ذلك على الكرد والامازيع، والسريان والكلدان والآشوريين.
وإن لاح لنا ظهور ما ينم عن إشكالية لها صلة بهذا المفهوم (الأقلوي)، فالأمر يعود في أساسياته إلى بنية النظام السياسي العربي، بما ينطوي عليه من طبيعة ماضوية متخلفة، ونهج استبدادي، وبيئة فئوية، وتبعية للهيمنة الأجنبية، وغياب عملي لمفهوم المواطنة..
في واقع الأمر، إن هذا النظام العربي بصورته القائمة، لم يلحق الضرر في شؤون الأقليات فحسب، بل امتد ضرره بشراسة أكثر إلى ما يمكن أن يسمى بالأكثرية العربية..
ليس غريباً والحالة هذه في ظلٍ هكذا نظام، بروز عدد من أشكال التفسخ والتفكك، وتعدد أشكال الأزمات وتداخلها وتفاقمها، وظهور متواقت لمختلف النزعات الماضوية المندثرة، من طائفية وقبلية وأقلويّة.. وليست تلك الإشكالية المركبة المتعددة الأوجه، منحصرة حكراً في أزمات الأقليات، إنما هي تمس العرب أيضاً، من خلال مكوناتهم الطائفية وغيرها..
لقد أكدت التجربة التاريخية القديمة والحديثة، أن وضع الأقليات يتحسن طرداً، في وسط عربي متحد وناهض، ولولا تلك التجربة بما تنطوي عليها من إيجابيات، لما توفر لهذه الأقليات حال البقاء، بل راحوا إلى الانصهار أو الاندثار- كحال معظم أقليات بلدان العالم.. على سبيل المثال، اليهود واليهودية وجدوا في ديار العرب كل الحماية، وهذه مخطوطاتهم بكليتها وجدت في بقاع العرب (في بابل، والقاهرة واليمن وحلب)، ويهود الأندلس نزحوا مع العرب، وقس على أكثر من ذلك مع سائر الأقليات الأخرى..
ثمة ظاهرة أخرى تصب فيما قد ورد آنفاً، وهو وجود أقليات لاجئة ضمن لها الفضاء العربي الحماية والرعاية وهي متعددة، وأهمها الأرمن والشركس والأرناؤوط والروس والإغريق، مما يدل على كون الفضاء العربي قد تمتع خلال الأزمنة التاريخية بكونه مركز استقطاب للباحثين عن الأمن والاستقرار..
لنا أن نلاحظ، ثمة واقعة قائمة في المشهد اللغوي لا مجال لنكرانها، وهو أن تعريب المنطقة قد جرى وفق سيرورة تاريخية وعفوية، في زمن لم يكن فيه مدارس على نحو منشر، ولا وسائل إعلام مركزية، ولا حتى حكومات مركزية وإدارات مسيطرة على الأحوال المدنية والمعيشية، إنما قد تم التعريب كنتيجة للتواصل الاجتماعي العفوي والطويل المدى، بين مختلف المكونات التي كانت قائمة آنذاك.. ذلك التواصل الذي كان من شأنه تأسيس لنمط من الثقافة المشتركة، وقد تجلّى على النحو الذي ذكرنا..
هذا إن أردنا الغوص في أعماق التاريخ القديم، سنجد ذات الظاهرة قد تحققت على نحو واضح في المشرق العربي، عندما توحدت أقوام وقبائل المنطقة في ظل اللغة الآرامية، وقد كان هذا التوحيد بمثابة تمهيد تاريخي للتعريب.. وكانت تلك العملية المركبة، إحدى المسالك الأساسية لتشكيل الهوية الثقافية العربية، واندماج معظم المكونات في بوثقه تلك الثقافة.. وتأسيس هذا الفضاء العربي.
على هذا النسق، ولأسباب جغرافية في المقام الأول، يمكن إدراك الحضور التاريخي لما يسمّى بالأقليات، من خلال بقاء أجزاء من المكونات القديمة على هامش تلك العملية التاريخية المركبة والمتلاحقة، من حيث لم يتح للجميع من السير بركابها على نحوٍ متواقت وكلي.. وهكذا قد قيض للبعض التمتع بالهوية الثقافية المزدوجة التي تجلّت باحتفاظهم بقبس من الماضي..
أقليات وخداع الذات – لكم يبدو في هذا الصدد، ونحن سادرون في مغبة الجهل المعرفي بمكونات هذا الفضاء وتشكّله عبر التاريخ، ظهور نخب من بين ظهرانينا، شرعت ترى ذاتها بمثابة ممثلة لأقليات، وغدت تعمل لتفكيك كيان هذا الفضاء، على سبيل إقامة كيانات مصطنعة على أنقاضه، بالرغم من كون تلك الأقليات يمثلون في حقيقتهم جزءا من البناة التاريخيين لهذا الفضاء، وكانوا قد أسهموا في تأسيسه، وهم على اندماج حي، فيه في زماننا.. وهم في سعيهم هذا لا يدركون أنهم أول من يصاب بالأذى ولعل ما حدث في العراق يشكل نموذجا مما ستؤول إليه الأوضاع.
من المفارقة بمكان أن ينطوي بعض الحراك على نزعة شوفينية مستحدثة ضد عربية، ويذهب نفر منها للسعي لبناء كيان أقلوي، على حساب الواقع الديموغرافي، وبتجاهل علني لمصالح العرب المشروعة..
لكم هو محزن حقاً، أن تصغي بعض من هذه الأقليات لوسوسة القوى المعادية، وأن تدخل في رهانات تجلب عليها قبل العرب، وعلى العرب، أقصى الضرر.. وأنه لأمر جلي بكون قدرهم ومصيرهم مربوط بقدر ومصير العرب.. والأكثر مفارقة في هذا الاتجاه أن القوى التي تدفع بهم، لا تنظر للأقليات التي بين ظهرانيها، بنفس المنظار..
السبب الكامن- في المقابل، ما كان لهذا الحراك الأقلوي أن ينبعث، لو تم تحديث بنية الأنظمة العربية، مما قد جعل هذه البنية مخترقة من كل ما هب ودب، من المؤثرات والتدخلات القادمة، من كل فج ودرب..
من المؤكد، أن المأزق الراهن الذي يأخذ بتلابيب الهوية العربية، يتمثل بجمودها النسبي وعدم تمثلها الكافي لمعطيات العصر الحديثة.. كما لا يخفى عن البال، ما للنظام السياسي العربي بطبيعته الاستبدادية الراهنة دوره الفاعل في تأجيج هذا المأزق، مما يجعل هذه الهوية مهيأة للاختراق.. وعندما تهتز مناعة الجسد، يصبح عرضة لشتى الأوبئة.
الجدير بالبيان، أنه بمقدار ما ينم المشهد العربي عن حالة نهوض وحداثة، فأن مسألة الحراك الأقلوي سوف تتراجع في مظهرها السلبي، وهذا ما أظهرته التجربة التاريخية القديمة والحديثة..
تداول مع حل – لعله من نافلة القول أن نذكر: سيكون الحال على اختلاف كبير، في حال قيام نظام عربي ديمقراطي علماني، تسود فيه دولة المواطنة، حيث يعثر الجميع على حقوقهم سواء بسواء..
في ظل من ذلك، لا بد أن يكون للأقليات حقوقهم الثقافية تحت خيمة مرجعية المشترك، بل وستكون ممارستهم لثقافتهم الفرعية، مصدر غنى لهذا المشترك، وسيصبح وجودهم بمثابة الشاهد على التاريخ وللتاريخ، من حيث كون هذا الفرعي، هو بحد ذاته أحد روافد المشترك، بلا ريب..
وأرى، إن الدعوة التي يتبناها التقدميون العرب الخاصة بالحقوق الثقافية للأقليات، لا وجود لها بشكل واقعي في أي من الدول المتقدمة التي تسعى لدمج جميع المقيمين في ثقافتها، بل وتشكل تلك الواقعة رأس الشروط لإعطاء الجنسية..
وللجميع أن يدرك أن حقوق الإنسان وفق معايير ما يجري الحديث عنه على المستوى العالمي لا يمكن أن تتوفر له شروط التحقق، إلا في ظل وطن معافى من كل أشكال الاختراقات، التي تبنى على أساس المواطنة الحقة بلا لبس ومن دون تلاعب..
R
طوائف وملل
كتقديم – حالما يتم إدارة الظهر للهوية المركزية، تنبع من تحت الأرض الهويات الغافية، ويسود الاقتتال فيما بينها وقد يطول أمره.. وهي في هذا المنحى تتبادل التواصل فيما بينها وتشحن الواحدة الأخرى، وقد تعمل على زج الأقليات الإثنية في صفها، وليس من المستبعد أن يتعامل البعض منها مع العدو.. في هذا المدى تتقوقع ثم تفعل الظواهر الطائفية بأشكالها المتعددة..
على سبيل سعي الممثلين لها ليكون لها دورها في الواقع المجتمعي، برعاية النظام السياسي واحياناً بتشجيع منه.. الأمر الذي يتناقض مع نظام المواطنة، التي من شأنها تنظيم سائر العلاقات المدنية بين المواطن والوطن والدولة، بتحرر كلي من جملة منظومة التشكيلات المجتمعية الموروثة..
على وقع من تلك الرؤي نرى، في كون تلك التشكلات الموروثة وفي مقدمتها الطائفية، حالما يتاح لها، قد لا تنأى من الانقضاض على الوطن وخلخلة المواطنة الحية فيه.. وهو ما نلاحظ حضوره بين الفينة والأخرى في منطقتنا..
وقفة أمام نظام الملل: لنعلم أن نظام الملل عريق القدم في منطقتنا، إذ قد ظهر في زمنه كاستجابة موضوعية لواقع مجتمعي في مسار التطور، بيد أنه فقد دوره في عصرنا، بل وغدا معرقلا لوشائج العلاقات الإنسانية والمجتمعية بكل تفرعاتها (ومن بينها الزواج: وهل أكبر من عار لمجتمع يعرقل الزواج بين مكوناته).
ما بين الطائفية ونظام الملل: لقد كان من شأن النظام الملي، أن يحتضن سائر المنظومات الدينية والطائفية وأدراجها في ظله، عبر شبكة من العلاقات المجتمعية، المزودة بقوانين محددة، تهيمن على معظم شؤون حياة الفرد والأسرة والطائفة، مما يحوّل المجتمع إلى جملة من كيانات فرعية شبه مستقلة لها نظامها الخاص. تغدوا الطوائف في ظله بمثابة كيانات مغلقة على نفسها، موزعة بين راعي ورعية.. يتحوّل المواطن في ظلها، ليكون رهناً لها..
وقفة تاريخية= من الطائفة إلى الملة
في البدايات- كانت الطوائف في ظل المنظومة المعرفية السائدة في الزمن القديم، بمثابة أحزاب معارضة للسلطة المركزية، وهي في غالبيتها تنبثق في مرجعيتها من تلك المنظومة المعرفية، بيد أنها أخذت تشق طرقاً خاصة بها، متسلحة بنظام داخلي يحفظ لها وجودها، وتحرص عليه وتطوره في مرحلة نشوئه، وحتى ما بعد النشوء كي تضمن استمراريتها.. والاحتفاظ على رعيتها..
في الآتي لها- في غالب الأحيان وحالما لا تحقق الحركة (الطائفية) هدفها في بناء مشروعها كمهيمنة على الدولة، كيفما كانت عليه الدولة في تلك الأزمنة.. وفي حالات تراجع طموحاتها، تسعى للانضمام إلى منظومة الملل، كحل لها تتكيف فيه مع النظام السياسي المهيمن بأشكاله المتعددة والمتغيرة.. وحالما تتكيف مع نظام الملل وتصبح مندمجة فيه، تشرع الشرائح المتنفذة فيما بينها للدخول في علاقات منتظمة مع السلطة المركزية، لتحصل من خلالها على نمط من المكاسب = بمثابة ريع مبطن.. وهي في المقابل تسعى لضبط ملتها لتبقى في حالة قبول ورضوخ سائر متطلبات النظام السياسي المسيطر..
تلكم هي خطاطة عامة تلقي الأضواء على واقع النظام الملي في مكوناته ودوره، بيد أن ذلك في حال توفر الفرصة، لا ولن يمنع من ظهور وخروج علني على النظام العام، تُقدم عليه الطائفة أو فريق ينتمي لها..
ظواهر معاصرة- كنتائج لتلك الوقائع، ينشأ مجتمع ينطوي في نظامه الداخلي على مكونات لها نظامها الخاص، كان من شأنها ربط الفرد المنتمي لها بها، ويتراوح مجرى هذا الارتباط حسب وعي الفرد لذاته، في محتوى هويته..
النظام الملي والعصر – يظهر الواقع أن الزمن المعاصر قد تجاوز
النظام الملي، ورسخ بديلاً عنه نظام المواطنة، فأصبحت الأحزاب وفق الأنظمة المرعية هي البديل..
النظام الملي في الفضاء العربي – في واقع الأمر، يسود النظام الملي في واقعه على الخصوص، على منطقة بلاد الشام والعراق ومصر السودان، وقد تأسس فيها منذ البداية، على ضوء من نشوء الحضارات الأولى وتطورها، من حيث قد رافقها نشوء أديان تعدد الآلهة، بحيث قد أصبح لكل قبيلة أو مدينة إله خاص لها، مع الاعتراف بإله الآخر.. ففي ذلك الزمن كان التعدد هو المخيم على العقل اللاهوتي، وتقبلته الأقوام في تلك الأزمنة..
على ذات النسق، تواصل حضور النظام الملي، في زمن انتشار إمبراطوريات الحضارات القديمة في وادي النيل والرافدين، وما تلاها على يد الفرس والإغريق والرومان، وجاءت منظومات الملل لديها كحل لضبط المجموعات السكانية في ظلها، وكان لهذه الملل شرائحها المنظمة لشؤونها، وكان من وظائفها تنظيم شأن الضرائب، ودفعها للسلطة المركزية مع استبقاء ما يمكن لها في حوزتها.. وفي العصر العربي الإسلامي تم تنظيم شؤون الملل وفق قواعد وتشريع منظم، يجري تطبيقه على الجميع كأديان، ثم تم تعميمه على الطوائف التي انبثقت تدريجيا في ظله.. وقد سارت الإمبراطورية العثمانية على ذات النهج..
وفي زمن هيمنت القوى الاستعمارية على المنطقة، حافظت على نظام الملل واستثمرته، وشجعت وجوده وجعلته ركيزة لها خلال نظرية، فرق تسد..
والملاحظ، أن القوى المهيمنة على النظام الدولي، مازالت تعتمده
وتبني سياساتها على وجوده، عبر تناقض صريح مع ما تطبقه على شعوبها المتمثل في نظام المواطنة..
وها هو نحن نعاني من وجوده، وتظهر لدينا مطباته ومخاطره.. وما أبعدنا ونحن معه، من نظام المواطنة العصري..
R
أمم وفضاءات
أرى وجود نموذجين من الأمم: الأمم القديمة، والأمم الحديثة. هذا جلّي للعيان أدركه المؤرخون وعلماء الاجتماع من كل الأطياف، وكان له في الدراسات الماركسية حضور واسع الشأن.. يكمن الفرق بينهما في زمن وعملية التشكّل التاريخي لكليهما..
في الأمم القديمة: تشكلّت تلك الأمم القديمة على وقع انطلاقة الحضارات الأولى في العالم، وبالتحديد على خط المحور الممتد، من الصين والهند إلى بلاد العرب. وينطبق ذلك بكيفية ما على روسيا.. (حضارات الأنهار) …
أما الأمم الحديثة: تبدو على نحو عام، في أمم القارة الأوربية والأمريكية وأستراليا. ظهرت هذه الأمم بشكل أساسي على وقع ظهور النمط الاقتصادي الرأسمالي، فمن خلال السوق الرأسمالية
في قسماتها المناطقيّة، تشكّلت هذه الأمم..
في واقع الأمر، يظهر ثمة فرق واضح في مظهر التشكّل، ناجم عن التباين في سيرورة التشكّل لكلٍ من هذين النمطين: ففي حال الأمم القديمة، نظراً لتنوع واختلاط الحدود في بيئة البنية التحتية الحاضنة لمسيرة التشكّل، مما أدى إلى حضور عدد من المكونات الانتقالية (الوسيطة) بين الفرد والأمة (كحال القبائل والطوائف والأقليات)..
بينما نجمت عن مسيرة التشكّل في الحالة الثانية المتمثلة بالأمم الحديثة، نمط من علاقة مباشرة من دون وساطة، تربط الفرد بالدولة والوطن، المتمثل بمرجعيته المنبثقة بكيفية ما في السوق.
لعل لهذا التباين بمسبباته ومظهره، ما يفسر لنا سهولة الأمم الحديثة لتجاوز ذاتها لتتوسع أفقيا، بحسب توسع السوق الرأسمالية (كأوربا الحديثة)، بينما تنزع بعض من الأمم القديمة للبقاء في مساكنها والتأقلم مع الحقائق العصرية المستجدة (كحال الصين أو روسيا)، في حين أن بعضها الآخر يصبح تحت مبضع التفكك، كما حدث في الهند حينما انشقت عنها الباكستان باسم تباين الدين، ثم انشقاق بنغلادش عن باكستان باسم تباين الجغرافية.. وهذا ما حدث لدى العرب في ظل من سبب وسبب، وذرائع من كل ما هب ودب..
على وقع من ذلك، تلوح لي ثمة حقيقة، تتمثل بكون النظام الرأسمالي العالمي ينحو بطبيعته نحو الثنائية في ظل من الاستقطاب، ففي الوقت الذي يتوسع متمركزاً في عقر داره، يشجع بكيفية أو بأخرى (بآلية مباشرة أو غير مباشرة) على تفكيك محيطه.. ليس من المستغرب والحالة هذه، أن تعمل النخب الحاكمة المسيّرة للنظام الرأسمالي العالمي، على تشجيع حالة التفكك والبعثرة في بلدان المحيط، مستغلة هشاشة حالة الاندماج الاجتماعي، لكونه لم يكتسب ماهية حداثية (كحال الدول الرأسمالية).. أما عن السبب الكامن من وراء هذه السياسة، إنما يعود لأسباب اقتصادية، هدفها ربط هذا المحيط بعجلته، لاستثماره، على سبيل دوام سير عجلته كنظام مهيمن على العالم..
على وقع من حالة الاستقطاب السائدة على المدى العالمي، يعمل النظام الرأسمالي الغربي وهو يسعى في عولمة نظامه، يؤدي في منحى سيره التصاعدي إلى حالة دفع آلي لتفكيك فضاءات المحيط.. وكان من نصيب دائرتنا العربية نظراً لأهميتها الإستراتيجية نصيب الأسد، من محنة التفكك والتفكيك.. على ذات المنوال، تم وضع الدائرة الإفريقية في حالة من الجغرافيا السياسية التي تخدم هذا الغرض..
وليس من المستبعد، أن يكون لهذا المسار، في غمرة من سعيه نحو توحيد مجاله الجغرافي الأوربي، جرى التفكيك الآلي للفضاء السوفيتي، حيث تحولت أطرافه طواعيةً إلى سبايا.. ولعل ثمة محاولة إلى تفكيك روسيا ذاتها.. وعلى ذات النسق يتم الحفر السري والعلني في مدى الفضاء الصيني.. الجدير بالبيان، أن تماسك الصين يعود للثورة الصينية ولتقدمها الاقتصادي النوعي، وينطبق الأمر على روسيا، من حيث الثورة البلشفية قد من عززت وجودها.. وما على العرب في هذا الصدد سوى تمثل أحد الحلين، إما انتهاج طريق التجربة الصينية والروسية لكي يعززوا من وجودهم التاريخي، أو السير في طريق آخر يتماثل مع ما يحدث في أمريكا اللاتينية…؟
والسؤال، هل يؤدي هذا الاستقطاب إلى مواجهة مضادة من قبل المتضررين منها.. فلننتظر.
هوية وتشكّل
أبداً، لم يكن التاريخ ولا الحضارة وتشكّل القوميات والأمم من هبات الله، ولا من صنع رجال أفذاذ، إنما هو وتلك وهي، قد أتت بمجملها بمثابة نتاج تشكّل وفعل سيرورة، تفرزها منظومة عوامل متداخلة، يتفاعل فيها البيئي مع البشري..
وفيما يتعلق في مسألة الهوية والقومية كمعطى اجتماعي وتاريخي، لا يمكن أن تكون من نتاج مرحلة بعينها ولا حصيلة زمن أحادي، إنما هي من نتاج أزمنة متعددة، وعوامل نشوء وتكوّن، قيض لها أن تتفاعل وتتداخل عبر أحقاب الأزمنة، تماماً كحال الجيولوجيا..
ها هنا، وقد يتوق لي الذهاب بعيداً في أقصى الارتقاء في سلم المماثلة مع الجيولوجيا، يعنُّ لي أن أقول، أن البشر من حيث كونهم أبناء الطبيعة والأرض، قد جاءت كياناتهم، كما لو كانت كاختزال ما لتنوعات البيئة والطبيعة- الجغرافية.. لكأن الجغرافية السكانية هي بمثابة انعكاس بكيفية ما للجغرافية الطبيعية.. بيد أن هذه التباينات لا تنفي بأي شكل كان وحدة البشر، من حيث كونهم أبناء لهذه الأرض.
على هذا المنوال، أعتمد المقارنة الآتية لإظهار التواصل بين :
الجغرافيا والديموغرافيا.
|
جغرافيا
|
أرض
|
تنوعات طبيعية
|
|
ديموغرافيا
|
بشر
|
تنوعات بشرية
|
الجدير بالبيان، أن شأن الهويات الجمعية لا يمكن اختزاله بالعامل البيئي والجغرافي- على الرغم من أهميته- فشأن هذه المسألة أكبر وأعقد من هكذا اختزال، فثمة جملة من العوامل والمكونات التي قد أسهم كل منها بدوره، في سيرورة تشكّل أية هوية جمعية، وذلك وفق عملية تراكم وتداخل جدلي فيما بينها بكليتها.
بيد أن هذا التراكم لا يمكن أن ينفي حدوث الطفرة النوعية، التي من شأنها صهر ما سبق، من فعاليات عوامل ومكونات، في صياغة قرب كلية لكينونة الهوية الجمعية.
بصدد موضوعي الخاص بالهوية الجمعية العربية، أرى أن حدثية الطفرة النوعية قد أٌنجزت تحديداً، بفعل الإسلام، كدور وحضارة.. وبمعنى آخر، أرى ظهور حالة من التواصل الجدلي في سيرورة تشكّل الهوية الجمعية العربية، تتمثل بجدل التفاعل بين حصيلة
المسار العائد لعوامل التراكم (ما سبق الإسلام من عوامل ومكونات) وحدثية الطفرة النوعية (فعل الإسلام)، بحيث لولا ما سبق (من تراكم)، ما كان قد تحقق ما لحق (من طفرة).. قطعاً ما كان لهذا الطفرة النوعية أن تتحقق لو لم يسبقها من تراكم.. أرى، أن هذه الحقيقة الجدلية قد أدركتها بكل دهاء القوى المعادية، فعمدت على النبش في الماضي عن عوامل ومكونات ما، وإخراجها من حيزها الخاص لها، وعزلها عما سبقها ولحقها، بهدف توظيفها عسى تلغي بها، ما تشكّل في نهاية المطاف، من منجز نوعي الذي قد تجلّى بالهوية الجمعية العربية..
وإذ كنت قد اعتمدت، مقولة أو مفهوم ” صياغة قرب كليّة “، ذلك لكوني أرى أن لا شيء نهائي وأزلي في مسيرة التاريخ..
وحسبي إزاء موضوعي سأحاول الغوص ما أمكن، في طبقات الأزمنة التاريخية بحثاً عن المجريات التي كان من شأنها تنظيم مسار تشكّل هذه الهوية المرئية في عصرنا، والتي يمكن تسميتها وتوصيفها بالهوية العربية..
على هذا القياس سوف ينصب اهتمامي قبل كل شيء على التحري عما يمكن تسميته ” بالحبكة أو سلسلة الحبكات ” التي كان من شأنها تنظيم النسيج الذي قد أسهم في صياغة هذا الفضاء (العربي)، مما يعني أن شأن اهتمامي، لن يحصر ذاته على مجرد سرد مآثر الشخصيات التاريخية المتمثلة بسيرتها وإنجازاتها، إنما بما له من صلة وفعل بمسار تشكيل هذا الفضاء..
لن يكن من شأني الخوض في سِيَر الحكام وإنجازات العهود إلا بمقدار ما تقدم من أنوار كاشفة على سيرورة هذا التشكّل.
مهما يكن من أمر، لا ينطلق مذهبي من تصغير شأن الدراسات التاريخية التي تناولت مآثر الشخصيات التاريخية وإنجازات العهود والمراحل، إنما أقدرها حق قدرها، بل وستكون كزاد لي وعتاد في عملية التحري عن الحبكة أو جملة الحبكات التي لها شأن ما في منحى عملي..
يبدو لي، أن الدراسات وفق مظهرها المدرسي السردي أو صيغها المفككة – لم يكن من اهتمامها الكشف، عن المتصل والمتواصل في قوامها.. بل كان من الندرة بمكان جريان البحت عن سيرورة التشكّل والتواصل بما يخص الفضاء العربي، وفق واقعيته وتطوره منذ أقدم الأزمنة، إنما قد تم عزل ما سبق الإسلام عما فيه التحق..
الجدير بالبيان، أن ثمة مساحة شاسعة في التاريخ القديم، تمتد على مدى الملايين من السنين، وهي على الرغم من جهلنا النسبي لها، كان من شأنها وضع البشر في منطقة الفعل لمصائرهم، أي صنع من تاريخهم المعروف وحضارتهم القائمة، ونحن، نحن، من بينهم.. فلا جديد بلا قديم، ولا حاضر ومستقبل لمن لا تاريخ له..
والسؤال في هذا المجال: هل يمكن وعي الهوية من دون معرفة التاريخ…!!






