العراق ومعركة استعادة القرار السيادي

جمال الضاري

             

دخل العراق، منذ 9 إبريل/ نيسان عام 2003 يوم احتلال بغداد بعد الغزو الأميركي، مرحلةً تُعدّ من أكثر المراحل حساسيةً وتعقيداً في تاريخه السياسي الحديث، فما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرّد إسقاط نظام سياسي واستبداله بآخر، بل كان انهياراً كاملاً لبنية دولة حكمت البلاد عقوداً طويلةً وفق نموذج سياسي مغلق، احتكر السلطة، وأقصى التعدّدية، وأغلق المجال العام أمام أيّ تجربة سياسية حقيقية قائمة على التنافس السلمي أو التداول الديمقراطي للسلطة. ومع انهيار ذلك النظام، وجد العراقيون أنفسهم فجأةً أمام واقع سياسي جديد فُرض بسرعةٍ وتحت ضغط الحرب، من دون أن تكون هناك مؤسّساتٌ وطنيةٌ أو ثقافة ديمقراطية ناضجة، ولا مشروع وطني جامع قادر على إدارة هذا التحوّل التاريخي المعقَّد.
وفي تلك اللحظة المفصلية، ومع الفراغ الأمني والسياسي الذي أعقب غزو بغداد، بدأت ملامح العراق الجديد تتشكّل على نحو مختلفٍ عمّا كان يأمله عراقيون كثيرون، فقد برزت قوىً سياسيةٌ أمضت سنوات طويلة خارج البلاد، بعضها في إيران، وبعضها في عواصم إقليمية ودولية أخرى، وتمكّنت، في فترة قصيرة، من تصدّر المشهد السياسي، مستفيدةً من جاهزيتها التنظيمية، ومن شبكة علاقاتها الخارجية، ومن الدعم الذي حصلت عليه في سنوات المعارضة، غير أنّ هذه القوى، في معظمها، لم تدخل إلى بغداد وهي تحمل مشروع دولة وطنياً جامعاً، بقدر ما جاءت محمولةً على هُويّات مذهبية، وانتماءات قومية، ومشاريع أيديولوجية متباينة.

يحسم تشكيل الحكومات العراقية عبر تفاهمات حزبية مغلقة وتحالفات متغيّرة وتسويات إقليمية

ومن هنا، بدأت العملية السياسية الجديدة تتأسّس على قاعدة المحاصصة الطائفية والقومية، بدلاً من أن تُبنى على أساس المواطنة، والكفاءة، والهُويّة الوطنية الجامعة، إذ جرى توزيع السلطة بين المكوّنات السياسية وفق معادلات التوازن لا وفق منطق الدولة الحديثة، فتحوّلت الوزارات والمؤسّسات تدريجياً إلى ساحات نفوذ حزبي، وأصبحت المناصب العليا تُدار وفق منطق التوافقات الحزبية أكثر مما تُدار بمنطق الكفاءة أو الإرادة الشعبية، وهذا التأسيس أنتج منذ البداية فجوةً عميقةً بين المواطن العراقي والطبقة السياسية الجديدة، فالعراقي الذي كان يحلم، بعد عام 2003، ببناء دولة مدنية حديثة، تحترم صوته، وتصون كرامته، وتمنحه فرصةَ المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، وجد نفسه أمام منظومةٍ حزبيةٍ مغلقة، تتقاسم النفوذ والثروة والسلطة، وتتحرّك، في أحيانٍ كثيرة، وفق حسابات تتجاوز حدود المصلحة الوطنية.
ومع مرور السنوات، تحوّلت الانتخابات عند قطاعات واسعة من العراقيين من أداة للتغيير والإصلاح إلى محطّة دورية تعيد إنتاج القوى ذاتها، حتّى إن تغيّرت الوجوه وتبدّلت الشعارات. وفي قلب هذا المشهد المعقَّد، برزت إيران بوصفها اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في داخل العراق بعد 2003، فقد استفادت طهران من علاقاتها التاريخية مع عدة قوى سياسية عراقية احتضنتها ودعمتها خلال سنوات المعارضة، لتتحوّل تلك العلاقات لاحقاً إلى نفوذ سياسي وأمني واقتصادي واسع داخل مؤسّسات الدولة العراقية، ولم يقتصر هذا النفوذ على التحالفات السياسية أو التوازنات البرلمانية، بل امتدّ إلى ملفّات الأمن والطاقة والاستثمار والتجارة، وحتّى إلى قطاعات من الاقتصاد الخاصّ، عبر شبكة مصالح معقَّدة خلقت طبقةً سياسيةً واقتصاديةً ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود العراقية.
وفي المقابل، تعاملت الولايات المتحدة مع العراق باعتباره مشروعاً لإعادة تشكيل النظام السياسي وإدارة مرحلة انتقالية جديدة، لكنّها، رغم وجودها العسكري والسياسي الكبير، لم تنجح في بناء نظام وطني مستقرّ قادر على حماية القرار العراقي من التدخّلات الخارجية، بل إنّ عراقيين كثيرين يرون أنّ السياسات الأميركية في السنوات الأولى بعد الاحتلال أسهمت في خلق بيئة سياسية هشّة، فتحت الباب أمام صراع النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد. وبعد أكثر من عقدَين على التغيير، تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة تتضارب فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإقليمية، فيما بقي المواطن العراقي الطرف الأكثر دفعاً للكلفة، من أمنه، واستقراره، ومستقبله الاقتصادي، وفرصه في التنمية والحياة الكريمة.
ومع تصاعد التوتّرات الإقليمية بعد “7 أكتوبر” (2023)، عاد العراق إلى قلب الصراع الأميركي الإيراني، وبرزت الفصائل المسلّحة المرتبطة بطهران بوصفها جزءاً من معادلة الردّ الإقليمي، وحوّلت العراق إلى منصّة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات على الدول العربية والخليجية، ما أعاد طرح أسئلة خطيرة بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، وحول قدرة الحكومة العراقية الجديدة على فرض سيادتها على القرار الأمني والعسكري، إذ كشفت هذه التطوّرات أنّ بعض الجماعات المسلّحة لم تعد تتحرّك ضمن حدود الملفّ العراقي الداخلي فقط، بل أصبحت جزءاً من شبكة النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة، وهو ما زاد من هشاشة المشهد الأمني، ووضع العراق مرّةً أخرى في موقع الدولة التي تدفع ثمن صراعات الآخرين على أرضها.
ولكن الأزمة الأعمق لم تكن في التدخّلات الخارجية وحدها، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه، فالعراقيون يتوجّهون في كلّ دورة انتخابية إلى صناديق الاقتراع أملاً بإحداث تغيير حقيقي، لكنّهم كثيراً ما يصطدمون بحقيقة أنّ تشكيل الحكومات لا يُحسم داخل الصندوق فقط، بل يُصاغ عبر تفاهمات حزبية مغلقة، وتحالفات متغيرة، وتسويات إقليمية ودولية تُدار بعيداً من أعين الرأي العام، وهذا الواقع عمّق حالة فقدان الثقة بين المواطن والدولة، ورسّخ شعوراً عاماً بأنّ القرار السياسي العراقي لم يعد يُصنع بالكامل داخل بغداد، بل داخل دوائر النفوذ وصفقات ما بعد الانتخابات.

يحتاج العراق اليوم إلى إعادة تأسيس العَقْدَين السياسي والاجتماعي بين الدولة والمجتمع

ولعلّ من أبرز الأمثلة التي أثارت الجدل الشعبي والسياسي في المرحلة الماضية، طرح اسم علي الزيدي لرئاسة الحكومة، على الرغم من أنّه لم يكن جزءاً مباشراً من السباق الانتخابي، ولم يخض الانتخابات مرشّحاً حزبياً أو مستقلّاً، وقد أعاد هذا الطرح إلى الواجهة سؤالاً لا يزال يلاحق الشارع العراقي، مفاده: إذا كانت صناديق الاقتراع لا تُنتج مباشرةً مَن يحكم، فمَن الذي يصنع القرار الحقيقي في العراق؟ وهل ما زالت الديمقراطية تعبّر فعلاً عن الإرادة الشعبية، أم أنّها تحوّلت إلى واجهة شكلية تُحسم نتائجها داخل غرف التفاهمات المُغلَقة؟
وفي خضمّ هذه المعادلات، تصاعدت أيضاً التصريحات الدولية المرتبطة بمستقبل العراق، أبرزها ما صدر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأثارت موجةً واسعةً من التحليلات بشأن مستقبل النفوذ الأميركي والإيراني داخل البلاد، لكنّ التجربة السياسية العراقية أثبتت أنّ التصريحات الخارجية، مهما كان وزنها السياسي أو الإعلامي، لا تستطيع وحدها تغيير بنية نظام تأسّس منذ البداية على التوافقات الحزبية والارتباطات الإقليمية.
لا يحتاج العراق اليوم فقط إلى تغيير أسماء أو تبديل تحالفات، بل إلى إعادة تأسيس العَقْدَين السياسي والاجتماعي بين الدولة والمجتمع. يحتاج إلى مشروع وطنيّ حقيقيّ يعيد تعريف السلطة بعدّها خدمةً عامّةً لا غنيمةً حزبيةً، ويعيد القرار العراقي إلى الداخل، بعيداً من الهيمنة الخارجية، سواء جاءت من الشرق أو الغرب، فالعراق، بتاريخ حضارته الممتدّة، وبثرواته البشرية والاقتصادية الهائلة، لا تنقصه الإمكانات، بل تنقصه الإرادة السياسية المستقلّة، والقيادة الوطنية القادرة على تحويل التنوّع من سبب للانقسام إلى مصدر للقوة، وعلى نقل البلاد من ساحة نفوذ وصراع إلى دولة تمتلك قرارها وسيادتها ومستقبلها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى