
تنجلي اليوم في لبنان كارثة كبيرة بعد أن هُجّر أكثر من مليون لبناني من بيوتهم وقراهم في الجنوب، سُوّيت عشرات القرى بالأرض، وأُقيمت منطقة عازلة يتراوح عمقُها بين أربعة وعشرة كيلومترات. عدد النازحين إلى ازدياد، يعيش 85% منهم خارج أيّ نظام إغاثة منظّم: في بيوت الأقارب، في شقق مستأجرة بإيجارات ارتفعت بشكل جنوني، في سيّاراتهم المتوقّفة في أطراف المدن، وفي خيام بدائية على قارعة الطرق. أمّا الـ15% الموجودون في مراكز الإيواء الرسمية، فمعظمهم يعيش في مدارس حُوِّلت إلى ثكنات بشرية، بنسبة إشغال بلغت 94%، وسط شُحّ في الغذاء والدواء، وانقطاع شبه تام للكهرباء. الأهم (والأخطر) هو أنّ إسرائيل بنت منطقة عازلة عبر تحويل قرى بأكملها إلى ركام، مع حظر العودة بأكثر من طريقة: القوّة العسكرية، التدمير المنهجي للبنية التحتية، قصف معدّات الإعمار، وجعل المنطقة غير قابلة للحياة. في المقابل، من الحتمي أن لا يبقى أهل تلك المناطق يعيشون في الخيام، أو يصبروا في المدارس والحسينيات ومراكز الإيواء، إلى ما لا نهاية. هم سيفعلون ما يفعله البشر دائماً حين لا يجدون خياراً آخر: سوف يبنون.
والحال أنّ للبنان ذاكرة طويلة في هذا الباب، فالضاحية الجنوبية التي كانت في الخمسينيّات بساتين وأراضيَ زراعية، أصبحت بفعل موجات النزوح المتراكمة من الجنوب والجبل والبقاع، أكبر تجمّع سكني غير رسمي، لم يُشرعَن حتى أصبح أمراً واقعاً. الآلية نفسها قد تتكرّر اليوم، إنّما في ظروف اقتصادية أشدّ قسوةً، وفي ظلّ انقسامات أهلية حادّة. الناس لا ينتظرون، وهذا حقّهم، فمَن يجد مبنى فارغاً يسكنه، من يجد أرضاً حكوميةً مهجورةً يقيم عليها خيمةً، من يجد منزلاً لنازح آخر، يصادره. في زمن الحرب، تتراخى القوانين ويصبح البقاء هو الحقّ الوحيد. هكذا، ومع تضاؤل آفاق العودة إلى القرى المدمّرة، تبدأ عملية التأقلم البنائي تدريجياً، فيصبح ما كان خيمة غرفةً، وما كان غرفة بيتاً. لا تراخيص بناء ولا من يحزنون، لأنّ النظام الذي يُفترض أن يمنحها منهار أصلاً، ولأنّ الوقت لا يسمح بالبيروقراطية حين يتسرّب المطر والبرد من بين الثقوب.
هنا، يمكن لنا التصوّر أن هذا التوسّع سيحدث في المدن التي استقبلت النازحين، إذ سيدفع الضغط السكّاني نحو ملء كلّ فراغ. أطراف المدن في الشمال والجبل والبقاع والضاحية الجنوبية في بيروت، ربّما تشهد تمدّداً أو ظهور جيوب سكّانية جديدة في أراضٍ زراعية أو حرجية، وهذا كلّه إنّما يعني شيئاً واحداً: ازدياد حدّة التوتّرات في الداخل حيث تتقاطع الطوائف والمصالح والموارد. فحين يصل مائة ألف نازح على سبيل المثال إلى مدينة تعاني أصلاً من البطالة وانقطاع الكهرباء وشحّ المياه، يبدأ التوتّر: هم يأخذون ما هو لنا! وتاريخ لبنان حافل بأمثلة على كيفية تحوّل الضغط السكّاني إلى احتقان طائفي، من دون أن ننسى أنّ جيلاً سينشأ في مراكز الإيواء وفي الأحياء العشوائية المقبلة، خارج المنظومة التعليمية الطبيعية، أي بلا هُويّة مستقرّة، بلا مكان يسمّيه “الحيّ”، وبلا مستقبل واضح. يأسُ جيلٍ كهذا قد يُصبح وقوداً لأزمات لاحقة.
نظرياً، من الممكن إطلاق برنامج إسكان طارئ بتمويلٍ دوليّ يوفّر وحداتٍ سكنيةً مؤقّتةً ولائقةً في مناطق مخطّطة؛ كما يمكن إنشاء مخيّمات منظّمة بخدمات حقيقية. يمكن ضخّ 11 مليار دولار (التقدير الرسمي لإعادة الإعمار وإعادة بناء الجنوب)، بالتوازي مع تسوية سياسية تضمن أمن العودة. غير أنّ التعهّدات الدولية لا تتجاوز حتى الآن بضع مئات من ملايين الدولارات، في مقابل حاجة تقدَّر بعشرة أضعاف. التمويل الخليجي الذي أنقذ إعادة الإعمار عام 2006، يبدو غائباً هذه المرّة، فيما تواصل إسرائيل القصف والتدمير.
إن طال الوضع الكارثيّ الراهن، فثمّة لبنان مختلف سيُرسم على الأرض. خريطته الديموغرافية ستتبدّل، وتوازناته الهشّة ستزداد هشاشةً. ما كانت الحرب الأهلية تفعله بالمدافع، قد يُكمله النزوح في أحياء لم تتشكّل خرائطها بعد، صحيح، لكنّها تُنذر بوقوع كارثة تُبنى الآن جدرانها، حجراً في إثر حجر.
المصدر: العربي الجديد


