
كتب الأستاذ فضل عبد الغني مدير الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان والبروفسورة روتي تيتل مقالًا لمجلة Just Security ونشر المقال باللغة الإنكليزية، وتقوم الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان بترجمته ونشره باللغة العربية. عنوان المقال: العدالة الانتقالية في سوريا بعد الأسد: إطار تحويلي للمحاسبة والإصلاحات. وفيما يلي أبرز ما ورد فيه:
يشير المقال إلى أنَّ سقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 شكّل لحظة تاريخية أنهت عقودًا من الحكم الاستبدادي والعنف الممنهج، وفتح في الوقت نفسه بابًا للفرص والتحديات أمام سوريا لتحقيق السلام والديمقراطية ومعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة. ويبرز حجم الكارثة من خلال الأرقام الموثقة: مقتل ما لا يقل عن 234,805 مدنيين، غالبيتهم على يد النظام وحلفائه، و181,312 حالة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري، و45,339 حالة وفاة تحت التعذيب، و217 هجومًا كيميائيًا، فضلًا عن الاستخدام الواسع للبراميل المتفجرة التي أسهمت في «إبادة حضرية» وتدمير مناطق سكنية ودفع السكان إلى النزوح. كما تواجه البلاد دمارًا اقتصاديًا هائلًا، إذ تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية ونزوح نحو نصف السكان، بما يعكس عمق التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد النزاع.
يوضح المقال أنَّ الفظائع واسعة النطاق في سوريا خلّفت واقعًا معقدًا يتجاوز معاناة الأفراد ليطال أجيالًا متعاقبة ويصيب المجتمع بأسره بأضرار عميقة. كما أنَّ الحالة السورية تمثل تحديًا للعدالة الانتقالية التقليدية في ظل تفتت السيادة والانقسامات المجتمعية الحادة الناتجة عن نزاع استمر أربعة عشر عامًا. ويزيد المشهد تعقيدًا التفكك السياسي والاستقطاب الاجتماعي، بما أدى إلى تداخل الانقسامات وظهور ما يُسمى «التنافس في المظلومية». لذلك، تتطلب إدارة التوترات الطائفية اعتماد عدالة غير طائفية تركز على المسؤولية الفردية وتمنع الوصم الجماعي، مع تصميم تدابير انتقالية تُخفف المخاوف الوجودية بدلًا من تعميقها. كما يشدد المقال على ضرورة مراعاة أخطار مثل تغوّل السلطة التنفيذية، وضعف المؤسسات، وتسييس العدالة، والتوترات الطائفية عند وضع أطر العدالة الانتقالية، مع أهمية التخطيط الدقيق، والشفافية، وتوسيع المشاركة في تصميم هذه الأطر وتنفيذها.
ويعرّف المقال العدالة الانتقالية بوصفها إطارًا تحويليًا يُستخدم في فترات التحول الجذري لمعالجة الانتهاكات الواسعة، بهدف الاعتراف بالضحايا وتعزيز السلام والمصالحة والحكم الديمقراطي، مع التأكيد على تكامل أدواتها بدلًا من استخدامها على نحو منفصل. وترتكز العدالة الانتقالية على أربعة أعمدة: المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاحات المؤسسية. فالمحاسبة تهدف إلى إثبات المسؤولية الجنائية الفردية، وكشف الحقيقة يعيد بناء السردية الجماعية ويوثق الانتهاكات، بينما يقر جبر الضرر بالأذى ماديًا ورمزيًا ويسهم في التعافي، وتعالج الإصلاحات المؤسسية الأسباب البنيوية التي سمحت بوقوع الانتهاكات. ويحذر المقال من تطبيق هذه العناصر بصورة جزئية، لأنَّ غياب التكامل قد يؤدي إلى الإفلات من العقاب، أو إلى عدالة انتقائية، أو إلى تآكل الذاكرة الجماعية، أو إلى إعادة إنتاج ممارسات النظام السابق. لذلك، يوصي باعتماد نهج شامل يجمع بين هذه العناصر كلها في الحالة السورية.
يؤكد المقال أنَّ اعتماد نهج يركز على الضحايا يُعد أساسًا لشرعية العدالة الانتقالية، لأنَّه يضمن تلبية احتياجاتهم الحقيقية ويحول دون تسييس العملية. ويتطلب ذلك تمكين الضحايا من المشاركة في تصميم الإطار وتحديد أولوياته وآليات تنفيذه، بما يعزز شرعية النظام الجديد القائم على الشمول بدلًا من الخوف والإكراه اللذين سادا سابقًا. كما يشدد على ضرورة أن تكون العدالة الانتقالية بقيادة سورية، من دون استبعاد الدور الدولي عند الحاجة، ولا سيما في حال ضعف المؤسسات المحلية أو افتقارها إلى الاستقلالية والثقة. ويقترح المقال نموذجًا متوازنًا يجمع بين القيادة الوطنية والاستفادة من الخبرات والمعايير الدولية، بما يتماشى مع مبدأ التكامل الذي يدعم المساءلة المحلية مع الإبقاء على خيار التدخل الدولي عند الضرورة.
ويشير المقال إلى أنَّ العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن تُبنى ضمن إطار قانوني مؤسسي يحد من تغوّل السلطة التنفيذية ويعزز دور السلطة التشريعية، تفاديًا لتكرار أخطاء النظام السابق. ويبرز أهمية وجود ضمانات دستورية تحمي مؤسسات العدالة الانتقالية، بما يضمن استقلاليتها المالية والإدارية ويعزز الحقوق المرتبطة بكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر. ورغم الإشارة إلى خطوات إيجابية، مثل الإعلان الدستوري لعام 2025 الذي نص على إنشاء هيئة عدالة انتقالية تركز على الضحايا، فإنَّ المقال ينتقد اعتماد المراسيم التنفيذية، مثل المرسومين رقم 19 و20، لتأسيس مؤسسات العدالة، معتبرًا أنَّ ذلك يعزز هيمنة السلطة التنفيذية ويضعف الشرعية والمشاركة المجتمعية. ويؤكد أنَّ إنشاء هذه المؤسسات عبر عملية تشريعية تشاركية هو الخيار الأفضل لتعزيز الشرعية والتمثيل، وترسيخ ثقة المجتمع، وضمان استدامة العدالة الانتقالية، محذرًا من أنَّ النهج الحالي قد يهدد ثقة السوريين بالعملية الانتقالية ويعيد إنتاج مركزية السلطة التنفيذية.
ويشدد المقال على أنَّ إنشاء هيئة منفصلة لمعالجة ملف المفقودين في سوريا يُعد خطوة إشكالية، لأنَّها قد تؤدي إلى تضارب في الاختصاصات، وتكرار في الجهود، وتعارض في التوصيات، فضلًا عن إرباك الضحايا بشأن الجهة المختصة بطلب المساعدة أو التعويض. ويؤكد أنَّ قضية المفقودين، ولا سيما حالات الإخفاء القسري، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بباقي الانتهاكات التي ارتُكبت بصورة ممنهجة خلال حكم نظام الأسد، مثل الاعتقال والتعذيب، بما يستدعي دمجها ضمن إطار العدالة الانتقالية الشامل. ففصلها قد يؤدي إلى إغفال الأنماط الهيكلية للانتهاكات ويضعف القدرة على الربط بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. كما يلفت إلى أنَّ إنشاء هيئة مستقلة للمفقودين سيزيد التعقيد الإداري والتكاليف، وقد يخلق تداخلًا غير ضروري بين المؤسسات، فضلًا عن اختلاف المعايير والإجراءات. لذلك، يقترح المقال إدماج ملف المفقودين ضمن وحدة متخصصة داخل هيئة العدالة الانتقالية، ضمانًا لتوحيد الجهود والمعايير وتعزيز الفاعلية، مع اعتبار الفصل الحالي خطوة سلبية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا.
ويدعو المقال إلى تعزيز المحاسبة ضمن إطار العدالة الانتقالية في سوريا من خلال إنشاء محكمة خاصة تُعرف بـ«محكمة خاصة من أجل سوريا»، على أن تكون ذات طابع مختلط. ويُقترح أن تتولى هذه المحكمة النظر في الجرائم الدولية التي لا يغطيها القانون الجنائي السوري الحالي. كما يشير إلى ضرورة إصدار قانون جنائي جديد يمكّن من محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، بما يضمن سد الفجوات القانونية القائمة. ويهدف هذا الطرح إلى تعزيز العدالة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وتوفير إطار قانوني فعال يتناسب مع طبيعة الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد.
ويشدد المقال على ضرورة إجراء تعديلات جوهرية على القانون الجنائي السوري من خلال سن تشريعات جديدة تتيح ملاحقة الجرائم الدولية بفعالية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم لا يعترف بها القانون الحالي. ويؤكد أهمية أن يتضمن أي إطار قانوني جديد تعريفًا واضحًا لهذه الجرائم، إلى جانب تنظيم أنماط المشاركة والمسؤولية المرتبطة بها، بما في ذلك مسؤولية القيادة والمشاركة الجماعية. كما يوضح أنَّ طبيعة الانتهاكات في سوريا واسعة ومنهجية، بما يستدعي عدم الاقتصار على المنفذين المباشرين، بل يشمل أيضًا المسؤولين في المستويات الأعلى. ويشير إلى ضرورة أن يغطي القانون الجرائم المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، نظرًا إلى تعدد الأطراف الفاعلة في النزاع السوري، سواء كانت دولية أم محلية، حكومية أم غير حكومية، وما نتج عن ذلك من أنماط عنف متنوعة.
ويخلص المقال إلى أنَّ تبني هذا النهج الشامل في التشريع الجنائي الوطني يُعد خطوة أساسية نحو تحقيق محاسبة عادلة وفعالة لجميع مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة في سوريا. كما يدعو إلى إنشاء محكمة خاصة بسوريا تكون مختلطة، تجمع بين القضاة المحليين والخبرات الدولية، بهدف ضمان المحاكمة العادلة وبناء قدرات القضاء السوري في الوقت نفسه. ويرى أنَّ هذا النموذج مناسب للسياق الانتقالي بسبب ضعف استقلالية القضاء السابق وغياب الثقة به. ويؤكد أنَّ إنشاء المحكمة يجب أن يتم عبر قانون لا عبر مرسوم تنفيذي، تعزيزًا للشرعية الديمقراطية وإتاحةً لنقاش عام يشارك فيه الضحايا والخبراء، بما يحد من تسييس العدالة أو تحولها إلى «عدالة المنتصر». كما يشدد على أهمية وجود معايير شفافة واختيارات واضحة للقضايا وضمانات للمحاكمة العادلة. ويقترح دمج المحكمة ضمن النظام القضائي الوطني بدلًا من إنشاء كيان موازٍ، للاستفادة من البنية القائمة وتعزيز الابتكار في مجالات مثل حماية الشهود ودعم الضحايا، مع التأكيد على ضرورة إجراء إصلاحات قضائية موازية. كما يتناول المقال تحديات التعاون من جانب مرتكبي الانتهاكات، ولا سيما من أصحاب الرتب المتدنية، ويقترح تحقيق توازن بين المحاسبة وعدم منح عفو شامل، مع إمكان إحالة بعض الحالات إلى آليات كشف الحقيقة أو التعويض بدلًا من الملاحقة الجنائية، تفاديًا للإفلات من العقاب وضمانًا للعدالة.
ويوضح المقال أنَّ آليات كشف الحقيقة يمكن أن تدعم المحاسبة من خلال إيجاد تكامل بين العمليتين، مثل استخدام آلية الإحالة لربط لجان تقصي الحقائق بالمحاكم. إذ يمكن لهذه اللجان إعداد ملفات أدلة وفق معايير جنائية وإحالتها إلى محكمة مختلطة تمتلك صلاحية اختيار القضايا بصورة مستقلة، بما يعزز جمع الأدلة والشهادات ويوثق أنماط العنف الممنهج، ويدعم محاكمات قائمة على أدلة قانونية موثوقة. كما يؤكد أنَّ إصلاح المؤسسات يُعد عنصرًا أساسيًا لنجاح العدالة الانتقالية ومنع تكرار الانتهاكات، لأنَّ غيابه يؤدي إلى تقويض سائر عناصر العدالة. ويشير إلى ضرورة إجراء إصلاحات واسعة تشمل القطاعين القضائي والأمني، مع مراقبة المؤشرات الخطيرة لضمان انتقال مستدام نحو نظام قائم على سيادة القانون.
ويشدد المقال على أنَّ الإصلاح القضائي في سوريا يتطلب إعادة هيكلة شاملة لمجلس القضاء الأعلى، الذي كان يتمتع بسلطات واسعة في تعيين القضاة وعزلهم خلال حكم النظام السابق. ويؤكد أهمية تعزيز استقلالية هذا المجلس الجديد المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2025، من خلال ترسيخ دوره في الدستور. كما يدعو إلى إعادة بناء الكفاءات المهنية عبر تقييم شامل للقضاة على أساس فردي، لا يعتمد فقط على الانتماء، بل يشمل أيضًا الأداء والممارسات، مع مراجعة مدى الالتزام بالقوانين الجديدة وتطبيق عقوبات تدريجية عند الحاجة. ويشدد على ضرورة تغيير الثقافة القضائية السابقة التي كانت قائمة على الولاء للسلطة، واستبدالها بثقافة تركز على سيادة القانون واستقلال القضاء واحترام حقوق الإنسان. كما يؤكد أهمية برامج تدريب متخصصة تعزز المعرفة بالقانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، والعدالة الجندرية، فضلًا عن تطوير المهارات في مجال الأدلة الجنائية، بما يسهم في بناء نظام قضائي مهني ومستقل.
ويشدد المقال على أنَّ إصلاح القطاع الأمني في سوريا يحتاج إلى تغيير جذري، بسبب الدور الذي اضطلعت به الأجهزة الأمنية السابقة في القمع والتعذيب وانتهاك القانون الدولي، وبسبب تداخل مهام المخابرات والشرطة ومكافحة الإرهاب، بما أدى إلى انتهاكات منهجية. ويحذر من تفكيك مفاجئ للقطاع الأمني خشية خلق فراغ أمني، ويقترح فصل المهام بين التحقيقات الجنائية، ومكافحة الإرهاب، والاستخبارات، وأمن الحدود، مع إنشاء وكالات مستقلة وإخضاعها لإشراف مدني وقضائي يمنع عودة المراقبة السياسية. وينتقد المقال الدمج السريع للفصائل المسلحة ضمن الأجهزة الأمنية من دون تدقيق كافٍ، وهو ما أدى إلى انتهاكات في مناطق مثل الساحل والسويداء، مشددًا على ضرورة اعتماد دمج مدروس يوازن بين الفاعلية الأمنية والشرعية، ويضمن حماية حقوق الإنسان، مع استبعاد مرتكبي الجرائم الخطيرة من الجهاز الأمني. ويوضح أنَّ جبر الضرر في العدالة الانتقالية يشمل التعويض المادي والاعتراف الرمزي، ويمكن دمجه مع جهود إعادة الإعمار في سوريا ليصبح وسيلة للاعتراف بالضحايا، ولا سيما إذا أُشركت المجتمعات المتضررة في تحديد أولويات إعادة البناء، بما يربط بين التعافي المادي والاعتراف القانوني والأخلاقي بالانتهاكات. ويشير إلى أنَّ التمويل يمثل تحديًا رئيسيًا، لكنه يقترح حلولًا مثل تجميد أصول المسؤولين، وإنشاء صناديق دولية شفافة مخصصة للعدالة الانتقالية، مع آليات رقابة لمكافحة الفساد. كما يؤكد أهمية ربط تمويل إعادة الإعمار بالعدالة الانتقالية، بحيث لا يقتصر الدعم على المحاكمات، بل يشمل التعويضات والإصلاح المجتمعي، بما يعزز تعافي الضحايا والمجتمع. ويشدد أيضًا على دور إصلاح المجتمع عبر أدوات مثل المتاحف، والاحتفالات التذكارية، وتعديل المناهج الدراسية، بوصفها وسائل لتوثيق الحقيقة ومنع إنكار الانتهاكات، مع ضرورة أن تكون هذه التدابير أخلاقية ومتمحورة حول الضحايا من دون تسييس.
ويؤكد المقال أنَّ مرحلة ما بعد الأسد في سوريا تتطلب اعتماد آليات شاملة ومتكاملة للعدالة الانتقالية. ويشمل ذلك إنشاء لجنة وطنية غير قضائية لكشف الحقيقة ترتبط بالمحاسبة الجنائية عبر آلية إحالة، إلى جانب سن تشريع لتأسيس محكمة مختلطة تعزز المعايير الدولية وتبني القدرات المحلية. كما يدعو إلى إصلاح القانون الجنائي ليشمل الجرائم الدولية وأنواع المسؤولية المختلفة، وإجراء إصلاحات عميقة في المؤسسات، ولا سيما في القطاعين القضائي والأمني. وفي الوقت نفسه، يشدد على أهمية دعم الدول المانحة لجهود إعادة الإعمار وربطها بجبر الضرر على نحو فعال.
ويختتم المقال بالتأكيد على أنَّ العدالة الانتقالية في سوريا تعتمد على قدرة المجتمع على التغيير، وأنَّ العدالة والسلام ليسا متعارضين، بل متكاملان، إذ يمكن لكل منهما أن يدعم الآخر. ويرى أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية ينبغي على السوريين والمجتمع الدولي استثمارها لتحقيق تحول مستدام.
المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان






