التنوع المجتمعي في سوريا.. من أداة تفتيت إلى ركيزة بناء دولة

   راغب العطيه

شكل التنوع في سوريا عبر التاريخ مصدر قوة وتقدم وحضارة، حيث تعايشت على أرضها عبر القرون مكونات قومية ودينية متعددة، من العرب والكرد والسريان والآشوريين، إلى المسلمين والمسيحيين وغيرهم. وهذا التنوع لم يكن يوما عبئا على الدولة السورية، بل كان في جوهره مصدر غنى وقوة، أسهم في تشكيل مجتمع متماسك قادر على التكيف مع التحديات.

وتتجلى أهمية هذا التنوع، بحسب المراقبين، في كونه يعزز مفهوم المواطنة الجامعة، التي تقوم على احترام الاختلاف والاعتراف بالحقوق الثقافية لكل مكون، فالأفراد الذين يشعرون بأن هويتهم مصانة ومعترف بها يزداد انتماؤهم إلى الوطن، وبهذا يتحول التنوع من مجرد واقع اجتماعي إلى عنصر فاعل في بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي.

اليوم، وبعد انتصار ثورة الشعب وسقوط نظام الاستبداد، تعيش سوريا مرحلة جديدة مختلفة كليا عن المراحل السابقة، تختلط فيها الآمال العريضة بالمخاوف العميقة التي كرستها عقود طويلة من حكم نظام الأسد المخلوع، الذي حول الدولة إلى أداة في خدمة حكمه المستبد.

ومنذ الأيام الأولى للتحرير، تعمل سوريا الجديدة على تثبيت الأمن والاستقرار، وإدارة المرحلة الانتقالية وفقا للإعلان الدستوري، والتركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ومعايير سليمة وواضحة، ومعالجة الملفات الإنسانية، وتحسين الواقع الاقتصادي المتدهور، إضافة إلى تفعيل مؤسسات المجتمع المدني.

وقد شكل اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق و”قسد” جزءا مهما من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة إرث النظام السابق، وإدارة التنوع المجتمعي السوري وفق رؤية جديدة لا تشبه أي مرحلة من المراحل التي مرت بها البلاد في تاريخها المعاصر. كما أن المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أصدره السيد الرئيس أحمد الشرع في وقت سابق من هذا العام، وأكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، يمثل دليلا قاطعا، في وجه كل المشككين، على أن الدولة السورية تنظر إلى أبنائها بعين واحدة دون تمييز، بحسب المراقبين.

ملتقى العشائر العربية والكردية

وجاء الملتقى الذي عقدته عشائر الفرات العربية والكردية والتركمانية وبقية مكونات المجتمع في عين العرب – كوباني، السبت الفائت، ليؤكد أن التنوع الاجتماعي يبقى مصدر قوة لسوريا في الظروف الاستثنائية، من خلال دعوته إلى تعزيز أواصر الأخوة والتعايش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع السوري، بما يرسخ قيم السلم الأهلي ويحفظ الاستقرار الوطني، بحسب وسائل إعلام محلية.

واختصر الشعار “بروح ثقافة التسامح والتعايش السلمي نحيي قيم مجتمعنا”، الذي رفعه الملتقى، وحدة الرؤية التي يعيشها أبناء سوريا في مرحلة تعد الأهم في تاريخ البلاد منذ عقود.

وتمثل دعوة الملتقى، الذي حضرته شخصيات سياسية وعشائرية وممثلون عن مؤسسات محلية، إلى نشر ثقافة التسامح بين أبناء المجتمع، بحسب العديد من المراقبين، خطوة استراتيجية لترسيخ السلم الأهلي وتعزيز أواصر العيش المشترك بين مختلف الأطياف السورية، ولا سيما العرب والكرد والتركمان، وذلك من خلال ترسيخ الوحدة الوطنية، ونبذ الفتنة، والتمسك بوحدة الشعب، ورفض خطابات الكراهية والتحريض التي تسعى للتفريق بين المكونات. وأكدوا أن الهدف من هذا الملتقى هو ترميم الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع وإحياء قيم المحبة والتعاون كركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وأن هذه المبادرة تأتي في سياق جهود العشائر والقوى المحلية لتأمين غطاء اجتماعي يدعم التماسك الداخلي ويحول دون تصاعد التوترات الميدانية في بعض مناطق الجزيرة السورية.

وقال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو: بروح الثقافة المتسامحة، ومن ثم التعايش السلمي، يمكن للسوريين أن يمضوا بحق على طريق بناء الوطن السوري الواحد الموحد، مشيرا إلى أن تعدد الإثنيات والطوائف في سوريا، وكذلك الأيديولوجيات، لن يكون عائقا أمام عملية وحدة السوريين، وأنه لا بد من إعادة تأسيس الفكر الوطني السوري الجامع، الذي يمسك بمساحات واسعة ورحبة نحو الاستقرار.

بوابة الاندماج الميداني

وأوضح سعدو، في تصريحات لـ”الثورة السورية”، أن اللقاء المستمر والحوار الدائم الذي لا ينقطع بين الفعاليات الشعبية والمحلية يعطي، بالضرورة، بعدا حياتيا متميزا، ويعيد إنتاج الواقع السوري ضمن معطيات التغير المجتمعي الذي حصل بعد سقوط نظام الأسد، بشكل يعزز التماسك والوحدة، ويقطع الطريق على كل الذين يريدون تفتيت وتشظية الواقع الديموغرافي السوري، مؤكدا أن الاستمرار بعقد مثل هذه الملتقيات ضرورة حقيقية للناس كل الناس، ويفتح المجال على مصراعيه نحو الإمساك بكل ما يحافظ على الوطن الجامع الواحد، المنسجم مع بعضه بعضا.

وأشار المحلل السياسي إلى أن مثل هذه الملتقيات تشجع على المسير والتقدم في سياقات الاندماج الواقعي والميداني ضمن البوتقة السورية، التي تتأسس على ما جاء به اتفاق 29 كانون الثاني 2026، لافتا إلى أن مسألة الاندماج تلك تجد مكانها ضمن هذه الفعاليات، وعلى هدي البناء الوطني المتكئ على أن الوطنية السورية أولا وقبل كل شيء، بعيدا عن كل الاشتغالات خارج إطار الوطنية السورية أو بالتضاد معها.

وتأتي هذه الدعوات في ظل تحولات تشهدها منطقة عين العرب، التي خضعت خلال سنوات الثورة لسيطرة قوات “قسد”.

وفي مطلع هذا العام 2026، أعلنت الحكومة السورية التوصل إلى اتفاق مع “قسد” يتضمن بنودا عدة، أبرزها دمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة، وتسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز شرقي الفرات.

ومع بدء تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة، انتشرت وحدات الأمن الداخلي في المنطقة، وبدأت عمليات إزالة الألغام والمخلفات الحربية، ما ساهم في تحسن نسبي للوضع الأمني، وشجع عددا من الأهالي على العودة إلى منازلهم.

وتقول ورقة بحثية لمركز الحوار السوري، نشرها في شباط 2023، إن التنوع العرقي والطائفي والمذهبي في سوريا تاريخيا لم يكن عاملا سلبيا يؤثر في التعايش السلمي بين مختلف المكونات، إلا أن عوامل أخرى متعددة أسهمت في إفشال إدارته، يأتي في مقدمتها السياسات التي اتبعتها السلطة الحاكمة، بدءا من الانتداب الفرنسي والسياسات التمييزية التي اتبعها، ليأتي نظام الأسد المخلوع فيما بعد ويدمر هذا التنوع عبر حزمة متعددة من الإجراءات السياسية والاجتماعية والثقافية، أدت، من حيث النتيجة، إلى زيادة الشروخ الاجتماعية بين مختلف المكونات.

إدارة التنوع بعد الهزات العنيفة

وأكدت الورقة البحثية، في مقدمتها، أنه عقب أي “نزاع داخلي”، دون النظر في مسبباته ومظاهره، تتعرض المجتمعات المتنوعة إثنيا وطائفيا وعشائريا إلى هزات عنيفة سياسية واجتماعية تودي بجزء كبير من الثقة بين مكوناتها، هذا إن كانت هذه الثقة قائمة، ليأتي السؤال الأبرز في المراحل الانتقالية أو أثناء هذا النزاع عن الآليات والأدوات المناسبة لاستعادة هذه الثقة واللحمة بين المكونات، مشيرة إلى المصطلحات الكثيرة التي برزت في الإطار الأكاديمي والتجريبي لمعالجة هذه المظاهر، كمفاهيم إدارة التنوع وأدوات التعايش السلمي، التي تعددت تطبيقاتها في كثير من الدول كماليزيا والبرازيل والهند ولبنان والعراق وغيرها، والتي نجحت في بعضها وفشلت في بعضها الآخر.

وأشارت الورقة إلى واقع التنوع في المجتمع السوري والعلاقة بين الفضاءين العام والخاص، حيث يقصد بالعام الفضاء المستقل عن الأجهزة الإدارية للدولة ذات الطبيعة التدخلية والانضباطية، والمستقل كذلك عن السيطرة العائلية وغيرها من أشكال الروابط الأخرى، كالقبيلة والعشيرة، وهو ما نجده في الأسواق، والمقاهي، والصحافة، والمحكمة، وكتابة العرائض، وغيرها من الفضاءات العامة التي تدور فيها النقاشات، وتشمل حاليا الفضاءات الافتراضية التي تحظى بالنقاشات العامة، كالغرف الصوتية وفيسبوك و”تويتر سابقا” وغيرها.

أما الفضاء الخاص، فهو مجال الأسرة والحياة المنزلية، الذي لا يخضع من الناحية النظرية لتأثير الحكومة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، حيث تقع مسؤولية الفرد على نفسه وتجاه أفراد الأسرة الآخرين، ويمكن أن يتم العمل والتبادل داخل المنزل بطريقة منفصلة عن اقتصاد المجتمع الأكبر. كما يوصف المجال الخاص بالمرونة والقابلية للاختراق والتطور والتقلب، فضلا عن أن حدوده مع المجال العام ليست ثابتة. وأشارت الورقة إلى أن واقع التنوع السوري في العقود الأخيرة، وخاصة بعد انقلاب البعث عام 1963 وإعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة خمسين سنة، ومع قلة النصوص القانونية التي تحكم المجال العام، كان لطبيعة السلطة الاستبدادية الحاكمة وأوامرها العرفية الأثر الأكبر في المجالين العام والخاص، وذلك لتغولها في حياة المجتمع والأفراد، حيث خضع هذان المجالان لتأثيرها بصورة أدت إلى تراجع حضورهما، هذا من ناحية.

تعزيز ثقافة التنوع والتعايش مع الآخر

ومن ناحية أخرى، كان هناك تفاوت من قبل السلطة المستبدة في التعاطي مع مجالات التنوع “العرقية والدينية والسياسية”، فبينما كانت رقابتها وتأثيرها في المجال السياسي مطلقة، كانت هناك هوامش أكبر في مجالات أخرى.

وحول أدوات إدارة التنوع في سوريا، كان هناك تغييب شبه كامل من قبل نظام البعث والأسد المخلوع لأدوات إدارة التنوع الخاصة بتقاسم السلطة، وفشل في مجال أدوات السياسات العامة، إلى جانب التركيز المبالغ فيه على الآليات الاستيعابية، من جهة المبالغة في محاولة فرض الهوية العربية على مختلف المكونات العرقية الأخرى، مما أنتج مشهدا مختلا لإدارة التنوع. فبدلا من تحقيق التوازن بين الأدوات الاستيعابية لتقوية الهوية الوطنية وتعزيزها، وأدوات تقاسم السلطة والسياسات العامة لطمأنة المكونات بمختلف انتماءاتها، كان هناك تركيز على الأولى فقط، مما ولد نفورا في كثير من الأحيان من الرابطة الوطنية التي أضحت، بنظر مختلف فئات الشعب السوري، مصدرا للظلم والقهر والتمييز.

ويفتح التنوع الثقافي والاجتماعي، وفق المحللين، آفاقا واسعة للإبداع الفكري والفني، فالتفاعل بين الثقافات المختلفة يولد أفكارا جديدة، ويغني الإنتاج الأدبي والفني، مما يعزز مكانة سوريا كحاضنة حضارية عريقة. وقد كانت المدن السورية تاريخيا مراكز للتبادل الثقافي، حيث امتزجت اللغات والعادات والتقاليد، ما أفرز نموذجا فريدا من التعايش.

ويرى المراقبون أن التنوع يمكن أن يكون رافعة للتنمية في المجال الاقتصادي، خاصة في المناطق التي تتميز بخصوصيات ثقافية، مثل المنطقة الشرقية والشمالية، إذ يسهم الاعتراف بالهوية الثقافية في تحفيز المشاركة المحلية في التنمية، ويشجع على استثمار الموارد البشرية بشكل أكثر فعالية. كما أن التنوع يخلق فرصا في مجالات السياحة الثقافية التي تعتمد على إبراز التراث المتعدد للبلاد، لافتين إلى أن تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة يتطلب سياسات واضحة تقوم على العدالة والمساواة، وتكفل حقوق جميع المكونات دون تمييز. فغياب هذه السياسات قد يؤدي إلى توترات تضعف النسيج الاجتماعي، وبالتالي فإن ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح، وتعزيز التعليم الذي يكرس قيم التعددية، يمثلان ركيزة أساسية لبناء مستقبل مستقر.

ومع بدء خطوات تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني وعودة حضور الدولة في المناطق المشمولة بالاتفاق، تعود عين العرب وكل المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد” إلى واجهة الأحداث، وذلك في سياق إعادة وصل ما انقطع إداريا واقتصاديا واجتماعيا بين هذه المناطق وبقية ربوع البلاد، وصل يتجاوز رسم الخرائط الإدارية للمحافظات والمناطق، إلى معالجة الملفات الاجتماعية العالقة، وإعادة بناء الثقة بين المكونات المحلية، وتهيئة الظروف لعودة المهجرين، وإحياء القطاعات الخدمية والاقتصادية التي تضررت، بما يضمن الاستقرار الدائم، الذي يبقى مرهونا، بدوره، بقدرة مكوناتها الاجتماعية على تجاوز إرث الانقسام، ووضع مصلحة الأهالي وخدماتهم وحقهم في الاستقرار والعودة في صدارة الأولويات.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى