حوار مع زياد ماجد: ما بعد الثورة والمقاومة والحرب

أحمد عبد الحليم

يأتي هذا الحوار في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب والتحولات الكبرى على مستوى الدولة والعنف وخصائص الفاعلين السياسيين، مع تراجع واضح في أشكال العمل الجماعي التقليدي، في الفضاء غير الرقمي، سواء كانت حزبية أو ضمن مؤسسات مجتمعية. فمنذ انتفاضات 2011، وبالرغم من سقوط النظام السوري، بدا أن المنطقة العربية دخلت مساراً طويلاً من الفوضى والاقتتال الداخلي أو إعادة الضبط السلطوي، حيث استعادت الدولة المركزية أدواتها الأمنية والسياسية، فيما تراجعت قوى المعارضة، وانكفأت مشاريع الإصلاح والتغيير، وتحوّلت السياسة في كثير من السياقات إلى إدارة للأزمات لا إلى أفق للتحرر من استبداد السُلطويات.

تبع ذلك، إثر عمليات حركة حماس في السابع من أكتوبر عام 2023، حروب إسرائيلية طاحنة في غزة وفي لبنان وحرب أميركية – إسرائيلية على إيران، أدت إلى إبادة جماعية وتدمير ممنهج وتوسيع في رقعة الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا المشهد، تبدو الأسئلة حول الأوضاع العربية، وأحوال التوجهات السياسية، لا سيما اليسارية منها، والعنف، والاحتجاج، والقضية الفلسطينية ما بعد الإبادة، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس بوصفها قضايا منفصلة، بل كعناصر مترابطة ضمن أزمة أعمق تطال معنى السياسة ذاته في العالم العربي.

وفي السياق الحالي، يكتسب الحوار مع أستاذ العلوم السياسية والباحث اللبناني زياد ماجد أهمية خاصة، بوصفه أحد الأصوات التي اشتغلت طويلاً على نقد الاستبداد، وتحليل تحولات الدولة والمجتمع والسرديات السائدة حول المقاومة، والعنف، والديمقراطية في المنطقة العربية.

لا يسعى هذا الحوار إلى تقديم إجابات جاهزة، بقدر ما يحاول فتح نقاش نقدي/ جدلي حول ما إذا كنا نعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة، أم مجرد لحظة انتقالية لم تتبلور ملامحها بعد.

مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة

*نبدأ من سؤال عام عن أوضاع المنطقة اليوم، وما يمكن قوله حول المرحلة الراهنة التي دخلت فيها وما يتخلّلها من حروب في إيران ولبنان بعد حرب الإبادة في غزة. هل نحن أمام تحالفات إقليمية جديدة تعيد رسم التوازنات؟

** نحن منذ العام 2023 في بداية مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة. مرحلة لم تتضّح كامل معالمها، إنما يبدو فيها التوسّع العسكري الإسرائيلي عنصراً أساسياً، مدعوماً مباشرة في الميدان هذه المرة، وبعمليات حربية مشتركة لم يسبق أن حصل ما يشبهها، من الولايات المتحدة الأميركية. فإسرائيل اليوم تحتل أجزاء من سوريا وجنوب لبنان، وتسعى لضمّ الضفة الغربية وتحتل كذلك أكثر من نصف غزة بعد أن دمّرت القطاع وارتكبت فيه على مدى عامين إبادة جماعية. وهي تريد الإطاحة بالنظام الإيراني، أو إن تعذّر الأمر، القضاء على قدراته العسكرية وعلى نفوذه الإقليمي.

يُضاف الى ذلك عودة إسرائيلية الى سياسة قديمة وضعها دافيد بن غوريون، وهي سياسة تعزيز العلاقات مع الدول المحاذية للعالم العربي، من أذربيجان إلى أثيوبيا فقبرص (كانت تركيا العسكر وإيران الشاه جزءاً منها)، معطوفة على التطوير القائم منذ العام 2020 للتعاون مع الإمارات وتحويله الى تحالف يضمّها والهند، ويفتح من خلال الاعتراف بأرض الصومال خطاً بحرياً استراتيجياً من المحيط الهندي الى البحر الأحمر فالبحر المتوسّط. كل ذلك، بهدف السطوة والهيمنة في المنطقة، ومحو القضية الفلسطينية نهائياً.

في المقابل، تحاول دول أخرى مثل باكستان والسعودية وتركيا ومعها مصر، وجميعها على علاقة جيدة بواشنطن (وببكين)، بناء تحالف مضاد، يُتيح لها الاستفادة من التراجع الإيراني، لفرض نفوذ في العراق وسوريا، ولعب أدوار في إعادة رسم ملامح المنطقة بعد الحروب الدائرة اليوم، حتى لا تترك لإسرائيل وحلفائها أن يفرضوا شروطهم بالكامل. وهذا قد يؤدّي إن تحقّق لاحقاً الى نوع من التوازن الإقليمي يفتح الباب أمام حلول لا تستثني الفلسطينيين، ولو بمقدار محدود من العدالة والحقوق.

على أننا قبل تبلور كل ذلك إن حصل، نرى المنطقة، لا سيما فلسطين وجنوب لبنان، في حالة من التدمير ومن العنف الضاري الذي سيتطلّب عقوداً للخروج من آثاره. فالقتل ومثله التفجير الممنهج للبيوت والبلدات سيجعل الحياة في مناطق واسعة صعبة، وإعادة الإعمار بطيئة، وغير قادرة في أي حال على استعادة النسيج الاجتماعي وسمات الأمكنة وعادات الناس فيها. هذا إضافة الى كل التوتّرات السياسية والطائفية في بلد مثل لبنان، دخل في نفق لن ينقذه منه سوى الاتفاق الخارجي (بين واشنطن وطهران) على إنهاء الحرب، والاتفاق الداخلي على مجموعة أمور، في طليعتها حصر السلاح وقرارات الحرب والسلم بيد الدولة وحدها والبحث في شروط تعاقد سياسي جديد.

ما بعد العنف

*لو تحدّثنا عن العنف، يمكن القول إن المنطقة شهدت أيضاً إنتشاراً واسعاً لأشكال من العنف الفظيع، خارج الحروب الإسرائيلية، من سوريا وليبيا إلى شمال سيناء واليمن، إضافة إلى ظاهرة المقاتلين الأجانب الذين التحقوا بتنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا. وبعد الانكسار شبه الكامل لهذه التنظيمات، كيف تقرأ مستقبل العنف السياسي في المنطقة العربية؟ هل تتوقع عودة موجات جديدة من العنف الجماعي المنظّم أم أن العنف يتجه أكثر نحو أشكال فردانية ومجزأة؟ كما نرى في مصر والأردن.

** أظنّ أن الأمر يرتبط بالمسارات السياسية في البلدان المذكورة. فالتبدّلات في سوريا وانتهاء الصراع والتدخلات العسكرية الخارجية مثلاً حدّت اليوم من ظاهرة العنف المعمّم، ولَو أن مجزرتين طائفيتين استهدفتا العلويين والدروز حدثتا بعد سقوط النظام الأسدي الذي كان العنف والقتل سمة حكمه الأبرز على مدى عقود. في العراق أيضاً تراجع العنف بعد هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”. أما في اليمن وليبيا، فقد جرى تجميد الصراع مؤقتاً بين القوى الداخلية وحلفائها الخارجيين، ولَو أن ظاهرة العنف لم تنته، ويمكن للنزاعات المسلّحة أن تُستأنف بسبب فقدان الحلول الشاملة وانعدام شروط الدولة المركزية. ولا ننسى السودان حيث العنف اليوم إباديّ في ظل الصراع الداخلي المموّل والمرعيّ من دول في المنطقة، لا سيّما الإمارات. أما في مصر، فالمسألة أمنية أكثر وموضعية ولها خصائص في سيناء تتطلّب مبحثاً آخر.

لكل هذا، ونظراً لكون مسبّبات العنف وإمكانياته “متوفّرة”، إن لم تنجح الإدارة السياسية في البلدان المعنية في إنتاج حلول لقضايا طائفية وجهوية وقومية وتنموية عالقة، ونظراً أيضاً لكون العنف الإسرائيلي المنفلت مستمراً في جوار البلدان التي ذكرناها والاحتلال قائماً في سوريا، فإن عودة درجات من عنف الجماعات الأهلية ما زالت ممكنة، مثلها مثل احتمالات عنف الأفراد الانتحاري أو العدمي.

اليسار العربي

*أمام هذا الواقع المتردّي، ماذا بالنسبة للأيديولوجيات والتنظيمات الداعية إلى التغيير، وتحديداً “اليسار” العربي؟ هل ما زال لديه دور سياسي أم أنه مفلس تماماً، كما يقول البعض؟ وهل نحن أمام مأزق يمكن تجاوزه، أم أمام مسار تاريخي مغلق، بعيداً عن الشعارات، يعكس نهاية دور اليسار العربي بوصفه فاعلًا سياسياً مركزياً في المنطقة؟

**لا أظنّ أن أياً من قوى التغيير أو تنظيماته من كلّ الاتجاهات قادر راهناً على لعب أدوار رئيسية أو فاعلة خارج ما قد يُسمّى “الحدّ من الأضرار” والحفاظ على بعض الصلات الاجتماعية السياسية بانتظار تحوّلات كبرى وتراجع للعنف والتدمير، يُمكن من بعده للسياسة أن تُستعاد.

أما اليسار، الذي تعني شؤونه فئة ضيقة من الناس، ولو أنها غالباً فاعلة في هيئات ثقافية وحركات اجتماعية ومنابر إعلامية، فيمكن القول إن في أزمته ثلاثة مستويات.

مستوى أول نظري وسياسي مزمن، مفاده أن اليسار ظلّ أسير الخوف من الخروج على الشيوعية “الرسمية”، الممثّلة بأحزاب كان لها الفضل في فترة معينة في إطلاق أفكار ومشاريع وتحريض على القراءة والنقاش وإغناء الثقافة، أدباً وموسيقى، وتصوّر عوالم أفضل. لكن ولاءها لموسكو جعلها مع الوقت غير قادرة على اتّخاذ المواقف المستقلة، تماماً كما حدّ التسلّط داخلها وتأجيل البحث في الكثير من القضايا بحجّة عدم أولويّتها، بما فيها قضايا الحرّيات العامة والخاصة والقضايا النسوية والبيئية، من قدرتها على تجديد نفسها وخطابها. ثم قضى على مصداقية بعضها علاقته بأنظمة عربية قمعية سحقت مجتمعاتها متذرّعة بقضايا خارجية مختلفة.

وهذا يفترض بالمعنيين بإعادة بناء أي شكل من أشكال العمل اليساري، بعد كل التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المنطقة والعالم، أن يعلوا أولاً قيم الحرية والعدالة من جهة وأن يتقاطعوا في خطابهم وأنشطتهم مع القوى النسوية والبيئية والنقابية والطلابية من جهة ثانية. فمن دون ذلك، ومن دون المعركة الديمقراطية لضمان التنوّع والتعدّد ورفض كلّ أشكال الاستبداد، لا إمكانية أصلاً لأي عمل سياسي مستقلّ، يسارياً كان أو غير يساري.

المستوى الثاني هو تنظيمي ومالي، ولم يعد ممكناً فيه الإبقاء على نفس آليات العمل وأساليبها، ولا على مركزية القيادة وهرميّتها العامودية. فالأفقية شرط العمل الديموقراطي، والاستقلالية المالية شرط الاستقامة والمصداقية. وهذا يطرح مشكلة التمويل وشفافيّته وفاعلية حملاته، الصعبة في الظروف الراهنة.

أما المستوى الثالث، فهو يرتبط بالكفاح اليومي، أي بالإنخراط في النقابات المهنية والتجمّعات الطلابية والهيئات المطلبية ومراكز الأبحاث والعمل الصحافي وكلّ ما يربط السياسة بالتفاصيل التي تبدو صغيرة، في حين أنها عوالم الناس ومساحات تواصلهم الأساسية.

انحياز لإيران وعداء للإسلام السياسي

*في هذا الإطار، يلفت الانتباه تموضع قطاعات واسعة من اليسار في دول مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن، وتونس، إلى جانب ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة إيران وحلفائها، رغم الطابع السلطوي والقمعي لتلك الأنظمة عبر تاريخها. كيف تفسّر هذا الانحياز؟

**السؤال يحيل الى مسألة “الممانعة” أو ما يعرف بالموقف من الإمبريالية الأميركية وما رافقه من تبسيط، ويحيل أيضاً الى المسألة الإسرائيلية، كما يحيل الى قضية غياب الحريات والديمقراطية كقيمة في ذاتها بالنسبة لكثرة من تيارات اليسار. وكل هذا سمح للتذرع بالمؤامرات والاعتداءات الخارجية، وهي قائمة في الكثير من الأحيان، بتأييد أي طرف يواجهها جدياً أو يواجهها لأسباب ترتبط بإمبرياليته الإقليمية، مثل إيران، أو يزعم مواجهتها من دون فعل مكلف، مثل النظام السوري البائد، ليستخدم المواجهة أو الزعم بها غطاءً لسحق خصومه. وسيأخذ التحرّر من هذه المقاربات وقتاً لأن نظرية المؤامرة جذابة ولأن العدوانية الأميركية والإسرائيلية بلا حدود، ولأن الأنظمة “غير الممانعة” لا تقدّم أي بديل يجمع بين الاستقرار والاستقلالية والحرّيات، بل تكتفي بالالتصاق بواشنطن وتستخدم الاستقواء بها لإدامة سلطتها واكتساب حماية خارجية والتمنّع عن الإصلاحات أو عن التحوّل الديموقراطي.

على أن المشكلة ان بعض اليساريين أيضاً، أو من كانوا يساريين وظنوا أنهم في هجاء ماضيهم والاكتفاء بالتصرف بعكسه، إنما يبلغون مراتب الوعي وسن الرشد، لا يقلّون كاريكاتورية عن اليساريين الممانعين. فبعضهم تحوّل الى مدافع عن أعتى الأنظمة والقوى رجعية في المنطقة والعالم بحجة “العقلانية” و”الواقعية” ورفض الممانعة ومواقفها. وهذا في ذاته دليل على أزمة ثقافية وأخلاقية، وليس فقط سياسية.

*في المقابل، يبرز ما يمكن وصفه بـ«العداء الانتقائي» لدى اليسار تجاه الإسلام السياسي السنّي، مقابل قدر كبير من التساهل أو التغاضي عن الإسلام السياسي الشيعي، رغم اشتراك الطرفين في قضايا لطالما انتقدها اليسار نفسه، مثل الطائفية، التضييق على الحريات العامة والخاصة، والتشدد الديني تجاه تمظهرات النساء تحديداً. كيف تفسّر هذا التناقض؟

**ما تقوله صحيح في بعض الحالات وليس في كّلها. فهو إن صحّ في حالة التأييد أو الإعجاب عند بعض اليسار بحزب الله مثلاً، صحّ أيضاً في حالة التأييد والمناصرة في حالة حركة حماس، وفصلها عن التيار الذي تنتمي إليه، أي تيار الأخوان المسلمين الذي لا يلقى التأييد أو التعاطف إياه. وهذا يجعلنا من جديد أمام المسألة الإسرائيلية، ويؤكد أن الموضوع يرتبط بها. وهو إذ يجد مبرراته في التاريخ الحديث وفي المعطيات الميدانية، يُعمي عّما تسبّبه أطراف مثل حزب الله وحماس داخل المجتمعين المعنيّين، أي لبنان وفلسطين. والأرجح أن تأييد القوتين المذكورتين يزداد بازدياد البعد الجغرافي عن المنطقة، ويصل الى معدّلات عالية في تونس والجزائر والمغرب مثلاً، غير المتّصلة بسياسات إيران التوسّعية، ولا بالصراعات السياسية الداخلية، أي خارج إطار الصراع مع إسرائيل، التي يرتبط بها الحزب الشيعي اللبناني أو الحركة الإسلامية الفلسطينية.

احتجاجات داعمة لفلسطين في الغرب

*إذا ما انتقلنا الى الدول الغربية وعلاقتها بنا، أنت تقيم في باريس منذ عقدين، وشهدت، وربما شاركت، في موجة واسعة من الاحتجاجات المناصرة لفلسطين بعد بدء الإبادة في غزة. إلى أي مدى يمكن مقارنة الحراك الطلابي والشعبي في أوروبا والولايات المتحدة بحركات الستينيات المناهضة لحرب فيتنام، التي نجحت آنذاك في فرض تغييرات سياسية ملموسة؟ ولماذا يبدو الحراك الحالي أقل تأثيراً، وأكثر عرضة للاحتواء والقمع، بل وأقرب أحيانًا إلى طقوس احتجاجية أو «كرنفالات سياسية» بلا نتائج حقيقية؟ هل يعود ذلك إلى أزمة في أشكال التنظيم والحشد، أم إلى تحولات أعمق في الوعي السياسي الغربي ذاته، وفي علاقته بقضايا التحرر في العالم العربي؟ وهل يمكن – أو ينبغي – توجيه نقد صريح للحركات التضامنية الغربية لعجزها عن ممارسة ضغط فعلي على حكوماتها الداعمة لإسرائيل؟

**ليس هناك حركة تضامن واحدة أو موحّدة في الدول الغربية. هناك مجموعات طلابية جديدة وهناك نقابات وهيئات تضامن قديمة وجديدة، وهناك أفراد وجمعيات محلية ومنظمات حقوقية وهناك بالطبع أحزاب يسارية أو أجزاء من أحزاب، وهناك دور نشر ومراكز أبحاث ومهرجانات فنية، وأكاديميون ومثقفون يملكون تأثيراً على الأوساط المتعلّمة من الرأي العام، وهؤلاء جميعاً تتفاوت معارفهم وقدراتهم وأحجام حضورهم. ويمكن لمواقفهم من قضايا خارج المسألة الفلسطينية أن تتناقض أو أن تختلف، وبعضهم قد يشبه بعض اليسار العربي الذي تحدّثنا عنه في ازدواجيات معاييره.

والمقارنة مع حالة التعبئة الجامعية، في الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، وقت حرب فييتنام تجوز بكل تأكيد، ولو أن الظروف الدولية تغيّرت، وأسباب التعبئة تتباين إذ ينبغي ألا ننسى أن المتظاهرين أو المعتصمين وقتها كان بعضهم مستدعى شخصياً للمشاركة في حرب، لم تكن شأن حليفة واشنطن، كما هو حال إسرائيل اليوم في فلسطين ولبنان، بل شأن الولايات المتحدة نفسها المتدخّلة على بعد آلاف الأميال بفييتنام في خضمّ الصراع مع الاتحاد السوفياتي.

وأظن أن مستوى الوعي السياسي اليوم يختلف عن وقت فييتنام، تحديداً لدى الأكاديميين والطلاب والفاعلين في الحركات الاجتماعية، ممّن يربطون قضايا الاحتلال وانتهاك القانون الدولي بقضايا الاقتصاد والاستغلال وبمسائل العنصرية والعسكرة وإيذاء البيئة.

لكن الحراك أو الحيويات السياسية والمجتمعية الداعمة للحق الفلسطيني، بطيئة في تأثيرها على القرار السياسي، رغم أن الموقف من فلسطين صار أحد معايير الفرز في أكثر من بلد، لأن إسرائيل بالنسبة لكثرة من الأوروبيين، مثلاً، شأن شبه داخلي. فهي دولة أسّسها أوروبيون، وتمثّل في احتلالها وممارساتها ما يذكّر باحتلالات وممارسات أوروبية سابقة، إضافة الى كونها ولدت نتيجة وعود استعمارية أوروبية ونتيجة معاداة للسامية أوروبية بدورها أفضت الى المحرقة في الحرب العالمية الثانية وعقد الذنب التي تبعتها.

 الموضوع إذاً موضوع فرز، لكن التأثير على القرارات يتطلب مراكمة وتجديداً في النخب السياسية. بهذا المعنى، المسألة أشبه بما جرى من أجل دعم جنوب أفريقيا ومناهضة نظام التمييز العنصري، الذي كان بدوره منتجاً أوروبياً، إذ أن بناة “الأبارتايد” في جنوب أفريقيا كانوا مستعمرين أوروبيين أو من أصول أوروبية، وخاصة، هولندية وبريطانية.

ربما ينبغي أن نوضح هنا، أن بطء التأثير لا يعني انعدامه. فرغم القمع غير المسبوق للداعمين لفلسطين، في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا، وطبعاً في الولايات المتحدة، ورغم التعدّي الجسدي أحياناً على المتظاهرين وتهديد الجامعيين وابتزاز الصحافيين بما يهدّد الحريّات الأكاديمية والسياسية عامة، فإن شبكات التضامن مع فلسطين نجحت في دفع معظم الدول الأوروبية الى الاعتراف، ولو نظرياً، بدولة فلسطين. ونجحت كذلك، في جعل مقاطعة إسرائيل أو تجميد الاتفاقيات معها، شأناً تجري مناقشته دورياً في البرلمانات.

ونجحت أيضاً في جعل فلسطين حاضرة في جميع المحافل الفنية والثقافية والجامعية والرياضية. ونجحت في جعل النقاش حول القانون الدولي وجريمة الإبادة ودور المحاكم الدولية والوطنية في صلب التعامل مع إسرائيل. ولا يوجد مسؤول أوروبي واحد (باستثناء أوربان) التقى بنيامين نتنياهو منذ صدور مذكّرات التوقيف بحقّه بتهمة الجرائم ضد الإنسانية من قبل المحكمة الجنائية الدولية. وثمة عقوبات بدأت تطال مسؤولين إسرائيليين، ودعاوى على مزدوجي الجنسية في محاكم وطنية ممّن خدموا في الجيش الإسرائيلي أو اتُهموا بعرقلة دخول مساعدات الى غزة. هذا ناهيك عن المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية التي تملك مصداقية كبيرة، والتي تركّز في جميع تقاريرها على جرائم إسرائيل وتخلق المزيد من الوعي في ما خصّ الأخيرة وفظائعها.

من هنا، أعتقد أن الأمور تتغيّر بالفعل، لكن ترجمة ذلك الى نتائج سياسية وازنة ستأخذ وقتاً، والنقد الواجب توجيهه هو للحكومات الغربية والأحزاب المشاركة فيها (إذا ما استثنينا سلوفينيا وإسبانيا وإيرلندا) وليس الى حركات التضامن مع فلسطين.

*ربما النقد يوجّه إلى الاثنين. مرةً أُخرى، لنعود الى العالم العربي، وفي ظل واقع يبدو فيه الاستبداد أكثر استقراراً، والقمع أكثر شمولًا، ومع تراجع العمل السياسي المنظّم، وصعود أنماط الحياة الاستهلاكية، ومنها استهلاك السياسية ذاتها، وتآكل السرديات الكبرى التي كانت تمنح السياسة معناها الجماعي، هل ترى أي إمكانية فعلية لإعادة بناء مشروع عربي حداثي ديمقراطي قادر على التأثير في المجتمع والدولة؟

**أعتقد أننا دخلنا على هذا الصعيد أيضاً في مرحلة معقّدة يصعب فيها التفكير بأفق ديمقراطي أو بإصلاحات ديموقراطية، في المديين القصير والمتوسّط على الأقل. ذلك أن الديمقراطية كمشروع وكثقافة وممارسات تتعرّض لتراجع خطير في الكثير من الدول العريقة بها، من الولايات المتحدة الأميركية مع الظاهرة الترامبية، إلى بعض دول أوروبا التي يتقدّم فيها اليمين المتطرف ويهدّد الكثير من المكتسبات الاجتماعية، خاصة في ما يتعلّق بحقوق الإنسان وبالمسألة النسوية وشؤون الحريات الفردية. كما أن الطور الراهن من الاقتصادات العالمية طور تتخلّى فيه الدولة أكثر فأكثر عن مسؤولياتها الاجتماعية مقابل اكتساح الاستهلاك والأنماط الرأسمالية الجديدة العلاقات، مع اتساع فوارق غير مسبوق في التاريخ البشري في تراكم الثروات. وهناك بالطبع دول مثل الصين والهند وغيرهما، باتتا من أكبر الاقتصادات، بمعزل عن تركّز الثروات وعن الفوارق بينهما وبين الاقتصادات الغربية الكبرى لجهة حجم الاقتصاد مقارنة بعدد السكان.

ونحن في المنطقة العربية عموماً، نتأثّر بكل ذلك، بما يضيف عبئاً على أي مشروع تغيير تقدّمي، في ظل اقتصادات ريعية وشبه ريعية، وفي ظل عودة للحكم التسلطي في أكثر من بلد، وفي ظلّ العنف والتدمير والإبادة التي أشرنا إليها.

وإذا كان اليسار ضعيفاً، والإسلام السياسي بتياراته المختلفة مأزوماً بعد تجاربه الفاشلة في الحكم ونتيجة القمع الذي تعرّض له أو العنف الذي انخرط به، فإن التيار الليبرالي، بالمعنى العام للكلمة، فقد في السنوات الأخيرة الكثير من بريقه أو من وعود الإصلاح التي بدا أنه يحملها، إذ تحوّل في أغلب الأحيان الى ناقد لعددٍ محدود من الأنظمة، مستثنياً دول الخليج منها، قليل الاكتراث بالشأن الفلسطيني رغم أنه أحد أسباب العنف الفائض في المشرق العربي، قليل الاكتراث أيضاً بالقانون الدولي رغم أنه من أسس الفلسفة الليبرالية في العلاقات الدولية. وباتت مواقفه السياسية في مواضيع الهوية والدين أقرب الى مواقف اليمين المتطرّف في أوروبا، إذ يصوّب نقده على أعداء هذا اليمين في المجتمعات الأوروبية، بسبب مواقفهم من القضية الفلسطينية مثلاً أو من قضايا الهيمنة الأميركية والرأسمالية، وغير ذلك.

يمكن القول إذن، إن أبرز ما يجدر القيام به اليوم، هو المحافظة على ما بُني في السنوات التالية للثورات العربية من شبكات تضامن وتحالف ومواقع صحافة مستقلة وأطر تنسيق حول قضايا الحريات والنسوية وشؤون البيئة، والعمل من ضمنها ومن ضمن جميع الأطر المتاحة للتأثير في الرأي العام، والتنسيق عالمياً مع المنظمات الحقوقية، في انتظار تبدّلات قد تأتي بعد نهاية عهد ترامب فيكون لها أثر سلبي على حلفائه حول العالم، أو بعد تراجع العنف المسلّط على مجتمعات بأكملها وفق توازنات قوى جديدة. من دون ذلك، يصعب توقّع تطوّرات “سحرية” تبدّل من أحوالنا.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى