محاولة وأد حركة التحرير فتح في مؤتمرها

  لميس أندوني

أعي أنّ كثيرين فقدوا الثقة بأنّ هناك أي أثر يذكر لما تبقّى من حركة فتح، باعتبارها حركة تحرّر وطني، وهذا متوقّع نتيجة رئاستها سلطة تحت الاحتلال الإسرائيلي، سلطة هزيلة وخَنوعة ومخرومة بالفساد. هذا لا يعني بالطبع أنّ الأنظمة العربية أفضل منها، لكن أن تكون حركة تحرّر وطني في موقع احتكار سلطة محكومة بشروط الاحتلال، أي قبل التحرّر والاستقلال، فهذا كفيلٌ بأن ينهي الحركة، ولا يجعلها أكثر من مجموعة متنفّذة، الاستمرار في السلطة أولويةٌ بالنسبة إليها، فيما تستمرّ حرب الإبادة الصهيونية للشعب الفلسطيني وهُويّته منذ النكبة.
واقع الحركة موجع، لكني أرى نفسي مجبرةً على الكتابة وفاءً للشهداء والأسرى، ولكل من ضحّى من أجل بناء حركة فتح، التي فجّرت النضال الفلسطيني بعد النكبة، إلّا أنّ مشهد المؤتمر الثامن في رام الله بدا وكأنّه جنازة أو مشهد كاريكاتيري ساخر، مع احترامي لمناضلين حقيقيين اختاروا أن يحضروا هناك أملاً في التغيير، ومناضلين اختاروا مقاطعة المؤتمر احتجاجاً على الإقصاء والتهميش، وأخصّ بالذكر من تُعدّهم السلطة في رام الله من المقرّبين من القائد الأسير مروان البرغوثي.

لم يتعامل عرفات مع “حماس” منافساً على السلطة، بل شريكاً مقاوماً في مواجهة الاحتلال

لن أطيل في مناقشة الخلافات، بعضها صراع على السلطة والمناصب، وبعضها، وهذا ما يهمّ هنا، خلافات وصراع لإنقاذ “فتح” بوصفها حركة تحرّر وطني، وإن كان المؤتمر لم يقترب حتّى مسافة ألف ميل من الموضوع، فمن فضيحة ما بدا أنّه محاولة لتوريث نجل الرئيس، وتشبيهه بالقائد التاريخي ياسر عرفات، في مهزلة مشينة (لم ينخرط ياسر عبّاس أصلاً في الحركة بمفهومها النضالي)، وهندسة الانتخابات الحركية لتأمين أغلبية لقيادة الحركة المتنفّذة. أمّا نقاش برنامج وطني تحرّري أو حتّى وطني لمواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية وابتلاع غزة، فهو ليس في الجدول أو في البال.
ولا تُختزل المشكلة بالفشل بفصل الحركة (بمفهومها النضالي) عن السلطة المقيَّدة بشروط إسرائيلية، وهي مشكلة حقيقية، بل المشكلة الأكثر أهمّيةً أنّ السلطة الفلسطينية باتت لا تعترف بضرورة وجود حركة تحرّر وطني. وبصراحة، أغلب أطراف “فتح” انخرطت في صراع على السلطة بدل الانشغال في إعادة بناء حركة ذات جذور شعبية، خصوصاً أنّ الانتخابات البلدية أظهرت إقبالاً شبابياً على الانخراط، وإن كان قد يكون نتيجة إغراءات.
كان الأجدى إعطاء الأولوية للعمل الدؤوب ونشر الوعي التحرّري والتعبئة، كما في البدايات، وإنْ لا يحقّ لنا المزاودة على المناضلين في الميدان، لكنه السبيل الوحيد لإنقاذ الحركة. وأودّ التوضيح أنّ عودة إلى البدايات قد تُنتِج حركةً تحرّريةً جديدةً، فليست القصّة مسألة تعصّب لحركة فتح، وإنّما نتحدّث عن “فتح” بوصفها العمود الفقري لمنظّمة التحرير الفلسطينية. فكيف يمكن إعادة بناء المنظّمة من دون ركيزتها الأساسية! أي “فتح”، فبالرغم من إضعاف الدور التحرّري تنظيماً، نرى أن “فتح” موجودة، فلا يمكن تبديد ما هو موجود من طاقات نضالية فتحاوية، وهذا ما يحدث. يكاد ينسينا غضب الناس من السلطة أنّ نحو نصف الأسرى في الضفة الغربية هم من حركة فتح، ونصف أعضاء مؤتمر فتح هم من الأسرى، وهذا مؤلم.
عودة إلى تحليل انحدار حركة فتح، لا تتلخّص القصّة أيضاً في تحوّل الثورة إلى سلطة، فهذا يحدث عادة بعد التحرير والاستقلال، ونحن نعرف أنّ حركات تحرّر كثيرة لم تنجح تماماً بوصفها سلطات وطنية، بل مارست الاستبداد وغرقت في الفساد، إذ فشلت في تعزيز نظم ديمقراطية وعدالة اجتماعية. لكنّ الوضع الفلسطيني مختلف؛ فالسلطة أقيمت في ظروف مشوّهة تحت الاحتلال على أساس أنّها مرحلة انتقالية عملت إسرائيل وتعمل على أن تجعلها دائمة، فهي لم تتخلّ عن مشروعها الاستيطاني العنصري الإحلالي. وعليه، لم يضرّ تعامل قيادة حركة فتح بوصفها سلطةً مهيمنةً بروح الحركة فحسب، وإنّما بالقضية الفلسطينية أيضاً.
وأختلف مع من يقول إنّ “فتح” والحركة الوطنية الفلسطينية انتهت تماماً يوم توقيع اتفاق أوسلو (1993). نعم، أبقى الاتفاق على سيطرة الاحتلال، وأخلّ بالنضال الوطني الفلسطيني، لكنّ الانتفاضة الثانية (2000) أثبتت أنّ الحركة وكلّ التنظيمات المقاومة الفلسطينية كانت حيّةً، بل أكثر ما شهدناه خلال الانتفاضة الثانية أهمّيةً هو التنسيق بين حركتي فتح وحماس والفصائل الأخرى. فلم يتعامل ياسر عرفات مع “حماس” في تلك اللحظة منافساً على السلطة، بل شريكاً مقاوماً في مواجهة الاحتلال، ولم يتكرّر هذا بعد رحيله، بل سعت كلٌّ من “فتح” و”حماس” إلى تصعيد الصراع والمنافسة على السلطة. “حماس” أيضاً ملومة وتتحمل مسؤولية كبيرة، لكن الفرق أنّ الرئيس محمود عبّاس، الذي خلَف عرفات في قيادة “فتح”، تعامل مع “حماس” منافساً، وعاش في وهم أنّه إذا أثبت “حسن السلوك” فستكون هناك دولة فلسطينية. وهنا لا أبرّر انقلاب “حماس” على السلطة في غزّة في عام 2007، فقد كان تجلّياً للصراع على السلطة، من دون إغفال ما فعلته جهات فتحاوية ضدّ “حماس”، لكن التنافس على السلطة أصبح سيّد الموقف، وقد فشلت اتفاقيات المصالحة كلها التي لن أخوض فيها هنا.

انشغال قيادة “فتح” بالتنافس مع “حماس”، بدلاً من إعادة بناء فتح ومنظّمة التحرير، أضعف “فتح” نفسها، لأنّ الهدف أصبح البقاء في السلطة

وساهم انشغال قيادة “فتح” بالتنافس مع “حماس” بدلاً من إعادة بناء فتح ومنظّمة التحرير، في إضعاف “فتح” نفسها، لأنّ الهدف أصبح البقاء في السلطة. وجاءت حرب الإبادة ضدّ غزّة لتمنح فرصة لتحرّك فتحاوي يعلو فوق الصراع على السلطة، لكنّ قيادة السلطة، الفتحاوية المظهر، اختارت “التمايز” من حركة حماس “الإرهابية”، والمقصود بـ”الإرهاب” هنا الهجمة على إسرائيل، لا أيّ ممارسات لحركة حماس في غزّة، وللكاتبة رأيٌ نقديٌّ فيها ليس مكانه هنا… المهمّ أنّنا وصلنا إلى حالة عجيبة جسّدها مؤتمر فتح؛ فالقيادة تتصرّف وكأنّها تؤكّد انتصارها على “حماس”، وأنّها ترتّب وضعها، فيما تتمدّد إسرائيل، وتقضم مساحات إدارة السلطة، ومن سلطاتها وقدراتها، وهذا الشعور بالتمكّن الفتحاوي الزائف استدعى شعور الحركة بالتفرّد وإقصاء المنافسين داخل حركة فتح. مشهد محزن، وإنْ أصبح المشهد الفتحاوي لكثيرين موضع استهزاء. لكنّ الضحك والاستهزاء يهملان حقيقة أنّه لم تظهر حركة جديدة بإمكانها قيادة حركة التحرّر الوطني.
أعترف أنّ لي موقفاً يجعلني لا أؤمن بحركة حماس ممثّلاً جامعاً للحركة الوطنية الفلسطينية، وهذا ليس إنكاراً لأنّها حركة مقاومة صلبة وشجاعة، لكنّ “حماس” وحدها لا تستطيع قيادة الشعب الفلسطيني بأيديولوجيتها الدينية، وإن كانت جزءاً من حركة التحرّر الفلسطينية.
ربما جدّد المؤتمر لمؤسّسة حركة فتح، لكنّه لم ينقذها بوصفها حركةً وطنيةً، فقادتها في السلطة لا يفكّرون إلا في السلطة، وفي توظيف الحركة لاستمرارهم فيها. ولم يكن التغيير متوقّعاً من المؤتمر، لكن الإيغال في تجاهل الحركة (وتهميشها) هو محاولة لوأدها حركةَ تحرّرٍ، فيما نحن نواجه حملةَ استشراسٍ صهيوني، هو الذي سيفرز نواة حركة جديدة من داخل “فتح” وخارجها. لكنّنا في هذه اللحظة نشهد فصلاً حزيناً في تاريخ الحركة نفسها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى