
مِمَّ يخاف المناهضون لتطبيع الدولة المغربية مع الدولة الصهيونية؟ سؤال يبدو غريباً في علاقته بما يثار اليوم حول “مقترح قانون يمنح الجنسية للأجنبي المتزوّج من مغربية” الذي، في ما يبدو، أثار مخاوف نشطاء عاملين في الحقول المدنية، وهبّوا، لأسباب قومية مع ما فيها من تصوّرات دينية، لحشد فئات اجتماعية من معارضي التطبيع، ومن دوافعهم على الأرجح التذكير بالخطر الصهيوني الذي يتهدّد البلاد، علماً أنّ تاريخ التطبيع المغربي قديم ومصالحه متبادلة منذ ما قبل بداية السبعينيّات من القرن الماضي.
مرجّح أنّ مشروع القانون هذا قد يكون أثار حفيظة فئات من الشعب بفضل الإعلام المكثّف الرائج في الشبكات الاجتماعية، وفي مختلف المواقع ذات التوجّه الإسلاموي في شبكة الإنترنت، وأساساً بالصيغة التأويلية الرائجة على لسان دعاة مؤثّرين. أضف إلى هذا أنّ الذين أثاروا الموضوع، بعد أن علموا بقرب التصويت على القانون المذكور، هم أعضاء – أنصار هذه الحركة نفسها، ولم يشذّ إلّا حزب العدالة والتنمية الذي جعل تيّاره المُنفلت في صفّ الأغلبية الحكومية المُتعبَة، فدعم فرقها في البرلمان من موقع المعارضة، وفي الأفق المنظور انتخابات تشريعية موعدها المُعلَن في سبتمبر/ أيلول المقبل.
لا يخفى أنّ أحد كبراء “العدالة والتنمية” هو من “أُجبر” رئيساً للحكومة المغربية، ويا له من مكر تاريخي!
هناك سياق مؤكّد، ولا جدال إلّا في الدوافع والمناسبة التي هي شرط. وعليه، يمكن القول إنّ هناك سياقاً سياسياً يدعو مناهضي التطبيع لا إلى عرض وجهة نظرهم من مشروع القانون، بحكم أنّه يشمل أيضاً بحسب التأويل وليس النصّ، فئات من اليهود المنعوتين بـ”المغاربة” بعد هجرتهم إلى الدولة الصهيونية، بل لأنّ النظام الحاكم يتهيأ من أجل تعميق التطبيع إيّاه للقيام بخطوة ملموسة على صعيد الترسانة القانونية التي تعزّز سلطاته التحكّمية المختلفة، وهي الرامية، في ما يبدو، إلى إضفاء ما يمكن تسميتها الشرعية السيادية على فئات لا يملّ حاخاماتهم من نعتهم بـ”رعاياهم الأوفياء”، أولئك الذين اضطرّتهم ظروفهم، في ما يقول أغلبهم كاذبين، إلى الإقامة بعيداً عن “الوطن الأصلي” الذي له عليهم “واجب” الاعتراف بالانتماء، ولهم، من الناحية التاريخية، رغبة في الولاء له كما يدّعون.
وعن الدوافع، لا يخفى أنّ أحد كبراء “العدالة والتنمية” هو من “أُجبر” رئيساً للحكومة المغربية، ويا له من مكر تاريخي غريب، على التوقيع باسم المملكة على اتفاقية أبراهام (2020) التي أوجبت التطبيع مع الدولة الصهيونية لقاء بضع مصالح، لعلّ من أهمّها، في أفق تنظيم التعاون ومأسسته في مجالات كثيرة، “تعزيز الاعتراف بمغربية الصحراء”، و”التعاون المباشر في المجالات الأمنية والدفاعية”، إلى جانب “خطّة العمل العسكرية المشتركة لعام 2026” التي توَّجت الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة. فقامت في وجه هذا حركة معارضة، ألّفها نشطاء أصحاب ميول سياسية مختلفة، فلاقت في الشارع المغربي، منذ البدايات الأولى للمجابهة مع السلطة، تجاوباً نسبياً تمثّل بالتظاهرات والمسيرات الاحتجاجية التي لم تنقطع عن الصراخ والإدانة، مطالبة بإسقاط التطبيع وفضح المطبّعين في أكثر من مجال اقتصادي وسياسي يتغنّى بالتفاهم والتعاون والمصالح المشتركة.
ربّما كان الشعار الذي استقطب حركة المعارضة السياسية، بمجمل مكوّناتها، هو الذي صدح في الشارع العام بإسقاط التطبيع، غير أنّ هذا الشعار التبس بصورة واضحة بموقف الدفاع عن التوجّه الإسلاموي المطلق الذي قاومت به “حماس”، ومن ساندها، “الطاغوت” الصهيوني الرامي إلى القضاء المبرم على الشعب الفلسطيني. ويعني لي هذا أنّ مقاومة التطبيع، التي يمكن عدّها من الناحيتَين، السياسية والعملية (النضالية) مقاومةً أساسيةً، مهما كانت محدودةً أو شكليةً، لاتفاق معقود مع أميركا وإسرائيل بالتبعية، وأنّها، في الوقت نفسه، مقاومة للدفاع عن الفكرة القومية الفلسطينية و”الوطنية” المغربية معاً، أي ضدّ دولة عدوانية انغرست في قلب العالم العربي، وسحقت بالنار والحديد مختلف المقاومات التي جابهتها، ولعلّها تعمل حالياً على تطبيع طغيانها العدواني والعنصري في المحيط العربي، فيكون هذا أقوم لترسيخ وجودها النهائي (لم يقل إيدي كوهين عبثاً: إن “إسرائيل” هي الحلّ لرئاسة جامعة الدول العربية).
أمّا المعارضة السياسية التي تقودها فئات إسلاموية ويسارية ومدنية متوثّبة، وهي أقلّية نشطة مع ذلك، فإنّ توجّهها النضالي للربط بين القضية المحلّية – الوطنية والقضية القومية (حماس – فلسطين)، لم يكن مناسباً من حيث الاختيار، بل خانه التوفيق في الربط الممكن بين معارضة النظام في تطبيعه مع إسرائيل ومناصرة “حماس” في مقاومتها الاحتلال والتصفية. ثغرة الدفرسوار (1973) الجوهرية التي انفتحت في صميم هذا الربط تسمّى “قضية الصحراء”، التي هي بالنسبة إلى النظام الحاكم من أبعاد اتفاق أبراهام، ودبلوماسية سياسية لحشد الأنصار والداعمين والمستعدّين عملياً لمناصرة المغرب في مواقفه وسياساته الدفاعية. والنتيجة أنّ التطبيع تقوّى وزاد (توقيع خطّة عمل عسكرية مشتركة لعام 2026). انهزمت “حماس” أمام التقتيل الصهيوني المجنون (أعلنت وزارة الصحّة في غزّة مقتل ما لا يقلّ عن 58 ألفاً و 26 فلسطينياً)، وخمد الكفاح في سبيل القضايا العادلة التي تحتاج استراتيجيات نضالية مدروسة لا يمكن، في اعتقادي، أن يكون الشعار الديني ضميرها السياسي الذي يشحن الإرادات المُقاومة، ولا التأويل الإسلاموي، لأهدافها الخاصّة والعامّة، أسلوباً موضوعياً لإدراك مختلف الحقائق السياسية وغير السياسية المتعلّقة بموضوع النضال وقضيته، وبصورة خاصّة في ظروف مطبوعة بالتدهور الحثيث الحَثْحَاث الذي يغزو الحياة العامّة في مختلف مناطق الوطن العربي، ويؤثّر في عامّة المواجهات التي تواجه التطوّرات التكنولوجية، وغير التكنولوجية، الغازية وما تحدثه من أوضاع، أو تتسبّب فيه من تغيير سريع ومتسارع في الأنسجة الاجتماعية والسياسية والفكرية والذهنية وسواها.
عندما أتكلّم عن المناسبة المذكورة أعلاه، وبعد السياق والدوافع، أريد القول إنّ ثلاثة أمور تكشف الموقف المعارض الذي تبنّته بعض الفرق البرلمانية، وامتدّ أثره الدعائي، أو الإعلامي، إلى المجال العامّ الذي تتناسل فيه الأخبار والتأويلات من دون قيد أو حدّ. في الأمر الأول، يبدو واضحاً أنّ فرقاً برلمانيةً حكوميةً تقدّمت بمقترحات لتعديل قانون الجنسية المغربي (قانون 02.03) “لتمكين الزوج الأجنبي المتزوّج من مغربية من اكتساب الجنسية المغربية بعد إقامة اعتيادية ومنتظمة، على غرار المرأة الأجنبية المتزوّجة من مغربي”. والمبرّر الرسمي المعروف لذلك “تحقيق المساواة ورفع الصعوبات الإدارية عن الأُسر المختلَطة”. ويتعلّق الأمر الثاني بقانون الجنسية نفسه، لأنّ فيه القول الفصل إنّ “الزوج الأجنبي يتمتّع بالجنسية المغربية تلقائياً بمجرّد زواجه من مواطنة مغربية”، بمقتضى تعديل المادة الـ10 لإقرار “المساواة بين الزوجين” من “مشروع قانون 019.13”.
اختلطت مقاومة التطبيع بوقف إسلاموي يريد تجريد اليهود من انتماءٍ لم يعد قائماً لهم بكونهم جنوداً في جيش الاحتلال
أمّا الأمر الثالث، وإليه تستند ملاحظاتي، فقد صدر عن المعارضة السياسية، فجاء تأويله نابعاً من ظرفية سياسية لعلّ العنصر المباشر والمؤثّر فيها تطبيع الدولة المغربية مع الكيان الصهيوني، وما يثيره هذا من مخاوف قومية ووطنية ترتبط بالأطماع، التي يمكن استنتاجها من تحليل المعارضين لأهداف الحركة الصهيونية، وهي كثيرة يصفها الإسلاميون والقوميون والوطنيون بفيضٍ من الأوصاف المشكّكة في النيّات، ويعزّزونها بما لا يُحصى من الأقوال الواعية بالأخطار. فأن يكون مشروع تعديل القانون المتعلّق بالجنسية سياقاً لموقف كلّ معارضة، فهذا من صميم العمل البرلماني، أمّا أن يصبح مناسبةً سياسيةً للحملة الانتخابية قبل موعدها الرسمي للمطالبة المبدئية، بـ”إسقاط الجنسية عن مغاربة المستوطنات”، فهو ما يتعارض مع قانون الجنسية نفسه، ومع القوانين الناظمة للحياة السياسية بصرف النظر عن عدالتها أو ظلمها.
السؤال الذي يرد على البال، وأصوغه هنا باستفهام مقلق: من هم “مغاربة المستوطنات” في نظر المعارضة؟ ويتبع هذا: هل لإسقاط الجنسية عن “مغاربة المستوطنات” (لا نعرف لهم أصلاً) أيّ أثر في (أو علاقة مع) مقاومة التطبيع بوصفه مهمّةً مركزيةً من المفروض أن تستقطب وعي مختلف الديمقراطيين، معارضين وغير معارضين، لمجابهة الخطر الإمبريالي الصهيوني المحدق بنا؟ أمّا العلم الذي يُفشل كلّ محاولة مُعارِضة “لتديين” الصراع، فقد قرّره قانون الجنسية المغربي نفسه، عندما أكّد أنّ “المغربي” يمكن أن يكون “مزدوج الجنسية”، ولا يفقد جنسيته المغربية بذلك مطلقاً إلّا إذا أسْقِطَت عنه بقرار. ومطالبة المعارضة، بناءً على هذا، لا معنى لها. وظنّي أنّ المعضلة الأساسية التي تواجهها هذه المعارضة أنّ مقاومتها للتطبيع اختلطت، بسبب التأويل الديني، وهو مبرِّر إيديولوجي، وطبيعة الظرفية الانتخابية، وهو سلوك سياسي استباقي، بالموقف الإسلاموي الرامي إلى تجريد اليهود المسمَّون مغاربةً من انتماءٍ لم يعد قائماً لهم بحكم وجودهم مجنَّدين في جيش الاحتلال، مرابطين فوق أرض المستعمرات، تحت حكم الدولة الصهيونية الغاصبة.
المصدر: العربي الجديد






