
كشفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حجم الانكشاف الأمني العربي، وقدرة الخارج على التحكّم بمفاتيح الاستقرار في العالم العربي، ليس فقط من خلال استهداف مراكزه الحضرية ومنشآته الحيوية، بل أيضاً إمكانية خنقه لوجستياً، عبر التحكّم بمساراته التجارية وخطوط إمداداته، فضلاً عن التهديد بتمزيق الأنسجة الوطنية عبر التلويح بتقسيم الكيانات القائمة إلى كانتونات عرقية وطائفية. وهنا يطرح السؤال المهم نفسه: كيف تستقيم للعرب هذه المنظومة المتكاملة من الأعطاب ويهنأ لهم العيش، بل ويدّعون أنهم يحقّقون خروقاً حضارية ويراكمون إنجازات هائلة ولا يفصل بينهم وبين المجد الأبدي سوى أمتار قليلة سيتجاوزونها حتماً في سعيهم الحثيث إلى بلوغ المراتب الكبرى في السباق الحضاري؟
المطلوب من العرب إدارة التهديدات، وتطوير التفاعلات الأمنية المشتركة حولها، والخروج من منطق الحسابات الضيّقة
يحتّم الخطر الداهم في المنطقة البحث عن مخارج حقيقية لأزمة وجد العرب أنفسهم فيها عنوة، فتحوّلوا إلى ورقة ضغط بيد فاعلين خارجيين، من دون أن تفيدهم أو تشفع لهم حراكاتهم الدبلوماسية، ونشاطهم السياسي في الجبهات كلّها، ومع مختلف الأطراف، مثلما لم تنفعهم الاتفاقات الأمنية التي انخرطوا فيها مع الولايات المتحدة، ولا التفاهمات الدبلوماسية مع إيران، ولا اتفاقات السلام مع إسرائيل، إذ تبيّن أن ذلك كلّه يصبح لزوم ما لا يلزم حين تُكشِّر المشاريع الجيوسياسية عن أنيابها، وحين تسعى الدول إلى تحقيق طموحات قادتها المتشكّلة من فوائض ما لدى دولهم من قوة مقارنة بالجوار العربي الضعيف، وما تمليه عليهم أيديولوجياتهم العميقة.
الأمر الذي يستحقّ التوقف عنده عربياً أن هذه الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة، هدفها الأساس حماية أمن إسرائيل، ولم تأخذ بالحسبان المخاطر التي ستترتّب عنها في المجال العربي، مع معرفة صانع القرار الأميركي المسبقة بحدود (وطبيعة) الردّ الإيراني المحتمل الذي طاول دول المنطقة بالدرجة الأولى. وعلى الرغم من ذلك، لم تضع واشنطن أي اعتبار للتحذيرات الخليجية من مخاطر شنّ الحرب على إيران، ولا جهّزت بنية أمنية صلبة تحمي هذه الدول من مخاطر هذه الحرب. على الأقلّ، كان من الممكن للولايات المتحدة أن تشكّل آليات لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة دول الخليج، والمعبر الأهم الذي تمرّ منه السفن المحمّلة بالغذاء والاحتياجات الأساسية لتلك الدول.
ما يجب التنبّه إليه الآن طبيعة المخرجات التي ستنتهي إليها الحرب، إن كان عبر إخضاع إيران وهزيمتها نهائياً، وهو أمر لا يبدو ممكناً على اعتبار أن الأنظمة التي تشبه النظام الإيراني لا تُقرّ بالهزيمة، طالما لم يسقط النظام الحاكم فيها، أو عبر المفاوضات والترتيبات التي يمكن التوصّل إليها مع النظام الإيراني، سواء في ما يخصّ مشروعه النووي وبرنامجه الصاروخي، أو علاقاته الخارجية وتوجّهاته السياسية.
في الحالتَين، سيتركّز الهدف الأساس حول ما يسمّيه قادة إسرائيل، ومعهم كثيرون في الإدارة الأميركية، تشكيل شرق أوسط جديد، وترتيب البيئة الاستراتيجية للمنطقة فتصبح آمنة لإسرائيل، وتخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية إلى أمد بعيد جدّاً. ولتحقيق هذا الأمر، يجب طي القضية الفلسطينية نهائياً وإلى الأبد، ومنح إسرائيل حقّ ضمّ الضفة الغربية، والتحكّم بالشكل الذي ستكون عليه غزّة مستقبلاً، وحصول إسرائيل على مساحات أمان واسعة في سورية ولبنان، وربّما إعادة النظر في أجزاء من اتفاقات السلام مع الأردن ومصر أو تعديلها، والحصول على حقّ في المشاركة ضمن ترتيبات مياه الخليج العربي والبحر الأحمر ومضايقهما. هذا ما يعنيه ترتيب البيئة الاستراتيجية، ورسم المعادلات الجديدة في المنطقة وتوازنات القوى بين الأطراف.
يدفع العرب فاتورة حرب الآخرين، ويستدعي المنطق أن يكونوا طرفاً فاعلاً في ترتيبات ما بعدها
لقد دفع العرب فاتورة حرب الآخرين التي فُرضت عليهم، ويستدعي المنطق أن يكونوا طرفاً فاعلاً في الترتيبات التي ستتبع الحرب، لكن الأدوار لا تُحصّل من الآخرين تكرّماً، بل تُفرَض عبر أوراق تفاوض قوية، في مواجهة أطراف تدّعي الحقّ في تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالحها، بالنظر إلى ما تعتقد أنها أنجزته وأنتج تغيّرات عميقة في بنى المنطقة وموازين القوى فيها، والمقصود هنا إسرائيل والولايات المتحدة. وأهم أوراق القوة التي على الأطراف العربية امتلاكها، اليوم وليس غداً، إيجاد ترتيب أمني إقليمي فعّال، أو إطار أمني عربي يتعامل مع تهديدات الأمن لدول المنطقة، بآليات عمل واضحة. وهذا يستدعي من الدول العربية الاتفاق على تصوّرات مشتركة حول طبيعة التهديدات التي يتعرّض لها أمنها، ووضع قائمة موحّدة بالمخاطر التي تمسّ أمنها الجماعي، واعتبار ما يُهدّد دولة عربية ما تهديداً للجماعة العربية كلّها.
ولعلّ ما يسهّل هذه المهمة أن مصادر التهديد لم تعد تتبع أساليب المواربة، بل باتت واضحة وصريحة، وتتمثّل بأطماع دول الجوار الإقليمي بدرجة أساسية بقضم المصالح العربية، والسيطرة على المجال العربي لتحقيق مصالحها، وتحوّلها إلى قوى مؤثّرة إقليمياً ودولياً، ولكن على حساب العرب. والمطلوب اليوم من العرب إدارة هذه التهديدات، وتطوير التفاعلات الأمنية المشتركة حولها، والخروج من منطق الحسابات الضيّقة وتجاوز الخلافات والتناقضات الثانوية.
والحال أن العرب لديهم القدرة (والفرصة) على تحويل المخاطر التي يتعرّض لها أمنهم راهناً إلى مكاسب، من خلال توحيد رؤاهم وتصوّراتهم الأمنية، وبناء منظومة عمل يستطيعون من خلالها فرض احترام مصالحهم، والخروج من وضعية أوراق لعب إلى أطراف محدِّدة لقواعد اللعبة في الإقليم، وما ينقصهم فقط هو الإرادة والجرأة.
المصدر: العربي الجديد






