
نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تحقيق ما عجز غيره من القادة الصهاينة عن تحقيقه: إدخال أميركا إلى جانب بلاده في حربين ضد إيران في أقل من عام؛ إيران التي يزعم منذ الثمانينيات أنها التهديد الوجودي والاستراتيجي الأكبر للكيان الصهيوني، مع ترويج كاذب لمزاعم اقترابها من إنتاج السلاح النووي. ومع دخول الحرب الثانية أسبوعها الثالث، اتضح أن واشنطن تتخبط في تحديد أسباب دخولها الحرب، وأهدافها، وسقفها الزمني، ونطاقها الجغرافي، ومجرى أحداثها، بينما تمضي إسرائيل في معركة مصمّمة بإحكام لأن تكون ثاني معارك حرب تُعرّفها عقيدتها العسكرية باسم “جز العشب” Mowing the Grass.
يجري الحديث كثيراً عن استراتيجية “قصّ العشب” الإسرائيلية في سياق الحرب على إيران، ويشبّه هذا التعبير المجازي إيران بمرج شرعت تل أبيب في قصّ عشبه بحرب استنزاف دورية وشاملة، تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني وقدراته، عبر اغتيال قادته وعلمائه، وتدمير موارده وبنيته التحتيّة العسكريّة والمدنية، لمنعه من التعافي سريعاً، وتطوير مصادر قوته، ثم العودة إلى مهاجمته لاحقاً مع بروز أولى بوادر تعافيه. ويعود التنظير للمفهوم إلى الباحثين الإسرائيليين إفرايم إنبار وإيتان شامير اللذين وصفا في مقال نشر لهما عام 2014 إدارة إسرائيل الصراعات غير المتكافئة طويلة الأمد باستراتيجية “جز العشب”، مشبهين قدرات العدو السياسية والعسكرية بالعشب الذي ينمو حتماً من جديد، ويستوجب قصّه كلما نما، بصورة دورية ومستمرة.
اقترنت هذه العقيدة بحروب العدوان المتكرّرة التي شنتها إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية تحديداً، خصوصاً التي استهدفت حركة حماس في غزّة في حملات عسكرية قصيرة ومكثفة، كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الضربات الجوية، والاغتيالات السياسية، وتدمير مخازن الأسلحة والبنية التحتية للمقاومة. وكان الغرض من الاستراتيجية، بحسب منظّري العقيدة، تقليص قدرة “حماس” على إطلاق الصواريخ، أو بناء الأنفاق، أو تصعيد الهجمات، تليها فترات مؤقتة من الهدوء النسبي. وتستند الاستراتيجية أيضاً إلى ما تُعرف بـ “عقيدة الضاحية” The Dahiya Doctrine، التي طوّرتها إسرائيل بعد حرب لبنان عام 2006، إذ شهدت خلالها البنى المدنية في الضاحية الجنوبية لبيروت تدميراً هائلاً، وأقرّ الجيش الإسرائيلي حينها بأن استخدامه قوة مفرطة وغير متناسبة جزء من استراتيجية الردع الإسرائيلية.
لم تكتف إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية مرتبطة بالمشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة فحسب، بل تضرب قادة النظام الإيراني ومؤسّساته السياسية والعسكرية والأمنية
بعد تطبيقها عقيدة “جز العشب” في غزّة سنوات ثم في لبنان، نقلتها إسرائيل إلى سورية، حيث دأبت على قصف أسلحتها وبنيتها التحتية العسكرية قبل سقوط نظام بشار الأسد، ثم كثفت تدميرها بعد انهياره، لضمان أن أي حكومة مستقبلية لن تمتلك الوسائل التي تمكّنها من الدفاع عن البلاد، ناهيك عن تشكيل خطر على أمن إسرائيل ومقاومتها. وفي سعيها إلى السطو على الأراضي الفلسطينية وفرض هيمنتها المطلقة على المنطقة تعمل إسرائيل على إخضاع دول محيطها الإقليمي العربي والإسلامي، بما في ذلك إيران، عبر تجريدها من قدرتها على الدفاع عن أوطانها.
في هذا السياق، وظّف نتنياهو الظروف التي نتجت عن عملية طوفان الأقصى لإضعاف إيران من خلال ضرب شبكة وكلائها الإقليميين، قبل أن يدشّن ضدها في الصيف الماضي أول معركة في حرب مباشرة ما كان ليخوضها لولا الدعم الأميركي الاستخباراتي والعسكري والدبلوماسي غير المسبوق الذي حصل عليه خلال العهدة الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفق هذه الرؤية، يعتبر كثيرون أن عملية الاغتيالات السياسية التي افتتحت بها القوات الإسرائيلية حربي الـ12 يوماً والجارية جزءاً من حرب قصّ عشب إيران التي تمزج بين الأهداف السياسية والعسكرية وحتى المدنية. منذ الصيف الماضي، لم تكتف إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية مرتبطة بالمشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة فحسب، بل تضرب قادة النظام الإيراني ومؤسّساته السياسية والعسكرية والأمنية، إلى جانب البنى التحتية الاقتصادية، بل وحتى البنى المدنية، بما فيها شبكة الكهرباء ومحطة تحلية المياه. وتسارع إسرائيل الزمن لإلحاق أكبر قدر من الدّمار بقدرات النظام الإيراني على مواصلة الدفاع عن وجوده. ويتطلب نجاح هذه الحرب الشاملة الدورية في إيران قدرة إسرائيل على السيطرة على الأجواء الإيرانية، واختراق المنظومة الأمنية، بما يمكنها من ضربها كلما أعادت طهران تماسكها وبناء قوتها، بحيث تؤدّي كل عملية من عمليات “جزّ العشب” إلى تأخير قدرات إيران مؤقتاً، قبل أن تتكرر الدورة إلى حين سقوط النظام أو تغيير قادته بما يتلاءم مع سياسات تل أبيب التوسعية.
أدّى الصراع بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي إلى أزمة طاقة عالمية كبرى، بعدما فرضت طهران عملياً حصاراً على مضيق هرمز
ولكن حدود هذه الاستراتيجية التي صُمّمت لمواجهة خصوم محدودي القدرات العسكرية تكمن في أن إيران ليست غزّة، ولا لبنان، أو سورية. لقد أكّدت الجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضد إيران أنه ليس بالسهولة بمكان إسقاط نظامها، أو إضعاف قدراته، عبر حملات قصف جوي، وإن كانت جدّ مكثفة ومدمّرة، فسرعان ما تبين أن نجاحها في اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، وقادة سياسيين وعسكريين كبار، لم يؤدّ إلى انهيار النظام، لكونه لا يقوم على شخص واحد، حتى وإن كان يتمتع بسلطات واسعة، بل يستند هذا النظام إلى مجموعة مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية متعدّدة ومتداخلة أحياناً. فبحكم طبيعته الثورية، صُمم النظام الإيراني تحديداً لتحمّل الصّدمات، وانتقال القيادة بسرعة وسلاسة إلى صفوف موالية، مع توافق مراكز صناع القرار، لذلك، حتى وإن شكل إسقاط النظام أهداف الحرب الإسرائيلية على إيران، فإنه لا يعدو أن يكون هدفاً ضمن مجموعة أهداف يصعب تحقيقها.
ويصطدم المشروع الإسرائيلي بأن جغرافية إيران تجعل منها شبه قارّة، تخدمها تضاريسها المتنوعة، وبنيتها التحتية العسكرية ومنشآتها النووية محاطة بتحصينات جرى تشييد جلّها تحت الأرض، لتحمّل الضربات الجوية تحديداً، بحيث يصعب تدميرها بالكامل، حتى وإن ألحق بها ضرر بالغ. جزّ عشب إيران يستدعي قوة نارية خارقة وحملات عسكرية مكثفة ومتكرّرة، في حين أن تكرار الهجمات الحالية، وهو جوهر العقيدة الإسرائيلية، سيكون بالغ الصعوبة، خصوصاً بعد أن أصبحت طهران تشترط عدم تكرار العدوان على أراضيها، وصرف تعويضات للدمار الذي أُلحق بالبلاد لإيقاف حرب استنزافٍ تبدو عازمة وقادرة على مواصلتها. ثم إن قدرات إيران العسكرية ليست في حجم ترسانتها العسكرية فقط، بل في امتلاكها أيضاً صناعة حربية أربكت واشنطن وتل أبيب بدقة صواريخها الباليستية المتطوّرة ونجاعة مسيّراتها، ما جعلها تحارب وحدها على عدة جبهات وفي الوقت نفسه، من دون الاعتماد هذه المرّة على حلفائها ووكلائها الإقليميين.
ليست إيران ذلك الخصم المُتخيّل الذي قد يسمح بتقليم أظافيره دورياً من دون أن تؤدّي إسرائيل وواشنطن وحلفاؤها ثمناً باهظاً
وما يعوق حلم إسرائيل قصّ عشب إيران أيضاً أن قوة الأخيرة تتجاوز المجال العسكري ما دامت تمتلك ورقة الطاقة التي لم تتردد في توظيفها، فحتى منتصف مارس/آذار الجاري، أدّى الصراع بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي إلى أزمة طاقة عالمية كبرى، بعدما فرضت طهران عملياً حصاراً على مضيق هرمز، واستهدفت بنى الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد أدّى هذا إلى تعطيل شحن ما يزيد على 20% من الاحتياجات العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة دولياً، ما أفقد هذه الحرب الإسرائيلية – الأميركية الدعم الأوروبي المعتاد، خصوصاً في ضوء سياسات ترامب الجمركية. وتساهم ورقة الطاقة التي تلعب بها طهران في عرقلة المشروع الإسرائيلي في إخضاع النظام الإيراني، عبر تكرار هجماته، خصوصاً أن هذه الحرب لا تحظى بدعم شعبي داخل الولايات المتحدة، ما يجعل تكرارها شبه مستحيل، في ضوء حسابات الحزب الجمهوري، وانتشار مناهضة إسرائيل وسياساتها لدى جزء مهم من قاعدته الانتخابية.
قد تحقّق إسرائيل عدّة أهداف في هذه الحرب، فقد تتراجع القدرات العسكرية الإيرانية مؤقّتاً، وقد تتضرّر البنية التحتية في البلاد، لكن مضيها في مشروع قص عشب إيران يبدو وهماً لا أكثر، فالجمهورية الإسلامية ليست بذلك الخصم المُتخيّل الذي قد يسمح بتقليم أظافيره دورياً من دون أن تؤدّي إسرائيل وواشنطن وحلفاؤها ثمناً باهظاً يردعهم عن معاودة العدوان. بل قد تؤدي الاستراتيجية الإسرائيلية في الواقع إلى نتائج عكسية، إذ يبدو أنها قد أفرزت قيادة أكثر تطرّفاً من سابقتها، وأكثر عزماً على تجاوز كل النقاط الحمراء من أجل البقاء، وقد تسعى إلى تسريع برامجها العسكرية، بما في ذلك تصنيع القنبلة النووية المحظورة.
مؤكّد أن قيادة طهران جد واعية برغبة تل أبيب في تحويلها إلى أجواء ومروج مستباحة، ولذلك أصبحت تعمل على قلب المعادلة بإرغام واشنطن وإسرائيل وحلفائهما على دفع ثمن باهظ يردعهما جميعاً عن التفكير في تكرار هذا العدوان، وهي بذلك قد تقصّ العشب تحت أقدامهم بإصرار قادتها على أنهم في حرب الاستنزاف التي ستنتهي عندما يصبح مؤكداً أنها لن تتكرّر، مع توفير الضمانات اللازمة لذلك.
المصدر: العربي الجديد






