تركة الأسد المسمومة.. قنابل موقوتة في سوريا الجديدة

علي البرغوث

بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال أخطر ملف يلوح في الأفق السوري: ترسانة كيميائية ضخمة، بعضها لا يزال طليقاً، وآلاف الأطنان من المواد السامة في عداد المفقودين، وعلماء ومهندسون كانوا العقل المدبر للهجمات يعيدون تنظيم صفوفهم. وبين التعاون الدولي غير المسبوق والخطر الإرهابي المحدق، يبقى السؤال: هل تستطيع سوريا الجديدة نزع فتيل الموت قبل فوات الأوان؟

في تلتين ترابيتين عاديتين، إحداهما في بلدة زملكا والأخرى في مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق، لا يوجد شاهد قبر ولا لوحة تذكارية. لكن تحت هذا التراب ترقد ذكرى مئات الضحايا الذين قضوا في الهجمات الكيميائية التي هزت ضمير العالم. ففي زملكا دُفن العشرات من ضحايا هجوم عام 2013، أما في دوما فقد شهد السابع من نيسان/أبريل 2018 مجزرة راح ضحيتها أكثر من 40 مدنياً إثر هجوم بغازات سامة. وحين استعاد جيش النظام السابق هذه البلدات، لم يكتفِ بطمس معالم الجريمة، بل محا قبور الضحايا أيضاً. واليوم تروي هاتان التلتان الصامتتان قصة أكبر من مجرد مأساة ماضية؛ إنهما نافذتان على مستقبل غامض وخطير ينتظر السوريين.

فبعد عام ونيف على الإطاحة بالأسد، تعود “تركة الأسد السامة” إلى الواجهة، ليس فقط كملف للعدالة الانتقالية، بل كتهديد وجودي يهدد استقرار سوريا الجديدة والمنطقة بأكملها.

100 موقع غامض و”فجوات” في الذاكرة المؤسساتية

كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيق استقصائي أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تشتبه بوجود أكثر من 100 موقع للأسلحة الكيميائية في سوريا، وهي بقايا برنامج عسكري سري كان النظام السابق يديره بحرفية عالية. ويُعد هذا التقدير، الذي وصفته المنظمة بأنه أول تقدير حقيقي لحجم البرنامج، أكبر بكثير مما اعترف به النظام علناً، إذ اقتصر اعترافه على 27 موقعاً فقط.

هذه المواقع، الموزعة بين منشآت بحث وتصنيع ومخازن سرية، كانت قلب آلة الموت التي استخدمت غازات الأعصاب مثل السارين والكلور ضد المدنيين. ويقول مسؤولون في المنظمة إن هذا التقدير الجديد استند إلى معلومات استخبارية من دول أعضاء، وبحوث مستقلة، ومقابلات مع علماء فرّوا من جحيم الأسد إلى أوروبا.

لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة السورية المؤقتة لا يقتصر على العثور على هذه المواقع فقط. ففي جلسة لمجلس الأمن الدولي في يناير/كانون الثاني 2026، وصف المندوب السوري إبراهيم العلبي التحديات بصراحة نادرة، قائلاً:
“إن سرية البرنامج الكيميائي في عهد الأسد أدت إلى غياب أي ذاكرة مؤسساتية عنه، بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات الوطنية والأخطار الهائلة التي تشكلها الألغام ومخلّفات الحرب”.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة، فإن فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تتمكن حتى الآن، وبعد عام من سقوط النظام، من زيارة سوى 19 موقعاً فقط من بين أكثر من مئة موقع مشتبه به.

تحذر الأمم المتحدة من أن غاز السارين يمكن أن يقتل خلال دقائق، وأن قنطاراً واحداً منه قد يمحو استثمارات إعادة الإعمار لسنوات.

من “الملازم” إلى “الهارب”: عودة مهندسي الموت

بينما تبحث الحكومة عن الذخائر المفقودة، يعاد تشكيل الخطر البشري. فوفق تقارير ميدانية موثقة نشرتها مجلة “علماء الذرة” المرموقة، يعيد الموالون للنظام السابق – وعلى رأسهم العميد سهيل الحسن، قائد قوات النمر سيئة الصيت – تنظيم صفوفهم في المناطق الساحلية، خصوصاً في اللاذقية وطرطوس، حيث يُعتقد أن النظام السابق أخفى جزءاً كبيراً من ترسانته الكيميائية لأسباب أمنية.

ويُعتقد أن هؤلاء، الذين يخططون لما يسمونه “مقاومة” مسلحة ضد الحكومة الجديدة، هم أنفسهم من خططوا ونفذوا هجمات كيميائية دامية، مثل هجوم دوما في أبريل/نيسان 2018 الذي أودى بحياة أكثر من 40 مدنياً.

ولا يقتصر الخطر على فلول النظام. فمع عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى النشاط في بعض البلدات، ومع امتلاكه سابقة في استخدام الأسلحة الكيميائية، يتزايد القلق الدولي من احتمال وصول هذه المواد إلى أيدي جماعات إرهابية.

وتحذر الأمم المتحدة من أن غاز السارين يمكن أن يقتل خلال دقائق، وأن قنطاراً واحداً منه قد يمحو استثمارات إعادة الإعمار لسنوات.

دمشق تفتح أبوابها… لكن الطريق إلى لاهاي طويل

وسط هذا المشهد القاتم، يبرز بصيص أمل غير مسبوق. فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الملف الكيميائي السوري التي تتعاون فيها الحكومة في دمشق بشكل كامل وشفاف مع المجتمع الدولي.

فقد تعهد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في لاهاي بتدمير كل بقايا برنامج الأسد، واصفاً المرحلة الجديدة بأنها “انتقال من مرحلة الشك والتلاعب إلى مرحلة الشراكة”.

وقد أثمر هذا التعاون بالفعل عن نتائج ملموسة. إذ سلّمت السلطات السورية مؤخراً 34 صندوقاً من الوثائق السرية المتعلقة بالبرنامج الكيميائي. وفي إنجاز قانوني غير مسبوق، استخدمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذه المعلومات لتأكيد مسؤولية نظام الأسد عن هجوم بغاز الكلور على مشفى في مدينة كفر زيتا عام 2016، في أول تقرير من نوعه يصدر بتعاون سوري كامل.

ومع ذلك، لا تزال العقبات جسيمة. فبينما تم تدمير المخزون المعلن عنه بالكامل – نحو 1300 طن – بجهود دولية سابقة، فإن الأسئلة العالقة لدى المنظمة تصل إلى 19 قضية، أبرزها وجود 300 طن من غاز الخردل وعشرات الأطنان من سلائف غاز السارين لم يتم حصرها بعد.

ويقول خبراء إن هذه المواد، حتى لو كانت قديمة، تبقى فتاكة. فغاز السارين الذي استخدم في هجوم طوكيو عام 1995 كانت نقاوته 35% فقط، لكنه كان كافياً لقتل 12 شخصاً وإصابة الآلاف.

الحكومة المؤقتة، التي تعاني فجوات في القدرات والإمكانات، تناشد المجتمع الدولي تقديم دعم مباشر، ليس فقط عبر القصف، بل عبر بناء قدرات وطنية للتفتيش والتدمير الآمن.

نداء إنقاذ: حماية أم قصف؟

وسط هذا الفراغ الأمني والمعرفي، تبرز قضية شائكة أخرى: القصف الإسرائيلي. فبعد سقوط الأسد مباشرة، شنت إسرائيل غارات على منشآت كيميائية سورية لمنع وصول الأسلحة إلى “أيدي متطرفين”.

لكن محللين يحذرون من أن هذه الضربات، بدلاً من حل المشكلة، ربما زادتها تعقيداً. وتقول الباحثة ناتاشا هول من مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن إن هذه الغارات “قد تكون حجبت مسار العدالة بدلاً من أن تسهم فيه”، مشيرة إلى أنها قد تسبب تلوثاً بيئياً وتدمر الأدلة التي يحتاجها المدعون الدوليون لمحاكمة مجرمي الحرب.

اليوم تقف سوريا الجديدة عند مفترق طرق مصيري. فالحكومة المؤقتة، التي تعاني فجوات في القدرات والإمكانات، تناشد المجتمع الدولي تقديم دعم مباشر، ليس فقط عبر القصف، بل عبر بناء قدرات وطنية للتفتيش والتدمير الآمن.

فـ”درهم وقاية”، على حد تعبير أحد المسؤولين، “خير من قنطار سارين يعيد البلاد إلى عصور الظلام”. وتبرز الحاجة الملحة إلى تدريب فرق سورية على التعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وتزويدها بمعدات الحماية والكواشف والترياق، وهي متطلبات أساسية لتحويل النوايا الحسنة إلى واقع آمن على الأرض.

فالطريق إلى لاهاي يمر عبر دمشق، كما يقول الخبراء. لكن الطريق من دمشق إلى مستقبل آمن يمر أولاً عبر تأمين أكثر من 100 موقع غامض، ونزع سلاح آلاف الأطنان من الموت المنسي، وتفكيك شبكات “مهندسي الموت” الذين لا يزالون يحلمون باستخدام آخر ورقة سامة في جعبتهم.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى