
على وقع اعتداءات “إسرائيل” المتواصلة منذ عدة أيام على لبنان، شهدت المنافذ الحدودية بين سوريا ولبنان موجات متصاعدة لعودة آلاف اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وذلك بالتوازي مع الجهود التي تبذلها الدولة السورية لتأمين كل ما يلزم من أجل تسهيل عملية عودة الأهالي إلى وطنهم الأم، سوريا.
وأفادت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بعودة أكثر من 65 ألف مواطن سوري من لبنان عبر المعابر الحدودية منذ بداية تصعيد “إسرائيل” في الأراضي اللبنانية.
وأكدت الهيئة، في منشور لها عبر معرفاتها الرسمية، أن الكوادر العاملة في معبري جديدة يابوس وجوسية قدمت جميع التسهيلات والخدمات اللازمة للقادمين، لضمان انسيابية حركة العبور وسرعة إنجاز الإجراءات.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن فرقها تواصل تنفيذ استجابة إنسانية وإغاثية للسوريين القادمين من لبنان عبر معبري جديدة يابوس وجوسية، نتيجة الظروف الأمنية الراهنة، وذلك بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.
وأكدت الوزارة أن فرق الإسعاف في الدفاع المدني السوري تعمل على نقل المصابين والمرضى وتقديم الإسعافات الأولية للقادمين، خاصة في ظل تسجيل حالات تعب وإرهاق بين بعض العابرين.
وأضافت أن فرق الإغاثة الطارئة في الوزارة تتولى التنسيق لتقديم الدعم الإنساني والإغاثي للقادمين عبر المعابر الحدودية.
وكانت الهيئة قد أعلنت في وقت سابق أن معبري جديدة يابوس وجوسية الحدوديين مع لبنان استقبلا، منذ يوم الاثنين الماضي 2 آذار، نحو 11 ألف مسافر، غالبيتهم من السوريين العائدين إلى البلاد، مبينة أن الكوادر العاملة في المنفذين قدمت جميع التسهيلات والخدمات اللازمة ونظمت حركة العبور بانسيابية عالية، لضمان سرعة إنجاز الإجراءات والحفاظ على سلامة العابرين، في ظل الجاهزية المستمرة والاستنفار الكامل لمواكبة تزايد أعداد القادمين من لبنان.
استنفار جميع الوزارات والمؤسسات المعنية
وتواصل الدولة السورية إجراءاتها من أجل تأمين عودة كريمة للسوريين من لبنان، من خلال استنفار جميع الوزارات والمؤسسات المعنية. وفي هذا السياق، افتتحت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك منفذ العريضة الحدودي اعتبارا من صباح الأحد 8 آذار الحالي، لاستقبال السوريين المقيمين في لبنان الراغبين في العودة إلى وطنهم.
وأوضح مدير العلاقات العامة في الهيئة، مازن علوش، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، أن الهيئة خصصت العبور في هذه المرحلة للمشاة فقط وباتجاه واحد من لبنان إلى سوريا، دون السماح بنقل أثاث المنازل، نظرا إلى أن الجسر الواصل إلى المنفذ ما زال بحاجة إلى أعمال صيانة وتأهيل قبل إعادة تشغيله بشكل كامل أمام حركة المركبات، مؤكدا أن كوادر الهيئة العامة للمنافذ والجمارك جاهزة لتقديم جميع التسهيلات اللازمة للعائدين وتنظيم إجراءات الدخول بما يضمن سرعة إنجاز المعاملات وسلامة المواطنين.
وكانت حركة عبور العائدين عبر منفذي جديدة يابوس وجوسية الحدوديين مع لبنان تجري بشكل طبيعي على الجانب السوري منذ يوم الاثنين الماضي، بالإضافة إلى بقاء الإجراءات المتعلقة بدخول الأشقاء اللبنانيين إلى سوريا كما هي، دون تغيير.
وأشار علوش إلى أن المنافذ الحدودية مع لبنان تشهد منذ عدة أيام ازديادا ملحوظا في أعداد السوريين المقيمين في لبنان العائدين إلى وطنهم، وسط جاهزية تنظيمية كاملة في المنفذين لاستيعاب حركة العبور المتزايدة، لافتا إلى أن كوادر الهيئة مستنفرة على مدار الساعة لتسهيل إجراءات المسافرين وتقديم جميع الخدمات اللازمة لهم، بما ينسجم مع مسؤولياتها الوطنية وحرصها الدائم على توفير أفضل الظروف الممكنة لعودة الأهالي إلى وطنهم.
تدفق العائدين سوف يستمر
وقال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إن عدوان “إسرائيل” على لبنان أدى إلى مزيد من التهجير لكل من اللبنانيين والسوريين على حد سواء، ومن الطبيعي أن يتجه السوري اللاجئ في لبنان نحو وطنه الأم الذي سبق أن غادره تحت وقع القصف والاعتقال من قبل نظام الاستبداد الأسدي، وبالتالي فإن من واجب الحكومة السورية الحالية، حكومة التحرير، أن تستقبل العائدين إلى وطنهم، ومن ثم تؤمن لهم مسكنا يأوون إليه، بعد أن تم تدمير مساكنهم قبل ذلك على يد المجرم الأكبر بشار الأسد، لافتا إلى أن الحكومة السورية مهتمة جدا باستقبال العائدين، وتعمل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا على تأمين المأوى والمسكن لمن ليس لديه مكان للسكن.
وأوضح سعدو، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن تدفق العائدين سوف يستمر مع استمرار قصف “إسرائيل”، ويبدو أن عدوان “إسرائيل” لن يتوقف قريبا، بل هو مستمر حتى إنهاء ميليشيا “حزب الله” في لبنان وسحب السلاح ممن تبقى من هذه الميليشيا. وقال: مع إعلان “إسرائيل” أنها لن تتوقف قبل سحب سلاح “حزب الله”، فهذا يعني أن المعاناة سوف تستمر، وقد تؤدي إلى عودة كل السوريين الموجودين على الأراضي اللبنانية، وهم يرون أن وطنهم قد أصبح يسير في طريق التعافي والبناء والنهوض من الخراب الذي أورثه النظام المخلوع.
ولفت المحلل السياسي إلى المعوقات الكثيرة التي تضعها السلطات اللبنانية أمام العبور والعودة للسوريين، ومنها مسألة حصول السوري على أوراق نظامية ووثائق تتعلق بإقامته وما شابه ذلك، مؤكدا أن هذا عمل بيروقراطي لا ضرورة له، وهو يعيق كل حالات العودة التي طالما نادى بها اللبنانيون أنفسهم، باعتبار أن لبنان غير قادر على استيعاب هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين الذين سبق أن فروا إلى لبنان بسبب حرب نظام الأسد المخلوع على السوريين.
مليون و400 ألف لاجئ سوري في لبنان
وفي سياق متابعتها لإجراءات العبور، أكدت إدارة منفذ جديدة يابوس، الذي يقع غربي العاصمة دمشق، أن غالبية العائدين من لبنان هم من اللاجئين السوريين، إضافة إلى بعض العمال والمسافرين السوريين، بسبب تصاعد هجمات “إسرائيل” على لبنان.
وقال رئيس قسم العلاقات العامة في المنفذ، محمد القاسم، إنه نتيجة التطورات والأوضاع الأمنية في لبنان، خلال الأيام الثلاثة الماضية، عاد أكثر من 25 ألف سوري إلى وطنهم، مشيرا إلى أن جميع الطواقم والآليات في المنفذ في حالة استنفار لضمان استقبال السوريين القادمين من لبنان على مدار الأربع والعشرين ساعة.
وحول ما شهده المنفذ من توقف للعمل فيه يوم الأربعاء الماضي، قال القاسم: “تواصل معنا الجانب اللبناني في نقطة المصنع الحدودية بشأن وجود بلاغ يفيد باحتمال أن يقوم الطيران “الإسرائيلي” بضرب نقطة المصنع، لذا تم التوقف عن العمل لمدة ساعة لحركتي الاستقبال والمغادرة، وعندما تم إخبارنا بأن البلاغ كان كاذبا عدنا إلى العمل مرة أخرى”.
وبحسب تقديرات الحكومة اللبنانية، يوجد قرابة مليون و400 ألف لاجئ سوري في لبنان، نصفهم تقريبا مسجلون على قوائم الأمم المتحدة.
وطبقا للتقارير الدولية، يعيش نحو 90% من اللاجئين السوريين في لبنان تحت خط الفقر، ويعملون بأجور متدنية، وسط تراجع المساعدات التي يتلقونها هناك بسبب خفض التمويل الدولي، ومع ذلك يتردد غالبية اللاجئين السوريين في لبنان في العودة إلى البلاد التي لا تزال تعاني من تبعات الحرب المدمرة.
تعقيدات إجرائية سبب التأخير على الحدود
وبالرغم من التسهيلات التي تقدمها السلطات السورية على الجانب السوري من المعابر الحدودية مع لبنان، لم تخل عملية العودة من تعقيدات إجرائية على الجانب الآخر، حيث أفاد مواطنون سوريون بوجود أعداد غفيرة على الجانب اللبناني لا تزال تنتظر الحصول على إذن بالعبور.
وأوضح السوريون العائدون، أن السلطات اللبنانية فرضت إجراءات لتسوية أوضاع المغادرين، خاصة أولئك الذين دخلوا أراضيها سابقا عبر طرق غير شرعية، حيث اشترطت دفع الغرامات المالية المترتبة على مخالفات الإقامة والعبور غير القانوني شرطا مسبقا لمنحهم إذن الخروج الرسمي نحو سوريا، مشيرين إلى أن هذا الإجراء، إضافة إلى الضغط الهائل على المنفذ، تسبب في تأخير كبير أدى في بعض الحالات إلى حدوث إشكاليات مع الأجهزة الأمنية اللبنانية قبل السماح بالعبور، وقد رصدت كاميرات القناة نفسها طوابير طويلة من السيارات المحملة بأمتعة خفيفة يحملها العائدون معهم.
ويجمع العائدون على أن قرار العودة كان طوعيا بحتا، مدفوعا بالخوف من العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، بالرغم من الصعوبات التي واجهتهم أثناء الخروج من الجانب اللبناني، بما في ذلك الإجراءات المالية والإدارية.
ولم يقتصر الضغط على منفذي جوسية واليابوس فحسب، بل امتد ليشمل معبر “المصنع” الحدودي في منطقة البقاع اللبنانية، الذي يعد المنفذ البري الرئيسي بين البلدين.
وبحسب المصادر المحلية، فإن الكثافة الكبيرة أدت إلى تباطؤ نسبي في حركة العبور وسط إجراءات تفتيش مشددة، بينما تتزايد أعداد العائلات الراغبة في عبور الحدود تخوفا من أي تصعيد محتمل قد يطال المناطق الحدودية أو العمق اللبناني المحاذي لسوريا.
وأدى التصعيد الأمني الحالي، بسبب قصف “إسرائيل” المكثف لمناطق لبنانية واسعة، إلى إعادة رسم خريطة الحركة الديموغرافية على الحدود بشكل جذري، ليقلب اتجاه التدفق السكاني رأسا على عقب، حيث تحول المسار من هجرة السوريين نحو لبنان إلى عودة جماعية عاجلة. ومع تصاعد وتيرة القصف اليومي، يبدو أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع في الأيام المقبلة، في مشهد يعيد ذاكرة النزوح، لكن باتجاه الوطن الأم هذه المرة.
المصدر: الثورة السورية






