نصف اتفاق ونصف حقيقة

   سامح راشد

             

ثمّة مقولة معروفة بين المشتغلين بالسياسة والعلاقات العامّة ومخاطبة الرأي العام مفادها بأنّ “نصف الحقيقة” يُنقِذ من كذبة كاملة، فالإفصاح عن جزء فقط من حقيقة أيّ أمر أفضل كثيراً من تقديم أشياء مختلقة لا أساس لها. وغالباً تنجح هذه الحيلة في تجنّب انتقاد المواقف السياسية أو اكتشاف ما يتلقّاه الجمهور من خدمات أو يُتّخذ بحقّه من قرارات، قد لا تكون مُرضيةً تماماً، وربّما تُرفض لنقائص أو مآخذ جزئية، فتُستبعد تلك الجزئيات ويُقتصر في الدعاية والترويج على الإيجابيات.
هذا بالضبط ما حدث خلال الأيّام الماضية بين إيران والولايات المتحدة مع إعلان بلورة صيغة نهائية لاتفاق، وحُدِّد لتوقيعه مساء أمس (الأحد) أو صباح اليوم (الاثنين) بتوقيت شرقي الولايات المتحدة. فما إن تسرّبت أنباء الانتهاء من صيغة للاتفاق مقبولة من الطرفين، حتّى خرجت من الجانبَين حملات دعائية تروّج اتفاقاً خرج كلاهما منه منتصراً وحائزاً كلّ المكاسب والأهداف. وهو أمر مفهوم في علم النفس السياسي. فبعد جولات عديدة من التفاوض والتأرجح بين المرونة والتشدّد، يجب أن يكون أيّ اتفاق بمثابة نصر تفاوضي بديلاً من النصر العسكري. وحتّى إن لم يكن ذلك حقيقياً، أي ليس الاتفاق نصراً فعلياً ولا يلبّي سقف المطالب الخاصّة بأيّ من الطرفَين؛ يجري تسويقه بهذه الصورة.
مثلاً، أعلنت إيران أنّ الاتفاق يضمن لها رفع الحصار ومغادرة القوات الأميركية المرابطة على أبواب الخليج، وأنّ العقوبات ستُرفع وتُردّ الأموال الإيرانية المجمَّدة، على أن يُرحَّل الملفّ النووي إلى مرحلة تالية من الاتفاق ويخضع لمسار تفاوضي. فيما يوضّح الموقف الأميركي أنّ هذه الأمور كلّها لن تحدث فوراً ولا دفعةً واحدة، فيما سيُفتح مضيق هرمز فوراً ومن دون رسوم أو شروط.
وأمام هذا التفاوت، يلجأ كلّ طرف إلى اتهام الآخر بالكذب أو المبالغة، وفي أفضل الأحوال تأويل البنود لمصلحته. وبالفعل، فور إعلان باكستان توصّل واشنطن وطهران إلى صيغة اتفاق لإنهاء الحرب الجارية؛ بادر كلٌّ من الجانبَين إلى تسريب بعض البنود ونقاط التفاهم، بشكل متناقض. وسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وصف التسريبات الإيرانية بالكذب.
حتّى هنا يبدو الأمر متوقَّعاً، بل من المتوقَّع أيضاً أن يبدأ الطرفان لاحقاً جولة اتهامات متبادلة حول تفسير بعض البنود وآليات تنفيذها والتنصّل من بعضها الآخر كلّياً.
المعنى الكامن في هذا التسلسل، من واشنطن أو من طهران، لا يلامس السقف التفاوضي المقبول لديهما، ومن ثم لم تنجح أيّ منهما في تحصيل الحدّ المناسب من أهدافها من ذلك الاتفاق (في نظرها)، خاصّة أنّ جانباً مهمّاً من العملية التفاوضية برمّتها يتعلّق بالوضع الداخلي، وبموقف الرأي العام في كلٍّ من طهران وواشنطن، وحدود ما يمكن قبوله شعبياً بعد حرب شهدت خسائر وانتكاسات في الجانبَين.
وعلى الرغم من أهمية الموقف الداخلي، يظلّ هناك الأهم، وهو التباين في تفسير ما تمّ التوصّل إليه ويمكن اعتباره مؤشّراً إلى تماسك الاتفاق وحدود “الاستدامة” فيه. فإذا كان أيّ من الطرفَين غير راضٍ بشكل كافٍ عن مضمون الاتفاق، ما يعني هشاشة دوافع التمسّك به ومحفّزات إنجاحه وتثبيته، فكيف الحال وهذا هو موقف الطرفَين معاً؟
صحيح أنّ تجاوز النقاط الخلافية، أو بالأدقّ تأجيلها، يشير إلى رغبة حثيثة لدى الجانبَين في إنهاء العمليات العسكرية المُنهِكة لكليهما، لكنّ تلك الخلافات المؤجَّلة، ومنها تجزئة البرنامج النووي، هي الأكثر أهمّيةً وصعوبةً في التفكيك والتسوية، بل إنّ بعضها مثل ملفّ القدرات الصاروخية الإيرانية والوكلاء الإقليميين، تعتبرهما طهران خارج المناقشة، تؤكّد أنّ الطرفين توصّلا إلى اتفاق حول نصف القضايا، وكلّ منهما لا يقدّم منه سوى نصف الحقيقة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى